هَيْبَةُ الحَقّ والعَدْلِ أقْوَى وأبْقَى مِنْ قسْوَةِ الحُكْمِ وجبَرُوتِ الظُّلْمِ


يُستحسن افتتاحُ هذه الافتتاحية بثلات قِصصٍ يُؤْمَل أن تكون  عوناً ومفاتيحَ لفهْم المقصودِ بشكل عمليٍّ ملموس :

القصة الأولى : أخرجَ ابن عساكِر حديثا طويلا عن الحسن البصري في عمر بن الخطاب، أنّ المهاجرين والأنصارَ نظَرُوا إلى عُمر بن الخطاب وعليه جُبَّةٌ مرقَّعَةٌ بعْد أن فتحَ الله عليه ديارَ كسرى وقيصرَ وطرفَي المشرق والمغرب، فتشاروا فيما بينَهُم في مَنْ يقْدِر على تكْلِيمِه في تغْيير هذه الجُبّة التي يسْتقبل بها الوفودَ والكُبراءَ بثوبٍ ليِّن يُهابُ فيه منْظَره، وفي أن يُغْدَى عليه بجَفْنةٍ من الطعام، ويُراحَ عليه -أيضا- بجَفْنَةٍ أخرى، يأكُلُ منها هُو ومَن حضَره من المهاجرين والأنصار، ومن قدم عليه من الوفود والكبراء.. فإن ذلك أدْعَى للْهَيْبَة والاحترام والإجْلاَل فقالوا : لا يقدر على ذلك إلا أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أو أمّ المؤمنين حفصة رضي الله عنها، فعرضوا عليهما الأمر، أمّا حفصة فقالت : ما أراهُ يَفْعَلُ، وأمّا عائشة فقالتْ : إنّى سائلةٌ أمير المؤمنين ذلك.

فدخلتا معا على أمير المؤمنين فقرَّبَهُما وأدْنَاهُما.

ثم قالت عائشة : يا أمير المؤمنين أتأذَنُ لِي أنْ أكَلِّمك.

قال عمر : تكلَّمِي يا أمّ المؤمنين.

فقالت عائشة : ((إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مضى لسبيله، إلى جنته ورضوانه، لمْ يُردْ الدُّنيا ولمْ تُرِدْه، وكذلك مضى أبو بكر رضي الله عنه على أثَرِه لِسَبِيله بعد إحياءِ سُنَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَتْلِ المكذبين، وأدْحَضَ حُجَّةً المُبْطلين، بعْد عدْله في الرعية، وقَسْمِه بالسّوية، وإرْضاء ربّ البريّة، فقبضه الله إلى رحمته ورضوانه، وألْحَقَهُ بنبيّه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى. لَم يُرد الدّنيا، ولم تُردْه.

وقد فتح الله عليك كُنُوز كِسْرى وقيصَر وديارهما، وحَمل إليك أموالهُما، ودانتْ لك أطرافُ المشرق والمغرب، ونرجو من الله المزيد، وفي الإسلام التأييدَ، ورُسُلُ العجم يأتُونك، ووفودُ العرب يرِدُون عليك، وعليْك هذِه الجُبّة قدْ رَقَّعْتَها اثْنتَيْ عَشْرةً رُقْعةً، فلو غَيّرْتَها بثوبٍ ليِّنٍ يُهابُ فيه مَنْظَرُك، ويُغْدَى عليك بجفْنةٍ من الطعام، ويُراح عليك بجَفْنةٍ تأكُلُ أنتَ  ومن حضرك من المهاجرين والأنصار)).

فبكَى عُمر عند ذلك بكاءَ شديدا، ثم قال :

((سألتِك باللهِ هل تعْلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شَبِع من خُبْزِ بُرٍّ عشرةً أيام، أو خمْسةً، أو ثلاثةً؟! وهلْ تعْلمين أنه جَمَع بين عَشَاءٍ وغَدَاء حتى لَحِق بالله؟!)).

ثم قال لهما :

((أنتما زوجتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين ولكما على المؤمنين حَقٌّ، وعليَّ خاصة، ولكِنْ أتيتما ترغباني في الدنيا، وإني لأعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبِسَ جُبَّةً من الصُّوف، فربَّما حدَّ جِلْدَهُ من خُشُونتِها، أتَعْلَمَانِ ذلك؟!))

قالتا :  اللُّهُمّ نَعمْ.

ثم قال :

((يا حَفْصة!! أما تعْلمِين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مغفوراً له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، أمْسَى جائعاً، ورقَد جالِساً، ولم يزَل راكِعاً وساجِدا وباكياً ومتضرِّعا إلى أن قَبَضَهُ الله برحمته ورِضْوانه.

لا أكلَ عُمرُ طيباً، ولا لَبس ليِّناً، فَلَهُ أُسْوةٌ بِصاحِبَيْه، ولا جَمَع بَيْن أدَمَيْن إلا المِلْح والزّيْت، ولا أكل لحْماً إلا في كل شهر)) فلمْ يزَلْ كذلك حتى لحِقَ بالله عز وجل.

هل هُناك أزْهَدُ من عُمر إلا سَلَفه رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبا بكر رضي الله عنه؟! وهلْ هناك من هو أكْثَرُ لجْماً لهواهُ من عُمر؟! هلْ يقْدِر أحدٌ على تحريفِ أمثال هذا الرجُل أو إغوائه بزخارف الحياة؟! رجُلٌ كهذا كيف تكون هيْبتُه في النفوس وتقديرُه وإجلالُه بدون سجْنٍ أو سوْطٍ أو تنْكيل؟!

القصة الثانية : أخْرجَ الطبري عن إياس بن سلمةَ عن أبيه، قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السوق ومعَه الدّرَّة فخفَقَني بها خَفْقَةً فأصابَ طرَفَ ثوْبي، فقال : ((أمِطْ عنّ الطّريق)). فلمّا كان في العام المقبل لقيني، فأخذَ بِيَدي فانطلَق بي إلى منزله، فأعطاني سِتّ مائة درهم، وقال : اسْتَعِن بها على حجِّك، واعْلم أنها بالخَفْقَةِ التي خَفَقْتك، قلت : يا أمير المؤمنين ((ما ذكرْتُها)) فقال عمر : ((ما نَسِيتُها))!!

رجلٌ كهذا يُنصِفُ من نفْسِه بدُون شكايةٍ ولا إقامةِ دعْوى كيف تكون محبتُه في القلوب؟! وكيْف تكون هيْبتُه في النفوس؟!

القصة الثالثة : أخرج ابن عساكر قال :

كتب عمر بن الخطاب إلى فَيْرُوزَ الدَّيْلميّ رضي الله عنهما :

((أمّا بعْدُ فقَدْ بلغَنِي أنَّهُ قدْ شَغَلَك أكْلُ اللّبَابِ بالعَسَلِ، فإذَا أتاك كِتابِي هذا فأقْدِم على بَرَكَةِ اللّه، فاغْزُ في سَبيل الله)).

فقدِم فيروز، فاستأذن على عمر رضي الله عنهما، فأذِن له، فزاحَمَه فتًى من قُريش، فرَفَع فيرُوزُ يَدَه فلطم أنفَ القُرشي، فدخل القرشيُّ على عمر مُسْتدْمًى، فقال له عمر : من فعَل بك هذا؟! قال : فيروزٌ، وهو على الباب.

فأذِن لفيروز بالدخول، فدخل، فقال له عمر : ماهذا يا فيرُوز؟!

قال : يا أمير المؤمنين، إنا كنا حِدِيثي عهد بمُلْكٍ، وإنك كتبتَ إليَّ ولمْ تكتُبْ إلَيْه، وأذِنتَ لي بالدّخول ولمْ تأذَنْ له، فأرادَ أن يَدْخُلَ في إذْنِي قَبْلِي، فكان مني ما قد أخْبَرَك.

فقال عمر : القِصاص.

قال فيروز : لاَبَدّ؟؟

قال عمر : لا بُد.

فجثا فيروز على رُكْبَتَيْه، وقام الفتى ليقتص منه.

فقال له عمر رضي الله عنه : على رِسْلِك أيُّها الفتى حتى أُخْبِرك بشيءٍ سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ غداة وهو يقول : قُتِلَ الليلَة الأسودُ العنسيُّ الكذابُ، قتلهُ العبد الصالحُ فيروز الديلميُّ، أفتُراك مُقتصاًّ منْه بعد أن سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

قال الفتى : قد  عفوْتُ عنه بعد أن أخْبَرْتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا.

فقال فيروز لعُمَر أفَتَرى هذا مُخْرِجي ممّا صنَعْتُ : إقْراري لهُ وعفْوُه غير مستَكْره؟!

قال عمر : نعم.

قال فيروز : فأُشْهِدُك أن سَىْفي وفرسِي وثلاثين ألْفاً من مالي هِبةٌ لهُ)).

بمِثل هذا التاريخ الناصع البياض تتحَدَّى الأمة الإسلامية جميعَ الأمَم، سواءٌ على مستوى الرّاعي العادل، أو على مستوى الرعية الناهِلة من معين القرآن، ونبْع السنة الطاهرة، لقد انتشرت في جميع الأمم السابقة أخلاق الإخلاص والصدق والوفاء والطاعة والتحدي بالتوكّل والتفويض والزهد في الحياة الفانية، ولكن كل ذلك كان في نطاق ضيق، وبمقدار محدود، أمّا أن تصبح أخلاقُ العَدْل والحِرْص على براءة الذمة ساريةً في كيان الأمّة من رأْسِها إلى أخمص قدميها، ومن راعيها إلى رعيتها، ومن حاكمها إلى محكوميها فذلك ما لا يُعرف لَه مثيلٌ في جميع الحضارات إلا حضارة الإسلام التي هَدَت الإنسان وجعلته يمشي على الصراط السويّ مستقيما بعد أن كان يمشي مكباً على وجهه، لا يعرف عدْلاً، ولا حقا، ولا حساباً يوم الغدِ الموْرُود، والجزاء الموعود؟!

إن الأمة المسلمة -مع الأسف- قد أصاب نُخبها الحَوَلُ في الرؤية، عندما أطفأت مصابح النور القرآني، وأوقدت نار الهوى الشيطاني، فأصبحت تعتبر الدِّين لعباً ولهواً وطقوساً ومظاهِر لا تسمن ولا تغني من جوع، وأصبحت السياسة كذباً ونفاقاً وتملقا وتفانياً في خدمة المصلحة الخاصة، وأصبح الهوى شريعة محكّمة في رقاب الضعفاء والمستضعفين، وأصبح كبار القوم مرفوعاً عنهم القلمُ يسْألون ولا يُسألون، ويحاسِبون ولا يحاسَبون، وأصبح الظلمُ عُملةً رائجة والعدْلُ قيمةً مهجورةً تُحْكَى كما تحكى الخرافات والنوادر لقتل الوقت وتزجية الفراغ… فأصابَ الأمّة -على نطاق الدول المسلمة- من الذِّلة والمسكنة ما كتبهُ الله تعالى على الأمة الملعونة في القرآن لتكذيبها بآيات الله تعالى، وقتْلِها الأنبياءَ بغير حق، وعكوفها على عبادة الدنيا بنهَمٍ وشراهة، وخيانتها لأمانة العَدْلِ التي طوّّقها الله تعالى بها قبل تسْليم راية الحق وإقامة العدل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال سبحانه وتعالى للأمة المسلمة -تكليفاً وإلْزاماً- {يَا أيُّها الذِين آمَنُوا كُونُوا قَوّامِين بالقِسْطِ شُهَدَاء للَّــهِ ولــوْ عَلَى أنْفُسِكُم أو الوَالِدَيْن والأقْرَبِين}(النساء : 135).

ومِن حُسن حظِّ هذه الأمة أن النصّ القرآنيّ المُحْكَم بدَلالتِه، الصارمَ بأمْرِه، الواضحَ في وجهته : أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّره تفسيراً عمليّاً يسُدُّ كل أبواب التحريفات والتأويلات والتساهلات في ميدان إقامة العدل، إقامةً مطلقةً على الغني والفقير، الكبير والصغير، الشريف والوضيع، القريب والغريب، المسلم وغير المسلم، المرأة والرجل، الحاكم والمحكوم، لا عِصمة لأحد في باب إقامة العدْل على من انتهك حدّا من حدود الله تعالى.

عن عائشة رضي الله عنها ((أن قريشا أهمَّهُم شأنُ المخزوميّة التي سرقت، فقالوا : من يكَلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ثم قالوا : من يجترئ عليه  إلا أسامةُ بن زيد، فكلمه أسامةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أُسامة أتشْفَعُ في حدّ من حُدُودِ اللّهِ؟!)) ثم قام فاختطب، فقال : ((إنّما أهْلَك الذِين من قبْلِكم أنّهم كانوا إذا سَرَق فِيهم الشّريف تركُوه، وإذا سَرق فِيهم الضّعيف أقَامُوا عليه الحدّ، وأيْمُ اللّه لوْ أن فاطمةً بنْت محمد سرقَت لقَطَعْت يدَها))(متفق عليه) ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمر بتلك المرأة -فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد أحد كبراء قريش المعدودين قديما- فقُطِعت يدُها.

أيةُ صرامة هذه في إقامة العدل وتنفيذ الحدود؟! وأي تحذير هذا من سلوك طريق الهلاك الذي سلكه المجرمون السابقون؟!

إنها الصرامة النبوية التي تخطُّ للأمّة نهْجَ السلامة، وطريق النجاة من الهلاك، وسبيل التحضُّر الفريد!!

وإنه التحذير الصادق المُشفق على الأمة من السقوط في مهاوي الزيغ والانحراف المُذلَّيْن!!

وأية هيبة اكْتسَبها الرسول صلى الله عليه وسلم -بهذه الصرامة- فوْقَ هيبة النبوة والرسالة؟!

إنها هيبةُ الحق، وهيبةُ الموقف الحق في وجه الباطل الزاهق بالحق؟!

إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يغترف من هذا المنبع الصافي قرآنا، وسنة، ولذلك قسا على نفسه بالحق والعدْل، وقسا على الرعية بالحق والعدْل فاكتسب هيبة لمْ يكتسِبْها الذين نَصَبُوا المشانق، ومشطوا اللحم، وكسروا العظم، وفتحوا السجون، وأجاعوا البطون، وفصلوا الرؤس بالفؤوس، وأرهَبُوا النفوس.. القدماءُ والمحدثُون في ذلك سواء.

إن العَدْل :

> أساسُ العُمران وأساس الازدهار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

> وأساس البركة السابغة، والرحمة الشاملة.

> وأساس العزة الحقيقية المستمدة من عزة الله عز وجل القوي العادل.

> وأساس الوقاية من الهلاك، هلاك الكوارث، وهلاك الفتن والصراعات المدمرة.

> وأساس السعادة والهناءة الدائمتين دنْيا وأخرى.

> وأساس الكرامة الإنسانية التي لا ينبغي أن تهان إلا إذا أهان الإنسان نفسه بالمعاصي والجرائم.

ولقيمة العَدْل غيرِ المتناهية مزاياها نجد أن الله عز وجل لمْ يأتمن عليها كافراً، أو طاغية، أو ظالماً يمتلك السلاح النوويّ والكيماويّ، والجرثُومِيّ، ولكنه سبحانه ائتَمَن المؤمِن فقط على تحمُّل هذه الأمانة، لأنه وحْده الذي يؤمل فيه أن يقيم العدْل قبل أن يقام عليه العَدْل يوم لا ينفع مال ولا بنون، لأنه وحده الذي ترتعد فرائصه عندما يتلو قول الله تعالى : {ونَضعُ الموازِينَ القِسْط لِيَوْم القِيامة فلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وإن كانَ مِثْقال حَبّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنَا بِها وكَفَى بنَا حَاسِبِين}(الأنبياء ك 47).

ألاَ ما أسْفَه ا لذين عندهم هذا القرآن!! وهذا النبي!! وهؤلاء الخلفاء!! وهذه الأمة!! وهذا التاريخ!! وهذا الرصيد الحضاري!! وهذا الحق الناصع المجلجل!! ومع ذلك يُسْلمون القِياد للشرعية الكافرة المشقية، ويهجرون الشرعية الربانية المسعدة لهم وللإنسانية جمعاء!!

فأين الذي لا يعرف الله عز وجل!! ولا يعرف الجنة والنار!! ولا يعرف ملائكة الرحمة من ملائكة العذاب!! ولا يعرف أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار!! أين هذا من قول عمر رضي الله عنه وهو يجود بنفسه : ((المغْرُورُ من غرَّرْتُمُوه، واللّه لوْ أنّ لي ما طَلَعت عليه الشّمس أو غرُبَتْ لافْتَدَيْتُ بِه مِن هَولِ المَطْلَع))!!

أو قول مالك بن دينار رضي الله عنه ((يا رَبِّ قَدْ عَلِمتَ ساكِن الجنَّةِ من ساكِن النّار، فَفِي أيِّ الدّارَيْن منْزِلُ مالِكٍ؟!)).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *