تأملات في المسألة اللغوية اللغة العربية : لغة الدين والحضارة والهوية


د. عباس الجراري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

تخالجني أحاسيس سعادة غامرة واعتزاز فائق، وأنا أحضر إلى هذه المدينة الجميلة (فگيگ)، الشهيرة بما أنجبت من مجاهدين وعلماء وصلحاء، لأشارك في ملتقاها الرابع لخدمة القرآن والسنة، وهو يتناول موضوعا ذا أهمية قصوى بالنسبة للمغرب وسائر العالم العربي والإسلامي، ألا وهو “اللغة العربية والتحديات المعاصرة”، وفي إطار هذا الموضوع، أقترح أن أقدم عرضا موجزا أثير فيه تأملات في المسألة اللغوية”.

لعلنا في غير حاجة إلى أن نؤكد أن اللغة -أية لغة- تعتبر في أي وطن مقوما أساسيا ومكونا رئيسيا للهوية -أية هوية- إلى جانب الدين والثقافة، ومن ثم فإن وعي أي مجتمع بل إن أكبر مظهر لهذا الوعي هو شعوره العميق بهويته أي بذاته وشخصيته. ونظرا لهذه العلاقة الوطيدة فإن الإساءة إلى اللغة أو محاولة الحط من شأنها، لا تلبث أن تنعكس على تلك الذات عبر الانعكاس على فكر الناطقين بها.

وحين يتعلق الأمر بلغتنا العربية، فإننا نرى ضرورة التذكير بأنها لغة الدين والحضارة، لارتباطها الوثيق بالكيان، من خلال القرآن والحديث النبوي الشريف والتراث الغزير الذي أنتجه العرب والمسلمون على امتداد التاريخ وما زالوا ينتجونه. وهي بعد هذا لغة حية ودولية، وأداة تواصل ديني لنحو مليار ونصف مليار من المسلمين، أزيد من ثلاثمائة مليون عربي هي لغتهم الأصلية والرسمية.

وحسب بعض الإحصاءات العالمية، فإنها تسجل رابع لغة في العالم من حيث عدد المتحدثين بها، بعد الصينية،والانجليزية والإسبانية، وفي إحصاءات أخرى أن العربية تحتل الصف الثالث. أما الفرنسية التي نتمسك بها في أقطار المغرب العربي فتأتي في المرتبة التاسعة أو العاشرة. وتجدر الإشارة إلى أنه فيما يتعلق بالوسائل الرقمية وشبكة الأنترنيت، فإن العربية -حسب إحصاءات أخيرة- تصف التاسعة أو العاشرة في حين تحظى الانجليزية بالمركز الأول.

ثم إن اللغة العربية اليوم تشهد انتشارا كبيرا غير مسبوق، ما يبعث على التفاؤل بشأنها واعتبارها بخير. إلا أنها رغم ذلك تعاني مشكلات، وتواجه تحديات ذاتية وخارجية. وهو واقع يعكس الأزمة التي تجتازها المجتمعات العربية، ولا سبيل لتشخيص ذلك الواقع إلا بالنظر إلى هذه الأزمة، لأن معاناة اللغة من معاناة أهلها، وأنها ليست مجرد أداة للتعليم والإرادة، ولكنها الآلية التي تحرك المجتمع عبر الفكر والعلاقات التواصلية المختلفة.

وحتى نبقى، في المجال اللغوي الصرف، فإنه لا مناص من الإشارة إلى بعض العوائق التي ظهرت منذ أوائل عصر النهضة، والتي عرقلت تطور العربية وازدهارها، ومنها الدعوة إلى اتخاذ الحرف اللاتيني بدلا عن الحرف العربي، على الرغم من جماليته وطاقاته التعبيرية في الكتابة، ومثلها المناداة بإلغاء التراث وتجاوز قواعد النحو والصرف، وكذا المناداة باستخدام العامية حتى في الكتابات الأدبية؛ مع الحرص على إعطاء مكانة متفوقة للغات الأجنبية في التعليم والإدارة. والحق أن هذه الدعوات لم تكن تسعى إلا إلى إضعاف الانتماء العربي وتمزيق الفكر ووضع القطيعة مع التراث، دون إغفال التأثير السلبي على التنمية، ليس فقط في جانبها الثقافي، ولكن في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية كذلك.

وإننا حين نتأمل واقع اللغة العربية اليوم بموضوعية، فإننا لا شك ننتهي إلى أن حاجتها كبيرة إلى توسيع متنها وتجديده، على الرغم من غناه في الأصل. وذلك بالاعتماد على ما لها من خصوصيات، وقدرات على استيعاب كل جديد بالوضع والاشتقاق والنحث والاقتباس والتعريب، إذ لا يخفى أن اللغة تكون غنية باتساع متنها وبما تعبر عنه من معارف وعلوم، إلى جانب مستلزمات الحياة العادية، مما ينعكس على مستوى الناطقين بها والمستعملين لها كافة. تضاف إلى ذلك الحاجة إلى تيسير النحو والكتابة، مع العلم أن الأزمة من هذا الجانب ليست كامنة في هذين المقومين الأساسيين فقط، ولكن أيضا في قضية الذوق الذي لا تربى عليه الأجيال في مراحل التعليم بالقراءة السليمة والنصوص الجيدة.

وارتباطا بهذه القضية، نود أن نشير إلى أن وسائل الإعلام -كالصحافة – هي لا شك من بين أدوات تطوير اللغة وجعلها، في نطاق المحافظة على قواعدها وجماليتها وسائر مقوماتها الأساسية، قادرة على ما يقتضيه العصر من تطور في مختلف المجالات؛ على نحو ما تحقق إبان ازدهار الصحافة في القرن الماضي. إلا أن ذلك لا يعني كما هو حادث اليوم، باسم التطوير الإعلامي، تكسيرا لتلك القواعد والمقومات، وتشويها للغة بما يفقدها سلامتها ومسحتها الفنية. وهو ما تعكسه في الحقيقة معظم الأجهزة الإعلامية في مختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما بعد أن طغت مظاهر الجنس والإثارة والاستفزاز،وما إلى ذلك مما هو ملاحظ اليوم في كثير من الجرائد والمجلات والفضائيات، بقصد دغدغة عواطف القراء والمشاهدين من الشباب وبسطاء الناس، وإغرائهم بشتى مظاهر التفسخ والانحلال وما يصرفهم عن واقع مجتمعهم ومتطلبات النهوض بها لإخراجها من التخلف الذي تعانيه.

ثم إن العربية باعتبارها إحدى اللغات السامية، إن لم تكن أهمها جميعا وأكثرها انتشارا وأغزرها تراثا، تثير بعض الصعوبات لمن يريد أن يتعلمها من الأجانب. وهي صعوبات -على ما في إثارتها من مبالغة- ترجع بالأساس إلى تركيبها الذي يختلف عما هو معروف في اللغات الهندو أوروبية. وهو ما لا ينبغي أن يتخذ عند العرب ذريعة للطعن في لغتهم.

وفي الوقت الذي كان ينتظر من المهتمين بقضايا اللغة العربية، أن ينكبوا بجد على بعض هذه المشكلات الموضوعية، لإيجاد الحلول الملائمة لها -وهو ما تنهض به المجامع اللغوية وإن باحتشام ودون ما يلزم من فعالية- فإن التركيز عندهم انصب على بعض التوجهات التي أبرزها الدعوة على إحلال العاميات من جهة، وإلى اعتماد اللغة الأجنبية من جهة أخرى ؛ في غير وعي أو انتباه إلى أن استعمال أي منهما هو تعبير عن الانفصام الواقع في المجتمع، وخاصة عند النشء الصاعد الذي يشعر في أوطانه بغربة تفصله شيئا فشيئا عن هويته.

ففيما يتصل بالعاميات، فإننا نود أن نؤكد منذ البدء أن منافسة ما -ولا نقول صراعا- كانت دائما قائمة بين الفصحى والعامية، سواء بشكل ظاهر أو خفي، إلا أن الحقيقة هي أن العلاقة بينهما كانت قائمة باستمرار على التعايش، من حيث التداول في المجتمع، ولاسيما في شؤونه اليومية العامة وفي بعض إبداعاته الفنية والأدبية الشعبية، وكذا من حيث القدرة التلقائية على احتواء ما يشيع في هذا المجتمع من ألفاظ حضارية أعجمية واستعمالها كما هي، وإن ظلت تلك اللغة التي يطلق عليها الفصحى مستقلة بمجال التدوين، وكذا بالحقل الديني المستمد من مكانة القرآن الكريم المتميزة، دون أن ننسى ميدان التعليم الذي كان لها فيه الصدارة.

وقد ظلت هذه القطيعة بين اللسانين العامي والفصيح تنمو وتتزايد على امتداد العصور، واستفحلت إلى حد أثر على الفصحى وزادها عجزا عن استيعاب مصطلحات ما يجد من مبتكرات، وقبل ذلك عن احتواء اللهجات العامية. من هنا يلاحظ أن عناية كبيرة أعطيت لهذه اللهجات التي أصبحت وكأنها لغات مستقلة، مع أنها في الحقيقة -وبالنسبة لمعظمها- مجرد أشكال محلية للغة الأم. وقد يلجأ في بعض الأحيان إلى المزج بينهما فيما يعرف باللسان المزيج أو الخليط أو الهجين، سواء في الحديث أو الكتابة. وهو خلط غالبا ما تتدخل فيه اللغة الأجنبية بنسب متفاوتة تصل إلى فتح المجال واسعا لهذه اللغة، بحجة عجز الفصحى وعدم قدرة العاميات على أخذ مكانها. وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة لا يستبعد منها البعد الديني الذي لا تخفى مراميه التنصيرية.

إن جهودا كبيرة وكثيرة تبذل لدى خصوم العربية الفصحى لتقعيد العاميات،وهي غير مقعدة؛ ولاعتمادها في الأغاني والأشرطة السينمائية والمسلسلات التمثيلية والاستطلاعات والاستجوابات بما فيها الثقافية، وفي مختلف برامج القنوات الفضائية العربية. وهو  ما يؤثر سلبا على انتشار هذه البرامج التي قلما يشاهدها غير الناطقين بهذه العامية أو تلك. ثم هو يهدد العربية الفصحى ليبقيها فقط لغة التراث والدين، باعتبارها لغة القرآن الكريم، ولو أن بعض تلك الجهود بذلت لإنماء هذه الفصحى وإغنائها لتحقق ما يؤمل لها من تقدم.

أما فيما يتعلق باستعمال اللغة الأجنبية فالأمر لا يقل خطورة، لاسيما وهو يأخذ اتجاهين:

>أولهمــا: اللجوء إلى هذه اللغة بشكل هجين في كتابة الإعلانات التجارية واللافتات الدعائية، وحتى في الحديث العادي بين الناس، فضلا عن الاستجوابات الرسمية وغيرها، من غير أن ننسى الملتقيات والمؤتمرات الوطنية والإقليمية والدولية، وما إلى ذلك مما لا داعي للإطالة باستعراض مختلف مظاهره المشينة.

>ثانيهما: اعتمادها في المجالات التعليمية والعلمية، بدعوى قصور العربية عن مواكبة ما يجد في هذه المجالات وعجزها عن التعبير عنه، وهو وضع معزو إلى قلة العناية بالتعريب، نتيجة عدم الإيمان به والاقتناع بفعاليته، في غيبة أي مجهود جاد لنقل المصطلحات العلمية والتقنية التي تجد كل يوم، وغني عن التذكير أن التجربة في هذا المجال كانت ناجحة حين ازدهرت ترجمة العلوم من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، في أوائل عصر النهضة العربية الإسلامية مما يعد خير دليل على أن هذه اللغة ليست عاجزة في الأصل عن مواصلة التجربة وتجديدها، بترجمة المصطلحات الأجنبية أو نقلها كما هي، سواء أطابقت الصيغ العربية أم لم تطابقها، مع تعميق البحث في التراث العلمي العربي والاستعانة به في هذا المضمار.

إن الدعوة إلى التعريب ولاسيما في العلوم والتقنيات، لا تعني عدم المساهمة في المجالات الدولية  والمشاركة في المجالات العلمية العالمية التي تنشر بلغة أجنبية؛ مع العلم أن اعتماد العرب على اللغة الأجنبية في تلقي العلوم وتلقينها – أي في التعليم – يزيد في انقسامهم، إذ منهم من يتخذ الانجليزية كما في دول الشرق الأوسط، ومنهم من يتوسل بالفرنسية على نحو ما هو سار في بلدان المغرب العربي  التي زاد تشبثها بهذه اللغة أكثر مما كان في عهد الاستعمار، على الرغم من أنها تشكو ضعفا كبيرا أمام الانجليزية، وهو وَضْع تكرسه الفرنكوفونية التي تزعم الدعوة إلى التعدد اللغوي، ولكنها في الحقيقة تسعى إلى فرض إيديولوجية الهيمنة التي تعتبر اللغة الفرنسية هي كل شيء في التعليم والإدارة وغيرهما، وشرطا في اعتلاء المناصب العليا، في غفلة عما لها من أثر سلبي على المواطنة يتجلى في إضعاف الروح الوطنية والإيمان بالهوية.

ثم إن التعريب لا يهدف فقط إلى إغناء العربية بالمصطلحات التي تبدعها المعارف الجديدة والتطورات العلمية والتقنية، ولكنه يهدف كذلك إلى جعل هذه اللغة قادرة على استيعاب كل ما تتطلبه الحياة، ما يقتضي أن تصبح أداة للتعليم والإدارة والاقتصاد وسائر المجالات، والتعريب بهده الأبعاد لا يتنافى والإزدواجية التي تعني التكوين المزدوج الذي يجعل الناطق بلغته العربية والمتعلم بها والموظف لها في مختلف شؤونه، يتقن لغة أخرى ليطلع على ثقافتها ويتفتح على مستجدات هذه الثقافة؛ دون إغفال دور الترجمة في هذا الميدان، وما أشد الحاجة إليها لتحقيق مثل هذه الأهداف.

ولعلي في هذا السياق المتعلق بالتعريب، أن أشير إلى تجربة المغرب الذي نجح فيه تعريب جهازي القضاء والأمن، في حين ظل يتعثر بالنسبة للتعليم الذي نودي فيه منذ فجر الاستقلال بمبادئ كانت تهدف إلى إصلاحه، من خلال مَغْرَبَتِه وتعميمه وتوحيده ومجانيته وتعريبه.

إلا أن هذه المبادئ – وعلى رأسها التعريب – لم تلبث أن أصبحت مجرد شعارات يتكرر رفعها في كل مرة يتحدث عن إصلاح التعليم، والسبب أنها منيت بالفشل، لأنها انطلقت من سياسات ضعيفة ومرتجلة وغير مدروسة ولا منضبطة، أي أنها لم يكن مخططا لها بطريقة علمية وواقعية تجعلها قابلة للتطبيق، وتهيىء لها مؤطرين قادرين على هذا التطبيق، وأكاد أقول إنها كانت نابعة من إرادة تخاصم التعريب وترفضه وتحاربه، من خلال إظهار مواطن عجزه عن تحقيق الأهداف المرجوة.

ولا يخفى أن هذه الإرادة زادت من عدد خصوم اللغة العربية، وتتجلى – وما زالت – في بعض المسؤولين عن التعليم والإدارة وغيرهما، أولئك الذين يدافعون عن مصالحهم الشخصية بحكم تكوينهم الفرنسي، ويسعون إلى استمرار هذا التكوين بتوجيه أبنائهم وبناتهم لمدارسه التي تحتضنها فرنسا، عبر مؤسسات بعثتها التعليمية والثقافية والمؤسسات المغربية التي تسير في ركابها، والتي يشجع عليها التيار الفرنكوفوني المتصاعد، هذا في وقت يراد لعموم المواطنين أن يبعثوا بأولادهم للمدارس المغربية التي ما زالت تردد حولها تلكم المبادئ التي لو أتيح لها أن تتحقق بالتدريج قبل نصف قرن، مع مراعاة التطوير والتجديد المستمرين على مر هذه الفترة، لظهرت لها نتائج إيجابية ملموسة، ليس فقط على التعليم في إطار التعريب، ولكن على اللغة العربية وثقافتها كذلك.

ومن غريب المفارقات أن بعض الهيآت والجمعيات ” المدنية” وحتى بعض القنوات القضائية ” الوطنية” أخذت تشجع محو الأمية الأبجدية للكبار، بتلقينهم دروسا في اللغة الفرنسية، بدلا من العربية وما يتصل بها من أمور الدين الضرورية. وهو ما يدل على مدى الرغبة في فرض هيمنتها، وإيهام فئات من المواطنين أنهم بهذا يحرزون كيانا في المجتمع، وقبل ذلك يستطيعون قضاء شؤونهم الخاصة في الإدارة.

إن الإصلاح الجديد الذي علق المغرب عليه أملا كبيرا للنهوض بالتعليم، والذي ستنتهي عشريته الأولى هذا العام، لم يكلل بالنجاح الذي كان متوقعا له بسبب الخلل الذي اعترى تطبيقه، والذي يرجى تجاوز أسبابه وتفادي عواقبه، لاسيما إذا ظهرت لحيز الوجود أكاديمية محمد السادس للغة العربية، بعد أن صدر بها ظهير شريف في يونيو 2003، وحظيت المصادقة عليه بإجماع سائر الجهات المهنية.

وبعد،

فإن تحقيق الأهداف المرجوة للمسألة اللغوية – سواء في المغرب أو غيره من الأقطار العربية والإسلامية – يقتضي منطلقات، تبدأ بتأكيد الثقة في الهوية واعتماد مقوماتها في مختلف المجالاتـ مع اعتبار اللغة في طليعة هذه المقومات. وهو ما لا يمكن أن يتم بدون وجود إرادة سياسية عليا تحرص على صيانة اللغة وحمايتها من كل ما يهددها، والعمل الجاد والدؤوب على رفع كل التحديات التي تواجهها قديمة وحديثة، في احترام للدستور الذي ينص على أن العربية هي اللغة الوطنية والرسمية، وأن كل خرق لهذا النص هو مس بروحه ومخالف له.

ولعل أكبر تحد يعترض العربية هو ما يرتبط بالتعليم الذي ينبغي أن يعتمدها في جميع مراحله، بدءا من الابتدائي إلى الجامعة، حتى تصبح أداة للعلم والمعرفة، ووسيلة للبحث فيهما واكتساب المهارات، فضلا عن شؤون الإدارة والحياة العامة.

وحتى تغتني وتنمو وتتطور، فإنه لا مناص من مراجعة ما يبدو متعسرا من قواعدها لتيسير تعليمها، مع إصلاح مناهج هذا التعليم حتى يتسنى للنشء حسن الاستماع إلى اللغة، وسلامة القراءة بها، والتحدث ثم الكتابة، كما أنه لا مناص من وضع معاجم جديدة تتلاءم وما تعرفه اللغة العربية من توسع، بإدخال ألفاظ وتعابير جديدة، وإلغاء المهجور مما هو غير المصطلحات، وبترجمة الكتب العلمية والتقنية؛ مما يتيح لغة عربية علمية يحتاج النهوض بها كذلك إلى اهتمام باللغة من حيث هي، أي في مختلف مجالات التعبير بها فكرا وأدبا فنا، إضافة إلى معاجم مدرسية مبسطة تيسر متابعة التلاميذ والطلاب لما يجد.

وفي سياق هذه التحديات وما يتصل منها بالعلاقة مع العاميات، سواء منها العربية أو الأمازيغية أو غيرها، يتحتم البحث في إمكان التقريب بين اللغة المكتوبة أو الفصحى وبين هذه العاميات التي لا يخفى ما تختزنه من تراث شعبي رائع وما تبدعه من فنون وآداب، والتي هي بدورها تحتاج إلى التقريب بينها. وإن هذا التقريب ليتطلب رغبة في تطوير اللغة ومرونة مع المتن اللغوي وما يحكمه من قواعد ومقومات. ويمكن للإعلام بجميع أجهزته أن ينهض بذلك إن تخلى عن اعتماده المطلق على هذه العامية أو تلك، في استغناء عن الفصحى كما هو حادث اليوم.

——-

(ü) عرض قدم في ملتقى فيكيك الرابع لخدمــة القرآن والسنــــة المنعقد أيام 10 و11 و12 أبريل 2008م، في موضوع: “اللغـــة العربيـــة والتحديات المعاصرة”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *