كن خفيف الظل ولا تثقل ولا تُمِل


رغم أن التطويل نتيجته زيادة خير في تقديرنا أحيانا، إلا أن الشارع الحكيم لم يقف اعتباره عند هذه الغاية الصغيرة القريبة، بل نظر إلى ما سيؤول إليه من الإثقال على الناس وتحريجهم، إذ أن اعتبار التطويل مصلحة كما يتوهم البعض فهو في الحقيقة مفسدة لنتائج الوعظ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التطويل حتى لا يتسرب الملل والحرج إلى قلوب الصحابة وهم على ماهم عليه من الصبر والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان يراعي الضعف في طبيعتهم الإنسانية، فكيف بمن هو دونهم ممن جاء بعدهم بقرون طويلة.

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : >أنت إمام قومك فاقدر القوم بأضعفهم<(رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن وهو بنحوه عند الإمام مسلم).

والواعظ عند كلامه يأخذ زمام المجلس ويتولى إمامته فعليه أن يكون خفيف الظل ولا يثقل أسماع الناس بكلام طويل متشعب ينسي آخره أوله فتضيع الفائدة وتتعطل الغاية، وإن كان الواعظ غير مسؤول عن نتائج وعظه، لكنه مسؤول عن إنجاحه، فالموعظة أمانة دعوية بين يدي الواعظ وجب عليه أن يحميها مما يفسدها ويحصنها مما يضيعها، فعن شقيف بن سلمة رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند باب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال : إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا<(رواه الإمام مسلم).

فلم يخرج إليهم رغم رغبتهم وشهوتهم لحديثه وحرصهم عليه لكي لا يثقل عليهم.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *