اللـه لا “بـوش”


احتفلت الشرذمة الدخيلة بمرور ستين سنة على فرض تأسيسها في أرض فلسطين وتشريد سكانها الأصليين واغتصاب مساكنهم وأراضيهم ودكاكينهم وجميع ممتلكاتهم وإبادة بعضهم مثل دير ياسين. وهذا التأسيس يذكرنا بخيانات دول عربية هشة وقيادات عليا في الجيش خائنة وعميلة، ولكن كان هناك أبطال جهاد عظام أبَوْا القعود والنكوص فغامروا بحياتهم في سبيل الله ومن هؤلاء الأبطال الأستاذ المفكر كامل إسماعيل الشريف الذي توفي منذ شهرين رحمه الله مؤلف كتاب “الإخوان المسلمون في حرب فلسطين” المطبوع بالقاهرة سنة 1950 والطبعة الثانية 1951 بها، والذي كان يجب أن يُطبع ألف طبعة ويترجم إلى عدة لغات ويكون في كل بيت مسلم. وقد صدَّر بعض فصول كتابه بكلمات بعض الإنجليز والصهيونيين وكثير من آيات القرآن الكريم، ومما أورده هناك قول المارشال الإنجليزي اللَّنبي عندما دخل لفلسطين بجيشه ودخل القدس في أعقاب الحرب العالمية الأولى :”اليوم انتهت الحرب الصليبية” وقول الدكتور ليدر رئيس اللجنة الصهيونية “إن أهداف الصهيونيين هي إبادة العرب جميعا وإقامة هيكل سليمان محل المسجد الأقصى”.

وفي هذا الشهر احتفل العالم الغربي بقيادة أمريكا البوشية بهذه المناسبة التي ألقى فيها بوش كلمته التي قال فيها: “بعد ستين سنة ستحتفل إسرائيل بمائة وعشرين سنة على قيام دولتها”.

هذه كلمة رعناء تدل على جهله بالتاريخ القديم بل وحتى المعاصر: فمنذ نحو من سبعين سنة كان الغرب ترتعد فرائصه من هتلر الذي التهم بولونيا في رمشة عين، واخترق خط ماجينو الفرنسي ووصل باريس كأن جيشه خرج متنزها، وما زلت أذكر عنوان سقوط باريس كبيرا بلون أحمر منشورا في جريدة الحرية للأستاذ عبد الخالق الطريس رحمه الله، ودفعته نشوة انتصاراته إلى الهجوم على روسيا وإنجلترا، وكان هتلر إذا خطب تصطك أسنان أوربا من الجزع والهلع، ومع ذلك شاهد جيشه يتمزق على يد الجيش السوفياتي ومقاوماته… فلم يسعه إلا الانتحار..

وبعده كان الاتحاد السوفياتي يهدد العالم بعدما ابتلع دويلات وشعوبا، وكان أنبياء الشيوعية المغرورون تسول لهم أنفسُهم المغرورة بأنهم سادة العالم، وبين عشية وضحاها تمزق الاتحاد السوفياتي شر ممزق، وتساقطت أفكار الشيوعية ونظرياتهم كأوراق الخريف؛ ومثلهم كانت المملكة البريطانية لا تغيب عنها الشمس، فأصبحت اليوم خائفة من أن تنفصل عنها ويلز واسكوتلاندا؛ وقبلها كانت المملكة الإسبانية تملك نصف القارة الأمريكية، فانكمشت في شبه جزيرتها، ولولا أن الغرب وفي مقدمته فرنسا هبَّ لإنجادها لانهزمت بالمغرب شر انهزام.

والتفت إلى الدول القديمة: الفرعونية والفينيقية والرومانية والكسراوية وغيرها فلم يبق إلا آثارها، يقــول الحـق سبحانه : {ولكــل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}(الأعراف : 32).

وقال الله في حق قارون الذي كان الضلع المالي في الثلاثي الحاكم: هو وفرعون الممثل للسلطة وهامان الممثل للعلم والهندسة : {أولم يعلم أن الله أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يُسئَلُ عن ذنوبهم المجرمون}(القصص : 78).

إن للأمم أعمارا كأعمار البشر كما يقول ابن خلدون، وأساس قوة الأمـــم وبقـــائها: العـدل. ومـن أهــم أسباب خــرابها: الظلـم، قال تعالى: {وتلـك القرى أهلكناهــم لما ظلمــوا وجعلـنـا لـمهلكهم مـوعدا}(الكهف : 58).

إن كتاب الله وسنة رسوله  وكتب تاريخ الأمم والشعوب وعلوم الاجتماع مملوءة بالعبر وقيام الدول والممالك واندثارها وفق قوانين إلهية لا وفق أهواء بوش وأمثاله، ولذلك فإننا نؤمن إيمانا قويا أن مصير إسرائيل إلى زوال طال الزمن أو قصر، ولن يستطيع بوش ومن هو أكبر منه أن يخرق تلك القوانين الإلهية {قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}(آل عمران : 26).

وبعد، فهل يضمن بوش أن تبقى أمريكا ستين سنة مقبلة؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *