استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟


3-  مصطلح : التنمية المستدامة

مصطلح التنمية المستدامة مصطلح جديد يعبر به عن مفهوم القصد منه “تبني مفهوما جديداً للتنمية” يقول أحد الباحثين معرفاً التنمية المستدامة: “اعتبرت سنة 1987 سنة الديمومة بحيث في هذه السنة توصل تقرير “مستقبلنا للجميع” المعروف أكثر تحت اسم تقرير بروند طلاند،.. إلى مفهوم جديد للتنمية يحترم البيئة ويولي عناية خاصة بالتدبير الفعال للموارد الطبيعية…

وتعريف تقرير بروند طلاند للتنمية المستدامة هو : التنمية التي تستجيب لحاجات الحاضر دون التعريض للخطر قدرة الأجيال القادمة  للاستجابة لحاجياتها أيضا”(ثقافة التنمية أحمد الطلحي ص 30).

ودون أن نناقش لغة الباحث المحترم نقف عند بعض الكلمات، والعبارات التي تساعدنا على فهم المقصود من التعريف لنعرضه على المصطلح الذي هو عنوانه (التنمية المستدامة)، ومن جملة ذلك كلمة “الديمومة” الواردة في الفقرة الأولى. ثم العبارة (تستجيب لحاجيات دون… الأجيال القادمة) فثم إرادة التعبير عن حالة معينة هي موجودة في الحاضر، ويراد لها أن تبقى إلى ما شاء الله، ولذا قال باحث آخر في تعريفها >تعرف الأمم المتحدة التنمية المستدامة على أنها التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها” (الشباب والتنمية محسن الندوي ص 55).

 

وقد احتار أحد الباحثين في أي الصيغتين يختار (مستديمة أم مستدامة) وهو يناقش الشطر الثاني من المصطلح المركب (التنمية مستد…) وفي هذا يقول : “تنمية مستديمة أم مستدامة لا عرف ما الأصلح منهما، ولن أدخل في حوار حول الموضوع لأني لست متخصصاً في اللغة العربية..” (ثقافة التنمية أحمد الطلحي 29).

ولسنا بصدد نقد استعمال الباحثيْن المشار إليهما لهذا المصطلح قصداً، وإنما أوردناهما مثالا لهذا الاستعمال الذي نرى أنه في حاجة إلى المزيد من المناقشة قبل التسليم بسلامته، وإلا فالاستعمال شائع على ألسنة المثقفين حديثا. لكن الغريب هو أن يحتار الإنسان بين أمرين أيهما أصلح، ثم يتبنى أحدهما دون حجة ترجح أنه الأصوب. وهذا ما وقع لباحثنا المحترم وهو محتار بين الصيغتين أيهما أصلح (المستديمة أم المستدامة) وهذه الحيرة لا تتعلق بهذا الباحث المحترم وحده وإنما هي  عامة بين عدد من المثقفين. فقد سمعنا بعض منابر  إعلامنا يقول (التنمية المستديمة) لمدة من الزمن ثم تخلت عن هذا الاستعمال لتقول : (التنمية المستدامة) كما لا يزال العمل ساريا به حتى الآن. لكن الذي ينبغي الوقوف عنده قليلا هو أن الباحث المحترم استعرض مادة لغوية في الموضوع منسوبة إلى مرجعين معينين لعلها الأساس المعتمد في هذه التسمية (المستدامة) نوردها بأمانة حتى نبني عليها نقاشنا معتمدين على ما يمكن استخراجه من معاني المادة كما هي معروضة في بعض معاجم اللغة العربية، وتسمح به قواعد علم التصريف. يقول -بعد العبارات التي استفدنا منها حيرته- وأكتفي بعرض هذين التعريفين :

 

– “اسْتَدام يسْتَدِيم اسْتَدِمْ اسْتِدامَة (د و م) : دام، أي ثبت وأقام؛ استدام الله النعمةَ : سأل الله أن يديمها، أي يثبتها عليه. استدام الشيءَ : طلب دوامَه واستمراره” (المحيط : أديب اللجمي وآخرون).

 

– “استَدَام، يستدِيمُ، مصدر : استدامةٌ. استدامَ الرّاحَةَ : طلب استمرارَها ودَوَامَها. استدامَ الخيرُ : دَامَ.  استَدَام الطائِرُ : حلق في الهواء. استدامةُ العيشِ الرّغيدِ : دَوَامُه، استمراره” الغنى : عبد الغني أبو العزم (ثقافة التنمية أحمد الطلحي 29).

وإذا صح النقل عن المرجعين المذكورين وسلم، فإن الأمر يحتاج إلى شيء من التأمل، والتأكد من صحة نسبة المادة المنقولة إلى المرجعين المذكورين أمر مطلوب، وإلى أن يتم ذلك نستعرض الخطوات التي نرى أنها ضرورية لاختبار صحة التعبير عن حالة التنمية كما عرفت باحدى الصيغتين (مستديمة، أم مستدامة) أم غيرهما في حالة إثبات عدم صلاحيتهما معا للتعبير عن هذه الحالة كما تسمح بذلك المادة المعجمية وقواعد التصريف، وهذه الخطوات كما يلي:

1- عرض  المادة المعجمية بأصلها وفروعها ما أمكن مع حصر دلالات كل نوع.

2- عرض الوظائف الدلالية لصيغة استفعل مجردة عن أية صيغة، ثم عرض دلالات الصيغة المستعملة عليها (المستدامة) لمعرفة مدى وجود  علاقة بينها وبين احدى وظائف استفعل مطابقة للمعنى الذي نعبر به عن هذه الحالة (التنمية المستدامة) أو عدم وجودها.

3- انتقاء أنسب بنية مما عرض للتعبير عن هذا المفهوم (التنمية +…).

لهذه المادة أصل ثلاثي مجرد، هو (د و م) وفروع مزيدة هي (د وَّ م) على وزن (فعََّّـل) و(أدام) على وزن (أفعل) (…) و(استدام) على وزن (استفعل) ولكل نوع وظائفه الدلالية : نعرض ما تيسر منها كما يلي :

أولا : (د و م) يقول ابن منظور :

“دام ا لشيء يدوم، ويدام. وفيها أوجه نقتصر على ما أجمع الرأي على صحته، وينسجم مع ما نحن بصدده، وفي هذا يقول : -بعد استعراض الآراء الخلافية المشار إليها-… والوجه ما تقدم من أن تَدَام على دِِمْت، وتدوم على دُمت” (ل ع 212/12 ع 1- 2) وعليه يكون لأصل هذه الكلمة وزنان (دِمْت تَدَام) على وزن فَعِل يفْعَلُ، و(دُمْت تَدُوم) على وزن فَعَل يفْعُل. ويبدو أن كل المعاني السياقية المذكورة لهذه المادة من دام يدوم ومنها.

1-  وكل شيء سكن فقد دام، ونهى النبي  أن يُبال في الماء الدائم ثم يتوضأ به وهو الماء الراكد الساكن من دام يدوم إذا طال زمانه.

2- ودام الشيء سكن، وكل شيء سكّنته فقد أدَمْتَهُ.

3- وظِلٌّ دَوْمٌ، وماءَ دَوْم : دائم، وصَفُوهُمَا بالمصدر (ل ع 214/12).

4- ابن الأعرابي : دام الشيء إذا دار، ودام إذا وقـــــف، ودام إذا تعــب (ل ع 216/12 ع2).

وعليه ففعل دام ذو دلالات سياقية تحددها الفواعل التي يسند إليها هي : سكن، وثبت، وأقدم، ودار، ووقف، وتعب، وتتابع، واستمر (ل ع /12 والمعجم الوسيط 1، والملاحظ أن معنيين من بين هذه المعاني هما اللذان ينسجمان مع المفهوم الذي نحن بصدده : التتابع والاستمرار . فماذا عن معاني بقية البنيات؟

-يتبع-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *