التخصّص أم الموسوعية؟


يتساءل الكثيرون من المعنيين بالفكر والثقافة، هل أن تخصص المفكرين والكتاب أفضل وأكثر جدوى.. أم انتشارهم على تخصصات وسياقات معرفية شتى؟

والجواب هو هذا وذاك.. فليس قدرنا هو أن نقول هذا أوذاك.. والظواهر في بعض الأحيان لا تتخاصم وينفي بعضها بعضاً وإنما تلتقي وتتصالح، ويعطي كل منها للحلقات الأخرى الفرصة الكاملة للتحقّق.

إن الجدل (الهيكلي) الذي يرغم الأفكار على أن تصطرع وينفي بعضها بعضاً، والديالكتيك المادي الذي تزيح الشرائح الاجتماعية وصيغ الإنتاج خلاله، بعضها البعض الآخر، فيطرده من الحضرة ويستأثر بالسلطان.. جدل أو اصطراع كهذا ليس قدراً محتوماً كما يخيّل للكثيرين.. فهناك ـ دائماً ـ مع وجود الاصطراع والنفي، الوفاق والتصالح والتوازي في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الفكر أوالحياة.

ما أريد أن أقوله هو أن (الموسوعية) -إذا صحّت الكلمة- لا تتعارض مع التخصّص سواء في دائرة المفكر الواحد، أوفي سياق النشاط الفكري والثقافي في بيئة ما أو عصر من العصور.

القطبان يكمل أحدهما الآخر.. هذا يتحرك في فضاء واسع أعطاه الله سبحانه القدرة على خوض غماره.. وذاك يوغل في أعماق الظواهر والخبرات، ويتمركز في حيّز محدّد يجد نفسه مؤهلاً لأداء مهمته الفكرية في دوائر التخصّص..

والحياة الثقافية التي يغيب فيها الموسوعيون ولا يتحرك سوى أصحاب التخصّص في هذا الفرع المعرفي أو ذاك.. حياة لا تستحق أن تعاش.. أرخبيل من الجزر المنعزلة التي لا تجمعها لغة واحدة..

ولنتصوّر كما لو أن قرننا هذا لم يشهد مثقفين كالعقاد أو طه حسين أو سيّد قطب أو توفيق الحكيم.. بغض النظر عن توجّهاتهم الفكرية.. مثقفين كتبوا في الفكر والتاريخ والترجمة والسيرة الذاتية والتنظير الأدبي، وأبدعوا قصصاً وروايات وشعرا.. كيف يمكن أن يكون؟ ولنتصوّر لو أن رسائل الماجستير والدكتوراه، التي طالما مارست خطابها بلغة سقيمة مكسّرة، هي وحدها التي تستأثر بالساحة.. كيف يكون الحال؟

إن التخصّص هو بالتأكيد من ضرورات التقدم العلمي.. وفي المقابل فإن الموسوعية هي ضرورة ثقافية.. إذا كان المرء يملك أن يقدم شيئاً ذا قيمة في أكثر من ساحة فلماذا يتردد؟ وإذا كان غيره، بمجرد أن يخطوخطوة واحدة خارج نطاق تخصّصه يتعرض للضياع، فما ذنبه هو؟

ومع ذلك فإن الموسوعية لا تمنع البعض من أن يصيروا متخصّصين ناجحين، بل ربما أكثر قدرة على الإبداع والعطاء في مجال تخصصهم نفسه من الكثيرين ممن اعتقلوا أنفسهم في زنزانات ما يسمى بالتخصّص الدقيق، ففقدوا الرؤية الشمولية واللغة القديرة على الأداء، بل أصيبوا، بسبب جمودهم في البؤر الضيّقة بعمى الألوان، وغدوا ـ بتعبير اشبنكلر ـ مجرد منظفي أتربة أكاديميين.

في الغرب والشرق على السواء رحل مئات الأكاديميين المتخصصين، بل ألوفهم، دون أن يسمع بهم أحد، ودون أن يتركوا في الحياة الثقافية أثراً يذكر.. بعضهم -إذا أردنا الحق- مضى بالخبرة العلمية صوب آفاق بعيدة، لكن أغلبهم -والحديث عن جماعة العلوم والمعارف الإنسانية – ما فعلوا سوى أن تمرّسوا في مجال تخصّصهم وأصبحوا أساتذة جامعيين ناجحين وليس ثمة شيء وراء ذلك.

لكن موسوعيين كهيكل واشبنكلر وتوينبي وأريك فروم وكارودي وروم لاندو.. وغيرهم كثيرون.. هم الذين أعطوا الحياة الثقافية في الغرب، وربما في العالم كله، طعمها وملحها.. وهل ننسى جيد ومالرو وكوستلر وبرناردشووفتكنشتاين وياسبرز وبرتراند رسل.. و.. و..؟

وهل ننسى في تراثنا الموسوعيين الكبار كابن الجوزي والغزالي وابن حزم وابن خلدون وغيرهم ممن منحوا هذا التراث غنى وخصباً يصعب على الحصر؟

لنترك هؤلاء وهؤلاء.. كلا يعمل في مجال قدراته التي منحه الله إياها.. فكل ميسّر لما خلق له، كما يقول رسول الله .. وليس ثمة مبرّر على الإطلاق لأن ينفي أحدهما الآخر ويستأثر بالميدان..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *