تعقيبات وتوضيحات ومستفادات :(2)


مستفادات :

1) التحدِّي بـــالحقِّ قمة الشعــور بحــلاوة الإيمـــان :

إن الذين يقرأون أو يشاهدون في بعض الأفلام والمسلسلات ما كان يُعذَّبُ به بلال رضي الله عنه وأصحابه تصيبُهم -بدون شك- أنواعٌ من القُشَعْرِيرة أو الارتعاش أو الانقباض، مع أن الذي وقع -فعلا وكان يقع فعلا ويقع في عصرنا فعلا- هو أكْثَرُ من ذلك بكثير، بل هو فوْق الوصْف والإحاطة، وإن كان الذي يحْكي ذلك ويصفُه للناس والتاريخ في مُذَكِّراتِه أو استجواباتِه هو الذي جرّب ذلك، ووقع له ذلك. لأن الكلمات -مهما بغلت من الدّقة- تعْجِزُ عن وصْفِ أثَرِ الكلمة الجارحة المُهينة، والصَّفعةِ المُهينة على الوجْه المُكرَّم، والجَلْد المُهين، والتعليق المُهين، والفضْع المُهين، والكَيِّ المُهين، والسجْن المُهين وسط الأزبال والمستقذرات، إلى غير ذلك من الإهَانَاتِ التي لا يُسجِّلُ أثَرَها إلا القلْبُ الصامِتُ الغائبُ في ذِكْر الله تعالى، الشاعِرُ بقيمةِ فضْلِ الله عليه حين اخْتياره له لأدَاء ثمن الإيمان الحارِّ من اللّحْم والدّم والعَصب والأرَق، ليسجِّل الله عز وجل له في سجلِّه الخالد كل الزّفَرات والأَنات والتأوُّهات الصاعدة أو المكبوتة بدقة عالية ليجدَها أنواراً متلألئة على الصراط المؤدي لجنان النعيم!! في ضيافة الرّبّ الكريم!!!

إن ما وقع ويقع من الأهوال للمؤمنين الثابتين على الحق شَيْءٌ يصْعَقُ النفوس، ويدُكُّ الجبال، ولكنَّ الذي يُقَوِّي على مواجهة ذلك الصَّبْر للّه، والعَيْش مع الله تعالى، في الشعور برحْمة الله، وهداية الله، وفضل الله، ومعيّة الله، وولاية الله،.. فإنّ بعْض الشعور بذلك الأفق العالي يُذْهبُ الإحسَاسَ بألَمِ الجسدِ المصْنوع من التراب، ويُدْني الشعورَ بحلاوَة العَيْش في رحْمة العزيز الوهاب.

هذه بعْضُ المفاتيح التي تساعِدُنا على فهْم الشعور العالي الذي كان يعيش فيه المومنون المُسْتضْعفُون وهُم يُواجِهُون أخْبَثَ شرور الطغيان!!!

فما معنى :

أ- أحَدٌ، أحَدٌ : التي كان يردِّدُها بلال رضي الله عنه، والسياط تنْهَالُ عليه؟! والشمس اللاّهِبة المحرقة تلْفَحه؟! والجوع يمزّق أحشاءه؟! والعَطش يفْلق كبده؟! والصخرة العظيمة تكاد تُخمد أنفاسه؟! وجَرُّالسُّفَهَاءِ والأطفال لَه على الرمال المحرقة يَكاد يُخرج دماغه؟!.. ليْس ((لأحَدِه)) معْنى، إلا معْنى واحداً، هو : أن بلالا رضي الله عنه ترَكَ لهُمْ جَسَدَهُ، وعاش مع ربِّهِ ((أحدِه)) برُوحه، وقلْبِه، وشعوره، فأنساه الله عز وجل همّ الجسد، وألَم الجسد، وجوعَ الجسد، وعطش الجسد، وعوَّضَهُ عن ذلك بسعادة الرُّوح، وحلاوَة الإيمان، وعزم الثّباتِ، وهِمّة الخروج من ضيق الأرض إلى علياء السماء، وجُندِ السماء، ونور السماء.. إذن فهو في وادٍ، وهُم في وادٍ، هو في وادِي العَذَاب سعِيدٌ، وهُم في وادي التعذيب أشقياء، هو في وادي العذَابِ منصور، وهُم في وادي التعذيب مهزومون مقبوحون!!

وما معنى :

ب- واللّه إنّ عيْنِي الصحيحةَ لفقيرةٌ إلى مِثْل ما أصابَ أخْتَها في اللّه : قالها عُثمان بن مظعون رضي الله عنه، عندما رَدّ جوار الوليد بن المغيرة، فقام إليه أحَدُ السُّفهَاء فلَطَم عيْنَهُ فخضَّرها، فقال له الوليدُ قد كُنت في ذمّةٍ منيعةٍ، وإن شئت أن تعُود إلى جواري وحمايتي فعُدْ، فقال له -بلغة المعْتزّ بإيمانه- : ((إنّ عَيْني الصحيحةَ لفقيرة إلى مثل ما أصابَ أختها في الله، وإنّى لفي جِوَارِ من هو أعزُّ منك وأقْدَرُ يا أبا عبد شمس)).

الجُمْلتان واضحتان في الدّلالة على الفرق بيْن الوادي الذي يغترف ُ منه الكافرون، والوادي الذي يغترف منه المؤمنون، وعلى الفرق بين العقل الترابي، والعقل الإيماني، فتخضير العَيْن في العُرف الإيماني شرفٌ لا يُدانيه شرَفٌ، وتخضيرُها في عُرْف الكفر إهانةٌ وذِلّةٌ وإزراء بقيمة الرجولة الكافرة.

وما معنى :

حـ- لأصْرُخَنَّ بِها بَيْن أظْهُرِهِم : قالَهَا أبو ذر رضي الله عنه بعدما سمِع من الرسول صلى الله عليه وسلم وأسْلم، فقال له صلى الله عليه وسلم : ((ارجِعْ إلى قوْمِك فأخْبِرهُم حتّى يَاتِيك أمْرِي)) إلا أنّ أبا ذر الذي لم يصِلْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن قضى مُدَّةً مختفياً عن الأنظار، ولم يَسِرْ إليه إلاّ في طُرُق مختفية، شعَرَ بالظُّلم الخانِق للأنفاس، المتمثِّل في ضَرْب الحصار على الدّعوة النورانيّة بينَما التفاهاتُ والسفاهاتُ تُمارسُ علَناً وفي وضَح النّهار فأرادَ أن يفجِّر هذا التناقُضَ في وجْهِ حُمَاةِ الحُمقِ والجَهْل والسّفه ليُشْعِرهم بسخافة عقولهم، وطيْش ألبابهم، وزيْف غُرورهم وكبريائهم، فأراهُم قيمةَ أنفُسهم، وقيمةَ معتقداتهم، وقيمةَ مسْلكهم، من خلال الصّرخة بـ((لا إلَهَ إلاّ اللّه محمّد رسول الله)) التي صَرخ بها في اليوم الأوّل فأدَّى ثمنها ضرباً، ولكماً، وركْلاً، ورفساً، ثم رجع ليصرخ بها في اليوم الثاني، وأدَّى الثمن كاليوم الأول، ثم رجع ليصرخ بها في اليوم الثالث، وأدّى الثمن، حتّى شَفَى صَدْرَهُ من الغَيْظ الذي شعَر به إزاء الحصار الظالم المضروب على الدّعوة وصاحبها محمد صلى الله عليه وسلم.

فما هي الرسالة التي أداها بهذه الصرخات الثلاث؟!

إنه أرسل عدة رسائل قوية لعدة جهات :

أولاها : رسالة الاعتزاز بالانتماء لأشْرَف دين على وجه الأرض، قضى حياته باحثاً عنه فعَثَر عليه عند خير البشر وخير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيها : رسالة الفرح بهُدى الله الذي ساقه إليه بعد طول بحْثٍ وتنْقيب.

وثالثها : الإعلان الجاهِرُ عن قِمّةِ الحلاوة الإيمانية التي كان يشعر بها وهو يردِّدُ الكلمة الطيبة على مسْمَع من يحاصِرُها، ويزهَدُ فيها، ويُعَذِبُ من اختارها.

ورابعها : إخْزَاءُ المشركين وكبتُهم وإظهارُ عجْزهم وهَوَانهم على الله تعالى الحامِي بحق لأوليائه وعبادِه المؤمنين الصالحين في كل زمان ومكان.

وخامسها : بعْث رسالة إنْهاضٍ لكل من قال ((لا إله إلا الله محمدا رسول الله)) قوْلاً بارداً جامداً، لا يُمَعِّرُ الوجُوهَ غضباً لله، ولا يُفْرغ الجيوبَ إنفاقاً في سبيل الله، ولا يُحرِّكُ الهِمَم دعوة وتربيةً وتعليماً لنورانيّة وعُمْق وطيْبُوبَة ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)).

هذه فقط -بعض المفاتيح التي بها يستطيع المؤمن أن يرتقي إلى فَهْمِ الحلاوة الإيمانية المخبوءة تحت جُمل قصيرة قالها الصحابة الكرام بعفويّة وتلقائية، مثل :

> قول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للرهبان والقسيسين الذين قالوا لهم : اسجدو للملك، فقال : ((إنّا لا نسْجُد إلاّ للّه)).

> قول أبي بكر رضي الله عنه لأبيه عندما قال له أعْتِقْ رجالا أقوياءَ يمنعُونك، فقال له : ((يا أبت إنّما أُرِيدُ ما أُريدُ لوَجْه الله)).

> قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ((ما كانَ أعْداءُ اللّه أهْوَن عليَّ منْهم الآن)) بعْدما أسمَعَهم القرآن، وأرَاد المعاودة لمكان تجمّع الكفار ليسمعهم القرآن من جديد، فمنعه الصحابة وقالوا له : قد أسمعتَهم ما يكرهون.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *