تفسيـر سـورة الطـلاق


25- {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا  إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}

1) تفاوت الناس في أوضاعهم الاجتماعية يتطلب التكيلف بما يطاق :

لازلنا مع هذا التوجيه الإلهي الذي من شأنه أن يصحح الأشياء والأوضاع في الأسرة الإسلامية ويبنيها مجددا -وهي قد وصلت إلى فترة  الأزمة- بناء جديداً يتجاوز كل العوائق وكل أسباب الانفجار في الأسرة.

فأوجب الله تعالى كما بينت في الدرسين السابقين الإنفاق، والإنفاق يتبع حالة الزوج والزوجة معا، والمهم أنه لا يراد بتكليف الزوج بالانفاق إعنات هذا الزوج، أو التضييق عليه، أو معاقبته، وإنما يراد به أن يلبي حاجة الزوجة.

وقضية النفقة قضية واسعة بين أسرة وأخرى وبين فرد وآخر وهناك من يمكنه أن تستمر حياته بالشيء القليل طبعا من الضروريات، وهناك من يتوسع في معيشته توسعا أكبر، وهذا طبعا أمر معروف ومشهود في حياة الناس، الناس يتفاوتون بحسب ما بين أيديهم من أموال بحسب رغبتهم في الاستمتاع بطيبات الدنيا، فيختلف وضع من هذا إلى ذاك.

{لينفق ذو سعة من سعته} ومن قدر عليه رزقه فالله تعالى لا يكلفه أكثر مما آتاه، فعلى قدر الجدة، وما يكون بيد الانسان يكون مكلفا، فَرُبَّ رجل هو الآن مثلا في عمله لا يتيسر له إلا قليل من المال، فلا يمكن أن يضع الشرع له ضابطا معينا، أي أن النفقة لا تكون إلا بمبلغ كذا وكذا، بمعنى لو قلنا إن نفقة الزوجة الآن أو الأسرة هي 2000 درهم في الشهر، فإن كثيرا من الناس لا تصل أيديهم إلى هذا المبغ، حيث يشتغلون بأجور منخفضة فلا تصل أيديهم إلى هذا، لو فعلنا ذلك لأدى هذا إلى ضرر كبير، فالمهم أنه ليس هنالك حد محدود ولا مقياس معروف للنفقة، وإنما يُرْجع في هذا الأمر إلى العُرف وإلى استطاعة الناس، وإلى ما بين أيديهم، المهم أن الإنسان لا يعتمد التضيق على أهله، ولا يتعمد محاصرة أهله والتقتير عليهم، فهذا لا يجوز، وكذلك فالزوجة لا تطالب الزوج بنفقة مثالية، وتقول أنا لا يعنيني من أمرك إن كنت ذا مال أو ليس عندك مال، فأنا لابد لي من كذا وكذا، هذه شروط من شأنها أن تؤدي إلى التضييق على الزوج، وإلى فراره من التبعات، لأنه لو كلف بهذا لما استطاع فمعنى هذا أن الإنسان لا يكلف بشيء لا يستطيعه، مستحيل، فإذن القرآن سد هذا الباب وقال : {فلينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} ثم قال تعالى : {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}.

2) التكليف بما يطاق من الأصول العظيمة في شريعتنا :

وهذا أصل عظيم في شريعتنا الاسلامية، وهو أصل التكليف، ولكن في حدود المستطاع، والجمع بين هذين العنصرين جمعٌ ليس سهلا إذا لم يُفْهم الأمر.

إذن هناك تكليف، وهناك استطاعة، كذلك فالتكليف في الشريعة الاسلامية هو إلزام بما فيه كلفة، والكلفة المشقة، بمعنى أن التكليف هو استدعاء النفس إلى شيء فوق المألوف، فوق المستطاع.

معنى هذا أن تسمو إلى هذا السقف الذي أراد الله تعالى لك أن تأتيه، فإن أراد لك مثلا صلاة في وقتها، أو صياما، أو زكاة، أو ما إلى ذلك فالله تعالى يعلم أن نفسك فارَّةٌ من هذه الأشياء، هاربة من هذه الأشياء، لا تستريح بيسر إلى هذه الأشياء، ومع ذلك هو يكلفك، وإذا حاولت ذلك وجدت نفسك أولا غير راغبة بهذا الأمر ولو كُلِّفت النفس بشيء فيه لذة وحيوية ونشاط واسترخاء لأسرعت إلى ذلك. ولكن تكليف الشريعة الإسلامية كله لا يخلو من مكابدةٍ، ومن معاناة، ومن مشقة، فلذلك سُمِّيَ هذا الفعل كلّه تكليفاً لابُدّ من بَذْل المجهود فيه، وبذل الطاقة من أجل طاعة الله عز وجل، فلابد إذن من إرادة خالصة، ومن جهد خاص، من أجل إنفاد أمر الله عز وجل، فهذا هو التكليف.

3) شريعتنا تميزت باليسر في كل شيء :

فإذا كان التكليف هكذا فإنه بطبيعته لا يخلو من مشقة وهذا الأمر يجب إيضاحه، خصوصا في هذه الفترة فترة صراعات أفكار وفهوم ونظريات وتفسيرات كثيرة للدين، فكل الناس أصبح مفسرا ومفتيا، وأكثرُ الناس جراءةً على الفتوى والتفسير في الدين هم أولئك الذين ليس لهم صلة بالدين أصلا، فهم على صحفهم ومجلاتهم دائما يعطونك نوعا من الدين، ويقولون لك أن هذا هو الإسلام كما نفهمه نحن وهو الإسلام الحقيقي،، أما سواه فهو تنطع وتصلُّبٌ وتشدد وأصولية وما  إلى ذلك، نقول إن من طبيعة الأشياء أن تلامسها العظمة، وأن تلازمها أو تلامسها مشقة لكن فضيلة شريعتنا الاسلامية أنها لا تعتمد المشقة بالذات ولا تقصدها أبدا، بمعنى شريعتنا ليست حريصة على إيقاع المشقة وتوريط الناس فيها والزام النفس بكل شيء فيه مشقة، لا، شريعتنا مرادها خضوع العبد لربه، واستجابة هذا العبد لربه فقط عن طواعية، هذا هو المراد، ليس من مقاصد الدين التضييق، ولذلك تميزت الشريعة الاسلامية باليسر، أي أنه لا يراد في هذا الدين إلا طاعة الله، بدون تضييق ولا إحراج ولا تشديد على إنسان وهذه ميزة الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي نسميه سماحة الشريعة الاسلامية، التي لا توجد كلمة الآن أصبحت مظلومة على ألسنة كثير من الناس وعلى صفحات الجرائد والمجلات والكتب مثل كلمة السماحة  والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((بُعثت بالحنيفية السمحاء)).

4) واليسر والسماحة ليسا هما التفريط في دين الله :

ما هي السماحة؟

هل السماحة هي، من أراد الخمر فاتركه، ولا تقل هذا حرام، من أراد أن يسرق فاتركه ولا تقل هذا حرام، ومن أراد الربا كذلك، هل هذه هي السماحة؟! إذ لم تقل هكذا فأنت متشدد ومستلط.. وهكذا نفرط في ديننا باسم التسامح.

نعم ديننا هو دين التسامح أما السماح والتفريط والتضييع لشرع الله فهذا ليس من السماحة في شيء.

معنى السماحة آن الشريعة لا تقصد إلى المشقة بالذات، لا تريد المشقة، لا تعتمد المشقة لا تهتم بالمشقة، وتبحث عنها وتتصيدها، لا.

وشهادات القرآن تشهد لهذا الدين بأنه ليس فيه شيء من التشديد {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} فهذا النبي المبْتَعَثُ إلينا محمد صلى الله عليه وسلم من شأنه ومن ميزاته أنه يضع عن الناس التشديد والتضييق والمشاق التي كانت على الأمم السابقة ونحن دائما ندعو في دعائنا الذي نردده دائما في ختام اجتماعاتنا ندعو الله تعالى بأن لا يحمل علينا اصرا كما حمله على الذين من قبلها ((لا  تحمل علينا إصرا كما حمَلْتَهُ على الذين من قبلنا)) فنحن دائما ندعو الله أن لا يلزمنا بشيء يشق علينا، ويعظم علينا، إنفاذه والاستجابة فيه، ولذلك حتى بعض العلماء قالوا إن معظم هذه الأشياء التي ندعو بها {ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال بعض العلماء هذا ليس دعاء وإنما هو من قبيل التذكير برحمة الله بهذه الأمة، فنحن نقول  : {ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا} هذا الأمر هو مضمون الحديث الذي قال : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ومع ذلك نحن ندعو به إظهارا لنعمة الله علينا {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} هذا أيضا مضمون قول الله تعالى : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

ولذلك قلت إن في هذا مِيزَة هذه الأمة، وشرف هذه الأمة، لأن التضييق والتشديد عليها مرفوع، ليس من شأن هذه الشريعة أبدا، والأحاديث والآيات في هذا الباب كثيرة  {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلى غير ذلك من الآيات التي ترجع إلى وصف الشريعة الإسلامية بالرحمة  إلى درجة أن نقول ليس لدينا تشريع هو في ذاته عقوبة أي حتى العقوبات الشرعية التي هي حددها الله، ليست إلا إعلانات للناس حتى يَكٌفُّوا وينزجروا عن المعاصي، يقول لهم الله تعالى مثلا ((من سرق منكم فيجب قطع يده)) فمعنى هذا لا تسرقوا، ((ومن زنى منكم يجب أن يجلد أو يقتل)) فمعنى ذلك لا تزنوا.

وهذه إعلانات كافية لأن تحد من شيوع الجريمة في المجتمع الاسلامي، إذن الشريعة كما قلت ليست مهتمة بمسألة المشقة ولا عابئة بها وإذا وُجدت مشقة في الوضوء والصلاة، وخصوصاً صلاة الفجر وغير ذلك من المشقات فهي مشقات مقْدُورٌ عليها، تصبح متيسرة بالرغبة وعُلُو الهمة، ألا ترى كيف يستجيب المسلمون للصيام في شهر رمضان بكل فرح وابتهاج وكذلك الأمْرُ بالنسبة للإنفاق على الزوجة المطلقة وأولادها على قدر الوُسْع والطاقة.

د. مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *