من اليسار إلى اليسار


عاصرت يساريين في المشرق والمغرب أيام كان اليسار هو “الموضة” للتحرر من الهيمنة الأمريكية والدعوة إلى التقدمية ومن هؤلاء من كان يعمل تحت لواء الشيوعية صراحة أو تحت لواء البعثية والقومية العربية وكان معنا طلاب رفع بعضهم لافتات التقدمية باسم هذا الاتجاه أو ذاك.. وكان لي زملاء وأصدقاء من هذا الصنف منهم بعض اليمنيين… وعندما زرت اليمن سألت عن بعض هؤلاء اليساريين وبخاصة صديق حميم كنا نطالع معا استعدادا للامتحان وكان فقيرا فأخبروني أنه توفي رحمه الله فسألت هل ترك أطفالا فقالوا ولدا واحدا كما سألت عن حالته المادية فقالوا لم يترك سوى مليوني دولار.. وعندما زرت لبنان سألت عن أولئك الذين كانوا فرسان الدعوة لليسار العربي فإذا بهم أصبحوا أثرياء بتعاونهم مع بعض الخليجيين. والكثير من الأسماء اليسارية تحولوا من ضيق العيش إلى سعته ومن اليسار السياسي إلى اليسار المادي، والكثير من هؤلاء أصبحوا يتسابقون إلى أبواب حكامهم اليمنيين ليعززوا أنظمة حكم كانوا بالأمس يصفونها بالرجعية والعميلة والمتخلفة والحكم المطلق إلى غير ذلك من النعوت وبين عشية وضحاها أصبح هؤلاء يتنافسون على اليسار المادي بخدمة خصومهم بالأمس وأسيادهم اليوم.

وذات يوم سألني أحد اليساريين الجزائريين الذين تيسروا ماديا عن حالة اليسار في بعض البلدان التي أعرفها فأجبته: لقد استُجمِرَ باليمين واستُنجِيَ باليسار (راجع المرشد المعين للشيخ ابن عاشر بشرح ميارة- الصغير).

والحقيقة أن فضيحة هؤلاء كانت سريعة وصريحة ولكن الطامة الكبرى هي في التحول الكبير الصارخ لليساريين المنظرين الذين ضللوا الشباب ولا سيما الجامعي منهم يوم كانوا يمنونهم بحكم ديمقراطي تقدمي وبنظام اقتصادي عادل متحرر من الهيمنة الامبريالية وبغير ذلك من الأماني، فإذا بهم يوم تولوا المسؤولية كانوا أشد رجعية وأمركة وأكثر تطبيقا لتعاليم البنك الدولي وأكثر فشلا في التربية والتعليم الذي شهد في عهدهم تدهورا مخيفا وأصبحت حقوق الإنسان في عهدهم أكثر خرقا وتمريغا.. وقد كان لي صديق حميم يتابع دراسته بالجامعة الأمريكية ببيروت من أطيب من صاحبت وأخلصهم فإذا به عندما أصبح في ركاب نظامه صار يوافق على الطوام وعلى انتهاك حقوق الآدمية لا الإنسانية فقط، والعجب أن هؤلاء الصنف من البشر يكون أكثر بلاغة وبيانا في تسويغ وتبرير جرائم أنظمتهم الفاسدة ولا يبالي. لقد ضاعت فلسطين بفساد القيادات اليسارية سابقا واختفت الشيوعية واندثرت اليسارية وتلاشت الثورية وأخفقت القومية العربية وشُنقت البعثية العراقية وأُقبِرتْ التقدمية وتفككت الوحدة العربية ولم يبق في السوق إلا الباحثون عن اليسار المادي الذي يضمن لهم رصيدا كبيرا في حساباتهم لا يبالون بما تعرى من سوآتهم وانفضح من عوراتهم وتمزق من جلود وجوههم ليخصفوا به ما تقطع من أديم أرجلهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذ يقول: ((إذا لم تستحي فافعل ما شئت)). وصدق الله سبحانه إذ يقول: {أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

وهنيئا لمن عاش مؤمنا فلم يبدل ولم يغير حتى مات على حسن الخاتمة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *