صيانة الثوابت الدينية والوطنية في مواجهة التنصير


أثر التنصير في زعزعة الثوابت الدينية والوطنية
التنصير : حركة دينية سياسية استعمارية، بدأت بالظهور إثر فشل  الحروب الصليبية، بغية نشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث عامة، وبين المسلمين خاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب”(1).

وفروعها في دول الكفر، وفي ديار المسلمين في الحواضر والبوادي والثغور، على متن الطائرات وظهور البواخر، والحافلات، أو على متن الدراجات والدواب والأرجل، وبكل آلياته ووسائله وبرامجه ومناهجه، العتيقة والحديثة، الموقتِ منها والاستراتيجي.

تـوطـئـة :

إن من يراجع تاريخ البشرية يقف على حقيقة تاريخية مستمرة، وهي أن التدافع الآدمي -منذ الأيام الأولى لبني آدم على هذه الأرض- كان بين الخير والشر، بين روح الإسلام من جهة وروح العناد والجحود من جهة أخرى.

وقد كان ذلك التدافع ضد الإسلام -على مدى المراحل الإنسانية- يعتمد التقنيات العسكرية فقط، ثم أخذت المواجهة الكافرة تحدث التطوير والتغيير في آلياتها العدائية، فأضافت -على مراحل- تقنيات إعلامية وعلمية واقتصادية وفكرية وثقافية وفنية، وغيرها.

ثم أخذت في العصر الحديث تفضل -أحياناً- إعمال التقنيات المتطورة، حسب المعطيات الميدانية، قصد الوصول إلى القضاء على المجتمع المسلم بمسح معالم حضارته، لأنها يئست من تصفية جسده(2).

وقد دفع الصليبيين إلى الإبداع في التقنيات غير العسكرية قناعتُهم -بالاستقراء- أن الغلبة -عند المواجهة العسكرية فحسب- تكون في النهاية من حظ المسلمين ولو بعد حين.

كما أثبت التاريخ أن الأمم الكافرة لا يجمعها كافة على حرب المسلمين إلا خوفهم من عقيدة التوحيد، وشريعة الإسلام.

وأثبت التاريخ أن الأمة المسلمة قد تمرض، ولكنها لا تموت، وقد تغفو ولكنها لا تنام، وقد يُهزَم المسلمون ولكنهم لا يبادون، ومهما حاربهم الصليبيون فالغلبة لهم متى جعلوا نصرة الله نصب أعينهم، وهدفهم المنشود، وما إن يخلص المسلمون في عودتهم إلى دينهم حتى يصبحوا قوة لا تقهر!

لقد عرف الصليبيون هذه الحقيقة وأكدها لهم “لويس” التاسع ملك فرنسا، بعد أن هزمه المسلمون شرَّ هزيمة وأسَروه في موقعة “المنصورة” بمصر، ثم فدى نفسه وخرج صاغراً ذليلاً من أسره، فكتب  وصيته الشهيرة، التي عرفت بوصية القديس “لويس” ينصح فيها قومه قائلا : >إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده، فقد هُزمتم أمامهم في معركة السلاح، ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن قواهم واستمرارهم<(3).

وتعتبر هذه الوصية من أمهات قواعد التنصير تحفَّظ وتُدرّس، وتكتب، ويذكّر بها في كل مركز وكل فرع وكل ناد ٍ للتنصير في العالم.

فما هو موقف المسلمين من هذه الوصية؟

واسمحوا لي أن أضيف بعض الوصايا في نفس السياق، تكشف عن عمق الحقد الصليبي على المسلمين :

– يوصي “صمويل زويمر”، الأطر المشرفة على تكوين المنصرين وتأهيلهم قائلا : >تنصير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسل من أنفسهم، ومن بين صفوفهم، فالشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها<.

– ويوصي أيضاً مجموعة من المنصرين الخريجين قائلا : >إن مهمة (التبشير) التي ندبَتْكم لها الدول المسيحية في البلاد المسلمة، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هدايةً لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها<.

ويُطمئن (زويمر) العاملين في التنصير ويشجعهم إذ رأى بوادر جهودهم واعدة، فيقول لهم : >ينبغي (للمبشرين) ألا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم ضعيفة، إذ إن من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم، الميل الشديد  إلى علوم الأوروبيين، وتحرير النساء<(4).

< ولئن كان الصليبيون أجمعوا أمرهم ودبروا، وأوعدوا وأنذروا، وأسرّوا وجهروا، فلعمري لقد بذلوا وأنفقوا، وخططوا ونفروا، وصدق الله إذ يخبرنا بذلك : {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغْلبون}(الأنفال : 36)، ويقول سبحانه : >ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عندِ أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق}(البقرة : 109).

وقد أتت جهود الصليبيين المتآزرين بينهم، ثمارَها وأكلها في كل أقاليم المسلمين وتركت معاولُ التنصير في المسلمين آثاراً مادية ظاهرة لا تُحصى، ومسخاً في العقول والأرواح لا يُنسى، وتلويثاً في النفوس والسلوك لا يخفى، لقد أغار الصليبيون على المسلمين من كل حدَب وصوب، وتسللوا إلى ساحة الإسلام من كل ثغر وفج، يستفرغون طاقاتهم وإمكاناتهم المادية والعلمية والتقنية والمنهجية، مع الاجتهاد المواكب لكل ما يطرأ من تغيرات ومستجدات، والمتنبإ المترصد لما سيحدث ولما رسموه من غايات وأهداف، قال المنصر الأمريكي “روبرت ماكس” : >لن تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة، ويقام قداس الأحد في المدينة<(5).

ولم ينج من وباء التنصير إلا من اعتصم بحبل الله، ولم تَحِنْ بعدُ عودةُ زمن حسرة وهزيمة الصليبيين!

وحملاتُ التنصير أنواع ومراتب، منها ما هو عمل استراتيجي شامل، يتولى دراسته وإعداده وتوزيعه وصيانته وتقويمه علماء خبراء، متخصصون في التنصير، برعاية مختلف الكنائس العالمية، وحماية دول الكفر قاطبة، ويمتطي هذا النوع الخطير متن مقررات التعليم ومناهجه في البلاد المسلمة، وفي مختلف الأسلاك وبرامج التثقيف والتكوين والتسلية والتنشيط، على يد المنتخَبين الصليبيين أنفسهم وعلى يد الكثير من أفراد البعثات المسلمة التي تتلقفها مراكز التنصير هنا وهناك.

قال الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله مبيناً خطورة التنصير عن طريق التعليم وعمق  آثاره في الأجيال، قال : >إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكونها ويصوغها كما يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراَ من أي مادة كيماوية، وهو الذي يستطيع أن يحَوِّل جبلا شامخاً إلى كومة من تراب<(6).

وهذا النوع من التنصير كالسم في العسل، يقصَد به أساساً النوعيةُ القيادية الفعالة في قيادة الأمة المسلمة، وكذلك الفئاتُ التي تؤصّل للمسؤولية من بعد.

فكم من قادة سياسيين، وعلماء ومفكرين، وأدباء وإعلاميين، ونشطاء وفنيين، وخبراء اجتماعيين ينتمون إلى العالم الإسلامي، سرى فيهم سُمُّ التنصير، وأفسد فطرتهم، وكم من شيوخ وكهول وشباب مسلمين أحاطت بهم شباك التنصير، ولُفت عليهم أغلاله، فصار هؤلاء وأولئك للصليب خادمين، وللوائه حاملين، وفي ركبه سائرين، ولهويتهم متنكرين، ولتراثهم مبغضين، وبتاريخهم مستهزئين، ولأوطانهم بائعين، ولقومهم مُسلِّمين(أي متخلين عنهم).

وهناك حملات تنصيرية طاغية على السطح مهّد لها الصليبيون الحاقدون الطريق، على يد القيادات الجاهلة والغاشمة والغادرة في بلاد المسلمين، حيث وطأوا لها النفوس بالتجهيل والتجويع والجور والاستبداد، وهذا النوع من التنصير يستهدف الشرائح العاملة بالجهد البدني، والعاطلة والمريضة والبائسة. ويمتطي هذا النوع من الحملات التنصيرية متن الخدمات الاجتماعية والصحية والرياضية والتشغيلية وشبهَها، فصار هؤلاء المستهدفون كما قال “زويمر” للمنصرين : >إنكم أعددتم نَشْئًا (جيلاً) لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخِلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء طبقا لما أراده الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهرة، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهرة (والمركز والكرسي) يجود بكل شيء..<(7).

ومن آثار التنصير النكدة إفسادُ التعليم الذي أثمر انحرافات فكرية أفضت إلى زعزعة العقيدة عند الأبناء غير الشرعيين للدين الإسلامي الذين أصبحوا خدامَ التنصير والعولمة والشيوعية والليبرالية واللائكية وأخواتها.

ومنها ظهور الاضطراب وعدم التوازن في كل أحوال المسلمين، مما جعل الأبواب مشرعة أمام الانتهازيين فكشفوا عن نياتهم الخبيثة، وطالبوا جهاراً علانية بالانفصال، وتمزيق الوحدة الوطنية، وتعسفوا في استعمال مبدإ تقرير المصير، وصرَّحوا ببراءتهم من الإسلام ولغة القرآن، وهذه المواقف التي يشجعها الصليبيون ويعطفون عليها، قد تفضي إلى زعزعة الوحدة الدينية وتُعرِّضُ الوحدة الوطنية للتفكك والتصدع، إن لم يُتدارك الأمرُ بعزم وحزم وحكمة.

ومن آثار التنصير ظهور طبقات في مجتمعنا المغربي، تبدو غريبة في سلوكاتها الظاهرة، وفي تفكيرها وميولها وآفاقها، تميَّزُ بسهولة كالذباب بين النحل، فهي مفرغة من الغيرة على الدين، تعاني عقدة الشك والصراع الفكري والعقدي، وتتفانى في خدمة التفرنج والتغريب، وبذلك جمعت بين الإلحاد والنفاق والكفر والتسيب باسم الحرية والديموقراطية، ولتلك الخصائص التنصيرية يحرص الغرب الصليبي أن يكون أتباعه الممسوخون، هم أصحاب المراكز والقرارات في البلاد الإسلامية.

قال أبو الحسن الندوي رحمه الله : >إن (كثيراً) من القادة وولاة الحكم في البلاد الإسلامية هم إنتاج نظام التعليم الصليبي، وأبناءُ ماديته<(8).

ومن آثار التنصير فرض اللغات الأجنبية وتشجيعها، وإضعاف اللغة العربية وإهمالها، مما أدى إلى جهلها عند الناشئة المسلمة ثم إلى احتقارها وبغضها، (ومن جهل شيئا عاداه) وبذلك عُزِلت الناشئة المسلمة عن معرفة أمجاد الإسلام وحضارته وعن مصدرَيْ الوحي، وظهر فيهم الاستعداد للتباهي بالفكر الأجنبي، ونصرةِ لغاته ومناهجه، وهذا إجلال وإكبار للفكر الصليبي، وهدر واحتقار للفكر الإسلامي، ومعلوم أن بغض لغة القرآن هو بغض للقرآن، وأن حب لغة الكفر هو حب للكفر. قال ابن تيمية رحمه الله : >إن اعتياد أية لغة يؤثر في العقل واللسان والدين<(9).

ومن آثار التنصير شحنُ عقول الناشئة بالثناء على تاريخ الغرب ورجالاته، والحثُّ والتشجيع على معرفته، وحجبُهم عن تاريخ الإسلام وحضارته، وتنشئتهم على كشف ما فيه من نقائص للطعن فيه، والتشكيك في معطياته، وهكذا يتخرج المسلم مفرَّغاً من مقوماته الأصلية، ويسهل تحويلُه من الدين الحق، إلى دين باطل، أو إلى لا دين.

– ومن آثار التنصير ظهور الإلحاح على خصوص بعض القضايا، كفصل الدين عن الحياة، وتهميش دور العلماء، وصرفِ النظر والاهتمام عن تحريم الربا، والخمر والميسر، والتركيز على قضايا المرأة، بدعوى تحريرها وحريتها ومساواتها مع الرجل.

– ومن آثار التنصير الدعوة إلى الاندماج في الحياة الغربية والانسجامُ معها، وذلك بإعادة صياغة المجتمع المسلم على نمط الفكر الغربي، و صبغه بالصبغة الغربية من أجل التكامل والتعاون والتواصل.

وجملة هذه الآثار وغيرها تتلخص في إيجاد أنواع من التعددية الفكرية والعقدية، والانتماءات المتنافرة، لخلق أشكال الصراع والخلاف في المجتمع المسلم، وانفجار الانقسامات السياسية والطائفية.

وفي هذا هَدْمٌ للعقيدة الإسلامية وأخلاقها، وتفكيكٌ للوحدة الإسلامية، وتهديد للأمن الإسلامي بكافة مقوماته، وهدمٌ للدولة الإسلامية وطموحاتها.

ومعلوم أن هدمَ العقيدة الإسلامية ينتج الإلحاد، وهدمَ الأخلاق الإسلامية ينتج الإباحية، وهدمَ الوحدة الإسلامية ينتج الفوضى، وهدمَ الدولة الإسلامية يعني تسليمَ لواء السيادة والقيادة للدولة الكافرة.

وأية ثوابت تبقى حينئذ للمسلمين، بعد ذهاب ثوابتهم الدينية، واختياراتهم الوطنية!!

ولا يشكف الغماء إلا ابنُ حُرَّة

يرى غمرات الموت ثم يخوضها

>ولله الأمر من قبل ومن بعد<، و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.

الاقــتــراحـــات :

1- محاكمة كل من يفتن المسلمين في عقيدتهم.

2- بذل الجهد في تشغيل الشباب العاطل.

3- احترام الحريات العامة التي ضمنها الإسلام.

4- مراقبة كل نشاط يقوم به الأجانب في أي مجال.

5- تسخير كل وسائل الإعلام المتاحة، مع الزمن الكافي لبيان العلماء آثار التنصير ووسائله ومراكزه وأهدافه.

6- اشراك المواطنين جميعا في الحملة ضد المنصرين، وذلك بالإعلام بهم حيثما كانوا.

7- التعجيل بإسعاف المنكوبين، حتى لا يستغل المنصرون مصابهم..

8- إتاحة الفرص للعلماء داخل الوطن في حاضرته وباديته لتحذير المواطنين من مكر المنصرين.

9- نشر الكتب والصحف والدوريات والأشرطة والأفلام التي تفضح أعمال المنصرين.

10- خطاب البوادي والأرياف باللهجات المحلية.

11- العمل على رفع المستوى الإيماني والفكري لدى المواطنين.

12- الحث على تربية البيت الإيمانية >كل مولود يولد على الفطرة…< والتحذير من الرفقة.

13- إبداع وسائل التنشيط والتسلية التي تربي في الناشئة التحليل والتركيب والتفييء والتقويم وتحفز أذهانهم وهممهم  إلى الإبداع والطموح..

14- إقامة لقاءات يحضرها العلماء والخبراء والشباب من أجل إشراكهم في دراسة القضايا المهمة وتشجيعهم بقبول اقتراحاتهم وتكريمهم بما يناسب.

15- ما هي الأسباب والعوامل التي جعلت المجتمع المسلم بدوله ومجتمعاته يستقبل هذا الباطل، ويفسح له في الطريق إلى فلذات الأكباد.

16- المرأة الحرة هي التي تعرف موقعها في شريعة الله.

إنشاء جمعية نسائية تنقذ المرأة المسلمة من سيئات الفكر الغربي.

—-

(ü) موضوع ألقي في ندوة المجلس العلمي المحلي بفاس حول التنصير يوم 2008/04/19.

1- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الاسلامي الرياض 1972، ص : 149.

2- المواجهة والمراجعة، د. أحمد العماري : المقدمة.

3- واقعنا المعاصر لمحمد قطب، ص : 194.

4- الموسوعة الميسرة، ص : 162 و163.

5- المدارس العلمية الأجنبية الاستعمارية لبكر بن عبد الله أبو زيد، ص : 14.

6- مجلة البيان ص : 59 عدد 153.

7- الموسوعة الميسرة ص : 163.

8- الصراع بين الفكر الإسلامي والفكرة الغربية، ص : 182.

9- اقتضاء الصراط المستقيم، ص : 206.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *