الاختلاف الفقهي وآداب المناظرة فيه: جهود علمية تراثية كبيرة تحتاج إلى جهود معاصرة 1


نوقشت بتاريخ 02/04/2008  رسالة لنيل الدكتوراه في شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس تقدم بها الطالب المسلم : مدانيا بن جئ يا ريدو  من تايلاند في موضوع :

الاختلاف الفقهي وآداب المناظرة فيه  (دراسة نظرية ومسائل ونصوص تطبيقية)وقد تكونت اللجنة العلمية من السادة الأساتذة :

الدكتور عبد الحميد العلمي رئيسا

الدكتور أحمد البوشيخي مقررا

الدكتور الجيلالي المريني عضوا

الدكتور عبد الله الهلالي عضوا

الدكتور عبد الله غزيوي عضوا

وبعد المناقشة والمداولة اعتبرت اللجنة العلمية الطالب ناجحا في شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا، وهذا ملخص التقرير العلمي الذي تقدم به الطالب أمام اللجنة العلمية

1- تحديد مجال الموضوع :

تتناول هذه الأطروحة البحث في مسألة الاختلاف الفقهي وكيفية تدبيره في تاريخ الأمة ومسيرتها التفاعلية مع الآخر المخالف، ذلك التدبير الذي اتخذ منحى عقلياً فكرياً يقوم على الحوار الفكري والجدل المتأدب بآداب البحث والمباحثة والمنضبط بضوابط النظر والمناظرة، فتفردت ظاهرة الاختلاف في التراث الإسلامي ببعدها العلمي، وبمنهجها العقلي في حل الاختلافات العلمية بين أهل النظر والاجتهاد الأمر الذي يستوقف الناظر في هذه الظاهرة ويستوجب دراستها دراسة تهدف إلى بيان مستويات الاختلاف العلمي وأسبابه العلمية، ومنهج المباحثة في المسائل المختلف فيها، ولتحقيق هذا الغرض جاءت هذه الأطروحة تحت عنوان : « الاختلاف الفقهي وآداب المناظرة فيه: دراسة نظرية ومسائل ونصوص تطبيقية « 

فما هي دلالات عناصر هذا العنوان ؟ وما هي إشكالاته ؟ولماذا البحث فيها اليوم؟

2- عنوان الأطروحة : دلالات وإشكالات

يتألف عنوان هذه الأطروحة من عناصر هي :

2-1- الاختلاف الفقهي : يحيل هذا المركب الوصفي إلى ظاهرة الاختلاف في مجال علم الفقه ذلك أن الاختلاف في الفقهيات اعتُبر في التراث الإسلامي خير أنموذج للاختلافات العلمية المبنية على أسبابها المعقولة، التي ترجع إلى الإنسان في ذاته وفي علاقته بالنص الشرعي الذي يغلب على أكثر نصوصه الاحتمال، وإلى الواقع التاريخي والاجتماعي المتغير؛ والذي يسترعي الانتباه هو أن علماء المسلمين كما وضعوا ضوابط للاجتهاد في التأويل والتنزيل، وضعوا ضوابط للاختلاف العلمي من حيث تحديدُ مفهومه وبيانُ أنواعِه ومجالاته والكشفُ عن مسوغاته وأسبابه، ومن حيث الشروطُ الواجب توفرها في المجتهد، وفي المجتَهَد فيه، لذلك فإن هذه الأطروحة ينحصر مجالها الأول في دراسة الاختلافات الفقهية مفهوماً وأنواعاً ومجالاً وأسباباً.

2-2- آداب المناظرة في الاختلافات الفقهية : هذا المكون الثاني يقترن بالمكون الأول السابق ويكمله، ذلك أن تقنين الاختلاف الفقهي وضبطه بضوابطه العلمية، لم يكن الهدف منه التأسيس للاختلاف ونشره وتوسيعه فحسب، وإنما كان الغرض من ضبطه أيضا تيسير سبل حله بطرق وأشكال عقلية وعلمية أيضا، وكانت المناظرة والمجادلة والمحاججة إحدى وسائل تصويب الاجتهادات العلمية المختلفة، والملاحظ في التراث الفقهي الإسلامي اقترانه بظاهرتي الاختلاف والمناظرة، فلا اجتهاد في الفروع الفقهية المحتملة إلا ويستلزم الاختلاف بين الذوات المجتهدة ولا وجود لاختلاف مقصود لذاته، وإنما هو منوط بمصلحة الأمة، لذلك كانت أغلب الاجتهادات تخضع للنقد العلمي من قبل ذوي الاختصاص إما بشكل مباشر (مجالس المناظرة ) وإما بشكل غير مباشر (كتب ومؤلفات، ورسائل تحمل الـردود على المخالف).

فكانت المناظرة بهذا أسلوباً شائعاً في تقويم الاجتهادات وتقريب الاختلافات أو تقريرها.

لكن المناظرة شأنها شأن أي علم ابتدأت بسيطة وأخذت تتوسع وتنتشر، وكلما ازداد العلم توسعاً ازدادت الحاجة إلى وضع قوانين تضبطه وقواعد توجه النظر فيه وفي استعمالاته وتحقق المصلحة والمنفعة المقصودة منه، وهكذا عني المسلمون بضبط قواعد النظر، وأصبحت المناظرة فناً وعلماً له أدواته وشروطه وقواعده من شأن مراعاتها أن تعصم المتناظرين من الوقوع في الخبط وعدم الضبط، لذلك كان لزاماً تناول آداب المناظرة بجانب الاختلاف الفقهي لأنهما تلازمَا في نشأتهما وفي تطورهما واشتركَا معاً في التأسيس للاجتهاد العلمي في مجال الفقه تأسيساً أثمر هذه الثروة العلمية والقانونية والأخلاقية والمنهجية في مجال الاختلاف الفقهي وآداب البحث والمناظرة فيه.

ولهذا فإن العمل في جانب من هذه الأطروحة سيركز على دراسة ظاهرة التناظر في الفقهيات التي اختلف فيها على شرط أهل النظر والاجتهاد وأرباب الخلاف.

2-3- دراسة نظرية ونصوص تطبيقية : عنوان فرعي الهدف منه زيادة حصر مجال البحث وتوجيهه إلى العناية بجانبين من جوانب الاختلاف والمناظرة :

فالجانب النظري يعنى بإبراز الجهود المبذولة لتقنين علمي الخلاف والمناظرة تقنيناً علمياً وإحاطتهما بسياج أخلاقي إنساني يحفظ كرامة من يتحلى به من أهل النظر والاجتهاد والمناظرة ويصون البحث العلمي الفقهي من الانحراف به عن مقاصده الشرعية والعقلية والخلقية.

أما الجانب التطبيقي فيعنى بإبراز جانب الممارسة العملية لهذا الخلاف وهذه المناظرة، ومدى التزام المسلمين بضوابط الخلاف وآداب النظر والبحث والمناظرة.

لذلك كان هذا الحصر في الجانبين النظري والتطبيقي مبيـناً لمسار البحث، وهو مسار يتجه نحو دراسة ظاهرة الاختلاف الفقهي وآداب المناظرة فيه على نحوين من الدراسة : الأول ذو طابع نظري يجلي الجانب التقعيدي لعلمي الخلاف والمناظرة الفقهيين والثاني ذو طابع تطبيقي يجلي الجانب التطبيقي وقوة الامتثال للمعايير العلمية وموازينها في كل من الخلاف والمناظرة.

لكن أين تكمن أهمية البحث في هذه الأسس النظرية والجوانب التطبيقية لعلمي الخلاف والمناظرة ؟ هل لخصوصية في الأمر ؟ أليس الخلاف والمناظرة ظاهرتين إنسانيتين عرفتهما كل الشعوب والحضارات ؟ هل كانت معالجة علماء المسلمين لهذه الظاهرة معالجة متميزة ؟ وأين يبرز تميزها وتفردها ؟ ثم هل للخلاف الفقهي والمناظرة تميز و فرادة أيضا على بقية الخلافات وأنواع معالجتها ؟ وهل لا تزال الحاجة ماسة اليوم للبحث في مثل هذا الموضوع؟

3- أهمية البحث

لعل أهمية البحث في ظاهرتي الخلاف والمناظرة نظرية وتطبيقاً في حقل التراث الإسلامي  عموماً وحقل علم الفقه خصوصاً ترجع إلى مجموعة من الأمور أهمها :

– إن الخلافات في المجال الفقهي كانت خلافات طبيعية وعلمية وسائغة وضرورية راجعة إلى طبيعة لغة الخطاب الشرعي ومقاصده في التكليف بالاجتهاد، و إلى تفاوت مدارك العلماء، واختلاف قدراتهم على الاستنباط والاجتهاد، ومن ثم تميز الخلاف الفقهي الإسلامي بطابعه العلمي الذي قل أن يوجد في بقية العلوم والحضارات.

– إن التقنين للخلاف الفقهي كان يتخذ منحيين متكاملين الأول اتجه نحو  تقنين النظر الاجتهادي المؤدي للاختلاف المعتبر، والثاني اتجه نحو تقنين المناظرة بين المجتهدين باعتبارها مسلكاً لتقويم الاجتهادات التي ترشحت للاختلاف المعتبر، أو للترجيح بينها، أو الإقرار بها إن صحت وصلحت.

– إن الصورة العملية للاختلاف بين علماء الفقه، وآدابهم في النظر والمناظرة شكلت صورة نموذجية لما ينبغي أن يكون عليه المختلفون والمتناظرون في كل زمان ومكان ومجتمع، لذلك كانت ظاهرة الاختلاف الفقهي والمناظرة فيه جديرةً بالبحث والدراسة لما جسدته من صورة نموذجية علماً وعملاً، نظرية وتطبيقياً، خصوصاً وقد أصبح واقع العالم الإسلامي والدولي فاقدا لكثير من المعايير اللازمة للتمييز بين الخلافات المعتبرة وغير المعتبرة، و أصبح الكثير من المختلفين متنكباً عن الطرق العلمية لتجاوز أبسط أشكال الخلاف، مما جعل الحاجة ماسة إلى استلهام نموذج الخلافات الفقهية وطرق معالجتها لحل الخلافات الاجتماعية والعلمية حلاً إنسانياً كريماً قائماً على مراعاة منهج العدل والإنصاف بين أهل الخلاف.

4- دوافع الاختيار الذاتية والموضوعية :

يرجع اختياري للبحث في موضوع هذه الأطروحة إلى مجموعة عوامل ودوافع منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو موضوعي.

أولا : من خلال رحلتي في طلب العلم والدراسة من بلدي تايلاند شرقا إلى بلدي الثاني المغرب ابتداء من مسقط رأسي بفطامي في معهد الإرشاد الديني ومعهد دار الناشئين ثم انتقالي إلى معهد مفتاح علوم الدين بالعاصمة بانكوك، حرسها الله، ثم غادرت بلدي  لاستكمال دراساتي الجامعية في إحدى الدول العربية فزرت جامعة الأزهر والزيتونة وجامعة المدينة المنورة فتعرفت على بعض التراث الإسلامي الفقهي وخلافياته فأعجبت بطريقة العلماء في الاختلاف وفي التحاور والتناظر لحل خلافاتهم بأساليب علمية وأخلاقية عصمتهم من الوقوع في الخلاف المحرم والمذموم كما ساعدتهم على تطوير علومهم حتى تساير مستجدات عصرهم وتكون قادرة على حل مشاكلهم فتكونت لدي الرغبة في دراسة هذا النوع من الخلاف والمناظرة فيه واستكمال دراساتي الجامعية العليا ووجدت في أساتذة وعلماء المغرب ما يحقق هذه الأمنية الغالية فرحلت إلى فاس، وهنا وجدت ضالتي التي طفت باحثاً عنها من بانكوك إلى الأزهر إلى الزيتونة ثم فاس، فحمدا لله على هذا التسيير، وحمدا لله على هذا التيسير.

ثانيا : رغبتي في الإسهام في إيجاد حلول علمية وعملية ناجعة لحالة تفرق أمتنا الإسلامية في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة التي تغلب عليها المتغلبون وطغى فيها الجهال والمغرضون، حتى تفرق أمرها شيعاً وأحزاباً متنافرة متناحرة،وابتعد الكثير عن التمسك بآداب الخلاف والبحث والمباحثة والنظر والمناظرة، وأصبح الحوار العلمي والرصين في كل مجال شبه مفقود، فتهيأ لي بسبب ذلك أن استلهام نموذج الخلاف الفقهي والمناظرة فيه قد يكون خير معين على تجاوز كثير من حالات التفرق والاختلاف المذموم وتحقيق نسب عليا من التوحد والائتلاف المحمود.

ثالثا: إن الخلاف والتناظر في الفقهيات جمع بين البعد العلمي النظري والبعد الاجتماعي والإنساني العملي، فكان التقنين العلمي للخلاف والتناظر الفقهي تقنيناً للخلاف في العلاقات الإنسانية والاجتماعية أيضا كما أن التطبيق العملي لها من قبل العلماء كان تطبيقاً علمياً وإنسانياً، لعل الاستفادة تحصل منه في عصرنا هذا الذي افتقدت فيه الأمة الإسلامية والإنسانية عموماً هذا النوع من الترابط الفعال بين العلم والمجتمع.

5- خطة البحث

لاستيفاء الغرض من هذا البحث حاولت تقسيمه إلى قسمين : قسم نظري، وقسم تطبيقي،مع مقدمة وخاتمة ؛ واشتمل كل قسم على بابين.

– القسم الأول : وهو قسم نظري تعلق بدراسة الجوانب النظرية في الاختلاف والمناظرة، ولهذا جاء على بابين :

عني الباب الأول منهما بدراسة الاختلاف الفقهي في فصلين.

أما الباب الثاني فقد توجهت العناية فيه إلى البحث في مفهوم المناظرة وأركانها وضوابطها وآدابها الخلقية والعلمية والمنهجية.

أما القسم الثاني وهو قسم تطبيقي فقد عني بإبراز الجانب التطبيقي والعملي للاختلافات الفقهية والمناظرة فيها فجاء على بابين :

الباب الأول اعتنى بإظهار نماذج عملية للاختلافات الفقهية في مجالي العبادات والمعاملات وقد خصص لكل مجال فصل.

والباب الثاني اعتنى بإبراز نماذج عملية للمناظرات الفقهية ابتداء من عصر الصحابة إلى عصر تلاميذ الأئمة (حوالي القرن الخامس الهجري ).

أما الخاتمة فجعلتها لعرض الخلاصات والنتائج.

6- خلاصات البحث ونتائجه، ومن هذه الخلاصات والنتائج يمكن ذكر ما يلي :

> كانت الخلافات الفقهية صورة للخلاف الشرعي المحمود لأن مجالها كان  هو مجال الظنيات القابلة لتفاوت الأنظار كما أن الخلافات التي حصلت بين أهل الاجتهاد الفقهي كانت لها أسبابها العلمية المشروعة.

> عناية  العلماء بالخلاف الفقهي من حيث تحريرُ مفهومِه وضبطُ مجالِـه ومن حيث دراسةُ أسبابه و بيانُ آدابِـه  جاءت في سياق تقنين البحث الفقهي وضبط الاجتهاد فيه وتدبير الخلاف فيه تدبيراً يؤهله إلى أن يكون نموذجا علميا صالحا للاحتذاء به في حل المنازعات العلمية بين المختلفين في المجالات العلمية.

> إلى جانب تقنين الاختلافات الفقهية اجتهد الفقهاء والعلماء في تأسيس علم المناظرة لحل التعارضات الناتجة عن اختلاف اجتهاداتهم  وتصويبها وتقويمها بالنظر العقلي المتبادل بين الطرفين المختلفين، ومن ثم لم تكن المناظرات الفقهية ترفا فكريا بقدر ما كانت وليدة الحاجة إلى التعاون مع المخالف بقصد الوصول إلى رأي مبني على قوة الدليل يسد الحاجة الملحة إلى تجاوز الخلافات النظرية إلى العمل

> كان التزام العلماء بآداب الخلاف والمناظرة في حل الخلافات عاملا قويا في تطور علمي الخلاف والمناظرة وتطور الاجتهاد وتجديد أدواته كما كان عاملا قويا في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامي في إطار التنوع.ذلك أنه إذا كان الخلاف ضروريا فإن التزام آداب الخلاف والمناظرة مع المخالف تكون أشد ضرورة كما يظهر من سيرة الصحابة والسلف والأئمة أرباب المذاهب والعلماء الأعلام من بعدهم.

> ما أحوج المسلمين إلى استلهام أنموذج الاختلافات الفقهية والمناظرة فيها لتجاوز كثير الخلافات التي قد لا تكون علمية ولا حقيقية. ولتجديد الاجتهاد الفقهي على ضوابط علمية وأصول في النظر والمناظرة تؤهل الباحثين للاستجابة لكثير من المستجدات التي لا تزال عالقة.


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “الاختلاف الفقهي وآداب المناظرة فيه: جهود علمية تراثية كبيرة تحتاج إلى جهود معاصرة