مع الرسول في ذكرى ميلاده


مصطفى أبغيل – تطوان –
بحلول شهر ربيع الأول من كل عام، يستقبل العالم الإسلامي ذكرى ميلاد سيد البشرية الذي كان ميلاده رحمة وسعادة وخيراً لهذه الأمة.

فقد كان العالم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم يتخبط في جاهلية جهلاء، وفي ضلالة عمياء، وفي هذا الجو الفاسد، والمحيط الظالم. كان من الضروري أن يهيء الله لهذا الإنسان الخلافة الصالحة في هذه البسيطة ليُعمِّرها وينمِّيها ويزرع الخير فيها ليُسعد نفسه وإخوانه ومجتمعه بالعمل الصالح المثمر. ففي النصف الثاني من قرن ميلاد المسيح عليه السلام وفي مكة أم القرى من بلاد العرب ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أبوين كريمين عبد الله وآمنة ويتصل نسبه بسيدنا إسماعيل جدّ العرب.

مات أبوه عبد الله وهو ما يزال في بطن أمه لم يتجاوز الشهرين، وبعد ميلاده مكث مع حليمة السعدية ببني سعد إلى أن بلغ الخامسة من عمره حيث كانت ترضعه، وحينما وقعت له عليه الصلاة والسلام حادثة شق الصدر خافت عليه وردّته إلى أمه، ارتحلت به أمه إلى المدينة، ومكثت شهرا مع أخوال أبيه ببني النجار، وشاء ربنا جل جلاله ألا يطول أمدُ اتصاله بأمه كيلا يُشغل قلبه بالأمومة، كما لم يشتغل قلبه أيضا بالأبوة، تولاه الله تعالى برعايته، واختاره ليعيش بين يديه، فصنعه بيده، وآواه من يُتم، وأغناه من فقر، وهداه من ضلال، قال تعالى {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى}.

وما يزال يغمره سبحانه بالفضل والإحسان والرعاية والامتنان، حتى بلغ مبلغ الرجال، وتهيأ لحمل الرسالة، وتبليغ الأمانة فأرسله الله رحمة للعالمين، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بدين أساسه الإيمان بالله تعالى، ودعامته الإيمان بالغيب وباليوم الآخر، وقوامه مكارم الأخلاق من حياء ووقار والتزام وحلم وسكينة وأدب.

وهكذا ظل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو عشيرته الأقربين، وقومه أجمعين إلى العقيدة الصحيحة، وترك ما كان عليه الآباءُ والأجداد من العوائد السيئة، والخرافات الباطلة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم له في تلك الدعوة من سلاح سوى سلاح الحكمة والموعظة الحسنة.

وقد استطاع عليه الصلاة والسلام بحكمته وصبره وثباته ومواقفه الجميلة أن يجمع القلوب، ويؤلف النفوس، وأن يهذب الطباع.

ورحم الله الإمام البوصيري حيث يقول في همزيته :

رحمة كله وحزم وعزم

ووقار وعصمة وحياء

عظُمت نعمة الإله عليه

فاستقلت لذكره العظماء

جهلت قومه عليه فأغض

وأخو الحلم دأبه الإغضاء

وَسع العالمين علما وحلما

فهو بحر لم تُعْيه الأعباء

أخي القارئ الكريم : إن ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نورا استضاء به العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، وأن الشدائد التي لاقاها عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله تعالى تعطينا الدروس والعبر الكبيرة في تحمل الصعاب في هذه الحياة طلباً لما عند الله يوم الجزاء.

ذلكم أيها الإخوة الأعزاء شهر الربيع الذي وُلد فيه الحبيب الشفيع، وهذه رسالته المباركة التي بها فضلنا الله على سائر الأمم، فعلينا أن نذكر هذا النبي دائما وأبدا، وأن نعيش مع شريعته وسنته الغراء في جُلّ حياتنا، وفي كل مواقفنا، وأن لا نكون كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}(الحديد : 16).

علينا أن نتساءل ونحن نعيش ذكرى المولد النبوي هل من ميلاد جديد للبشرية بعامة، وللأمة الإسلامية بصفة خاصة، ميلاد يواكب ميلاد نبي الإسلام، ورسول السلام، ميلاد يجد العالم فيه الراحة والهدوء والاطمئنان، ونبذ الخلاف والكراهية واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان وبالله التوفيق.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *