لنجعل محبتنا لرسول الله في الـميزان!


والمسلمون جميعاً يستعدون لاستقبال ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام. هذه الأيام المباركة التي سطع فيها نور أراده الله تعالى أن يكون ضياءً للكون كله.

> هذا المولود أراده الله تعالى أن يكون سيد ولد آدم

> هذا المولود هو الذي أيده الله تعالى بأعظم رسالة

> هذا المولود هو الذي ختم به الله تعالى كل رسالاته

> هذا المولود هو الذي كان سبباً في إسلامنا، فله يرجع الفضل كله بعد الله عز وجل لأنه أول من دعا إلى هذا الدين العظيم، وأول من حمل راية نشر هذا الدين العظيم، وأوذي في سبيل هذا الدين العظيم، إنه رجل لا كالرجال وسيرته لا كالسِّيَرْ.

في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم جدير بنا أن نقف وقفة نحاسب فيها أنفسنا، ونراجع أمورنا، ونتأمل في أحوالنا مع هذا الرسول الكريم.

لنطرح أسئلة ونقول :

هل نحن حقاً من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟

هل نحن نحب محمداً صلى الله عليه وسلم محبة صادقة؟

إن أي مسلم يُطرح عليه هذا السؤال يجيب بدون تردُّدٍ : نعم أنا من أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أحب سيدنا محمداً!

لكن لكل قول حقيقة! ولكل دعوى دليل!

فما هي حقيقة اتباعنا لهذا الرسول الكريم؟

وما حقيقة هذه المحبة؟ وما هي علاماتها؟

إن حقيقة المحبة موافقة المحبوب في كل ما يَسُوءُ، وفي كل ما يسر، وفي كل ما ينفع أو يضر.

إن محبة هذا الرسول العظيم تقتضي الاستسلام له، والمبادرة إلى إتيان أوامرِه واجتناب نواهيه، والمسارعة إلى كل ما يرضيه.

– محبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي ترك المعارضة والمجادلة والمراء.

– محبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي حمل رسالته بعد موته وتبليغها والدفاع عنها وبذل النفس والمال والجاه والأولاد من أجلها.

– هذه هي المحبة الصادقة!!!

أما من يدعي محبته صلى الله عليه وسلم وهو يخالف كل ما جاء به من الهدى والنور.

أما من يدعي محبته صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن اتباعه، بل ربما محارباً لسنته.

فهذا كاذب في كل ما يدعي، ولله ذر الشاعر إذ يقول :

ومَنْ يدَّعِ حب النبي ولم يُفِدْ

من هديه فسفاهة وهراء

فالحبُّ أول شرطه وفروضه

إن كان صدقاً طاعة ووفاء

وإذا كان لكل قول حقيقة، فما هو برهان صدق محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم؟

– هل نحب ما يحب ونكره ما يكره؟

– هل نصلي كما كان يصلي؟

– هل نتخلق بأخلاقه كما كان خلقه القرآن؟

– هل نعامل جيراننا كما كان يعامل جيرانه؟

– هل نعامل أهلينا وأبناءَنا كما كان يعامل أهله؟

– هل نتأسى به في رحمته بالناس، في رفقه في زهده، في تواضعه؟

إن كان من حب صادق ففي التأسي به يتجلى!

للأسف الشديد صرفنا هذه المحبة لأهوائنا وشهواتنا، فنجد الواحد منا يفضل رغبات نفسه الأمارة بالسوء ويفضل رغبات أهله وإن خالفت ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

– أين المحبة عند من يقترض بالربا وهو يعلم أنه حرام وأن حبيبه صلى الله عليه وسلم لعَنَ الواقعين فيه؟!

– أين المحبة عند من يفضل ما تريده زوجته وبناته من تبرج وقلة حياء على ما أمر به حبيبه صلى الله عليه وسلم مِنْ سِتْرٍ وحياء وبفضل نداء الشيطان على نداء الرحمان؟!

– أين المحبة عند من يجلس في بيته أمام التلفاز، أو في المقاهي والمؤذن ينادي حي على الصلاة حي على الفلاح؟ وقد كان حبيبه إذا جاءت الصلاة كما قالت عائشة رضي الله عنها كأنه لا يعرفنا؟!.

– أين المحبة عند من يبيع ويشترى وهو يكذب ويَغِشُّ وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم (من غش فليس منا)؟!.

– أين حبنا له صلى الله عليه وسلم ونحن نظلم زوجاتنا وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))؟!.

– أين حبنا له ونحن نؤذي جيراننا، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره))؟!.

– أين حبنا له ونحن ننظر إلى الحرام في الشارع والقنوات الفضائية الهابطة والجرائد والمجلات الماجنة، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ((لا تُتبِع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية))؟!.

– أين حبنا له ونحن نتكبر على الناس وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد))؟!.

– أين حبنا له صلى الله عليه وسلم ونحن في وظيفتنا وعملنا نتهاون ونعطل مصالح المسلمين وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ((رحم الله من عمل عملا فأتقنه))؟!.

– أين حبنا له صلى الله عليه وسلم وقد كان يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه، ونحن ننام عن صلاة الفجر، ونجمع الصلوات، ولا نصلي في المسجد؟ ونسهر أمام المسلسلات والمباريات؟

– أين حب نسائنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهن لا يأتسين بزوجاته وبناته في التستر والعفة بَل يتباهين بعرض مفاتنهن على كل الناس؟!

– أين حبنا له صلى الله عليه وسلم ونحن هاجرون للكتاب الذي أنزل عليه تلاوة وعِلْماً وعمَلاً

إن حقيقة الحب، مسارعة إلى فعل كل ما كان يفعله المحبوب وكل ما يرضيه وإن كان فيه مشقة على النفس، أما مجرد الادعاء فكذب وبهتان؟!.

ورحم الله الشاعر إذ يقول :

والدعاوى إن لم تقيموا عليها

بينات أبناؤها أدعياءُ

{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.

إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست ضرباً من الخيال وليست خلقاً يصعب التخلق به. ولكنها يسيرة على من يسرها الله عليه.

إن التخلق بمحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقتضي تحققاً وعلماً بهذا الرسول العظيم.

فإذا حصل التعرف على هذه الشخصية العظيمة، وإذا حصل العلم بشرف هذا الإنسان النبيل، وإذا حصل لنا التحقق من سيرة هذا الرجل الكريم، فإن التخلق بمحبته يصبح يسيراً بإذن الله تعالى، وإن أزمتنا تكمن في جهلنا برسول ربنا إلينا.

لا نعرف عنه إلا القليل ولا يعرف سيرته إلا من رحم الله تعالى.

في حين نعرف تاريخ المطربين والمطربات  والمغنين والمغنيات والرياضيين والرياضيات ونعرف عن الفرق والمنتخبات… والسياسيين والسياسيات.

أما رسولنا فلا نعرف ولا أبناؤنا عنه شيئاً إلا من رحم الله تعالى.

لقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أصدق مثل في صدق المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم.

كانوا إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا نهاهم انتهوا دون جدال ولا مراجعة، والنماذج على هذا كثيرة نورد منها نموذجين فقط من أجل الاعتبار والاقتداء والتحقق والتخلق :

– لمّا دخَلَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة أقام عند أبي أيوب الأنصاري، وكان له بيت من طابقين، فأشار عليه أن يقيم في الطابق العلوي فقال عليه الصلاة والسلام : لا، إن أصحابي يغشونني، وكان أبو أيوب يرسل بالطعام أولا  إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أكمل تتبع هو وزوجه موضع وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده ويأكلان منه يلتمسان البركة، فبعث إليه يوماً بطعام فيه بصل، فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمسه، فراع ذلك أبا أيوب، فأسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفسره فقال صلى الله عليه وسلم أما إنني أناجي من لا تناجون، فقال أبو أيوب : لا جرم لا آكل مالا تأكل. فها هو قد حرم على نفسه أكل المباح إمعاناً في موافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم فما بالنا نقع في الحرام ونصر عليه ثم ندعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم!!

– وهذه امرأة من الأنصار تبين صدق المحبة وعربون الوفاء، للنبي صلى الله عليه وسلم فعن أنس رضي الله عنه قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم لجليبيب رضي الله عنه، امرأة من الأنصار من أبيها، فقال حتى أستشير أمها، فانطلق الرجل إلى زوجته فذكر ذلك لها، فأبت لذمامة جليبيب وفقره، فقالت البنت : أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟

إن كان رضيه لكم فزوجوه، قالوا : صدقت، فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن كنت قد رضيته فقد رضيناه، قال صلى الله عليه وسلم : فإني قد رضيته فزوجوها، ودعا لها الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم اصبب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً ثم ما لبث زوجها أن خرج في غزاة مع النبي  صلى الله عليه وسلم فقتل. قال أنس : فلقد رأيتها وإن الرجال صفوف يريدون الزواج منها ليصيبوا بركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت من أنفق البيوت في المدينة.

وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *