من وحي الهجرة المحمدية


لقد عرف تاريخ البشرية هجرات عدة مختلفة الأسباب متنوعة الأهداف، لم يتوقف الدارسون عندها طويلا لأنها كانت محدودة الأثر والنتائج، بالإضافة إلى أنها تتكرر بين فترة وأخرى، وهجرة الرسول  من مكة إلى المدينة لم يكن لها مثيل من قبل أو من بعد، لأنها هجرة غيرت مجرى التاريخ فهي حاضرة فيه دوما والتاريخ بعدها كان مرهونا بها وثيق الصلة بأسبابها، وإن أي واحد من أحداث الخير ومحاسن العمل وفضائل الحياة ووجوه النعمة لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا الهجرة النبوية، فذلك أثر حاضر من آثارها، فإغفال الحديث عن الهجرة وأبعادها الحضارية هو إغفال للذات، وتجاوزها، طمس لهوية الذات فلا عجب إذا تكرر الكلام عنها في مطلع كل محرم من كل سنة هجرية في احتفالات وتجمعات مَهيبة.

لقد كانت هجرة فريدة في التاريخ هدفت أصلا إلى أمور منها :

– تطهير القلوب من  وثنية الأشياء وربطها برب العزة

– تحكيم العقل بدل الخرافات والأساطير

– التمسك بالقيم الدينية بدل العكوف على الحمأ المسنون

وإذا جاز للمسلمين في شرق الأرض وغربها أن يحتفلوا بهذه الذكرى العطرة، وأن يستعيدوا أحداثها، اعتزازا بالماضي المشرق والبطولة النادرة، فما ينبغي أن يقتصر المتحدثون على عرض جوانب من السيرة بكلمات ينتهي الانفعال بها بانتهاء المناسبة دون أن يكون لها تأثير إيجابي في حياة المسلمين يحفزهم لمواجهة قضاياهم ومشاكلهم بروح إسلامية.

ينبغي أن ينظر إلى الهجرة على أنها هجرة عقيدة  هجرة قضية ووعي، وليست مجرد أحداث حتى نستطيع أن نعطيها حجمها الحقيقي الذي يبدأ من حتمية المبارحة للأرض والمال والأهل والولد، وينتهي بفرضية الشهادة في كل خطوة، وما أفسح المدى الذي تختصره هذه اللحظة بكل هذا الشمول بين حتمية المبارحة وفرضية الشهادة وإذا كان كلامنا عن الهجرة يتجه إلى ذكر الأشياء البارزة فيها فإننا نهمل في الواقع بعض الوقفات الصغيرة والإشارات الذكية التي تحمل في طياتها بطولة المواقف وطموح التطلع وفدائية الإيمان.

إن الهجرة بما هي عليه كانت ولا تزال منهج حياة ودين، تنبض بكل المعاني الثرة التي يمكن الاحتكام إليها في المواقف والشدائد والخصومات.

إن الهجرة ترجمة صادقة للتضحية والفداء في سبيل نشر العقيدة وتبليغ الدعوة بما لم يعرف عن رسالة سماوية سابقة، لأنها لم تكن كما يزعم الزاعمون فراراً وهروبا ولكنها امتثال لأمر الله فهي شهادة إيمان وصدق للمهاجرين وهي معجزة من الله أيد بها دينه ورسوله.

حقا إن الهجرة غيرت مجرى التاريخ لأن الهجرة بحد ذاتها حضارة بدأت مسيرتها في ظلال الرسول منطلقة من مبدأين أساسيين : الإسلام والإنسان.

إن شعار “لا إله إلا الله محمد رسول الله” مبدأ حضارة رفعه الرسول  في وجه الجاهلية وأعلامها فجاء انقلابا شاملا على كل المستويات : الاجتماعية والاقتصادية، والشعار يقضي برد الأمر كله إلى الله وتخليص الإنسان من الخضوع لغير الله وخدمة الأهداف القاصرة والاحتكام إلى الظن وعبادة الهوى.

والإنسان الذي استخلصه الإسلام من الجاهلية وأنقذه منها هو الوعاء النظيف الذي جسد أفكار هذه الحضارة التي مكنته بآلياتها الخاصة من تفعيل تصوراتها وأبعادها.

كان ضروريا أن تكون هناك هجرة لأن الأرض الجدباء لا تنبت، والحضارة بذرة خصبة فرعها ثابت وأصلها في السماء فهي بحاجة إلى أرض تتعانق فيها الأرواح والقلوب وتمتزج فيها المبادئ بالدماء فتهون التضحية ويحلو الفداء.

إن الهجرة بما هي عليه : هجرة وعي وروح.

ولاشك أن الروح في حد ذاتها طاقة من الطاقات التي وهبها الله للإنسان، بل هي أكبر طاقاته، فهي المطية التي تنقل من الواقع المحسوس إلى الغيب المحجوب فكأن الروح بهذا المفهوم مطية الهجرة لمن يريد أن يهاجر هجرة من نوع آخر ومن طرازفريد فهي :

– هجرة من الخلق إلى الخالق.

– هجرة من الكون إلى خالق الكون.

– هجرة من ترابية الأرض إلى شفافية السماء

من خلال هذه المعاني السامية للهجرة ندرك أن هجرة الرسول  من مكة إلى المدينة لم تكن هجرة مكانية لتحصيل أغراض دنيوية ولكنها هجرة إلى الله، ارتبطت بقدر الله ورقابة الله ورعاية الله وحماية الله لهذا الدين ومبلغه، إن الهجرة في عمقها مستوى آخر من التربية الروحية لا يأخذ بها نفسه إلا من حبب الله إليه ذلك، وهي في ذاتها بعث وتجديد للإيمان في نفس كل مسلم ودعوة صادقة إلى العزة والكرامة وعدم الرضا بالإستسلام لسلطان القهر والطغيان، وإن أي عقيدة تهون في سبيلها كل التضحيات فما بالك بعقيدة الإسلام.

إن الهجرة تستمد قوتها من أمرين :

– معرفة دقيقة وتامة بما هاجر من أجله النبي .

– ومعرفة المنهج الذي تم به تفعيل ما هاجر من أجله في نفس الإنسان المسلم.

ولا أحد ينكر أن الإسلام دعوة الحق التي ظلت حبيسة في مكة نحوا من 12 سنة وعندما أراد الله لها الذيوع والانتشار أمر رسوله بالهجرة لتعم الدعوة كل الخلق، وتنطلق إلى آفاق الدنيا فتفتح أمام العقل كتاب الكون، وأمام القلب منهج الحياة، وتحررهما معا من الجهل والضلال، وتصون الإنسان من التوجه لغير الله ومن أن تكون حياته لغير الله وتضع أمام الناس موازين الخير والجمال والعدل والإحسان، وجعل الإسلام من التعاطف والإخاء والتراحم والتوادد والإيثار والتسامح والعفو دستوره في الحياة العامة. وقبل أن يصل الرسول  إلى المدينة بنى مسجد قباء فكان ذلك منه  إشعارا إلى أن المسجد قطب الرحي في حياة المسلم، وإن الخير كل الخير يأتي منه وان عمارته مثل : طلب العلم فرض على كل مسلم، وعندما استقر الرسول بالمدينة آخى بين الأنصار والمهاجرين وهي وقفة مترتبة على الهجرة بل هي ثمرة يانعة من ثمارها ربط بين الناس برباط من الحب والتوادد والتضامن وقد زكى القرآن هذا الصنيع  وأثنى عليه بما هو جدير به في قرآن ما يزال يتلى، فالأخوة هي القوة وهي العزة وهي الحرية وهي أيضا سبيل كل خير ولهذا ابتدأ بها الرسول قبل بعث البعثات وعقد التحالفات وتجييش الجيوش لقد كانت الهجرة هي السبيل الوحيد لتأسيس الدولة الاسالمية.

لماذا كانت قريش تعارض هجرة المسملين؟

لقد حاربت قريش هجرة المسلمين إلى الحبشة أولا وإلى المدينة ثانيا وحالت بينهم وبين ما يشتهون ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، لأنها لم تر في الهجرة تخلصا من أنصار دعوة سفهت عبادتهم وعابت آلهتهم، إن قريشا تعلم أن تجميع أصحاب الدعوة في مكان واحد مهيأ لتلاقيهم واجتماعهم وإقامتهم يعد خطرا قائما على أنصار الوثنية والعقائد المنحرفة والتوجهات الضالة وإن ما اسفرت عنه الهجرة من نتائج أيد ادعاءهم هذا، ولكنهم اغفلوا أن الإسلام نور الله وأن الله متم نوره ولو كرهالمشركون، لقد تم لقاء القوة المؤمنة والزمرة الصالحة على أرض يثرب تحت قيادة الرسول  التي أضحت بذلك اللقاء والتجمع تحمل معنى جديدا إنها عاصمة الإسلام الأولى، لقد تحول اللقاء إلى كيان عظيم له تطلعاته وتوجهاته وتوالت الأحداث التي تدعمه وتزيد من شموخه وصلابته، إن هؤلاء المهاجرين ومعهم الأنصار أضحوا ركيزة للدعوة والدعوة في حركتها الواعية وتطلعاتها الإصلاحية لابد أن تكون لها صولة ودولة وكذلك كان، وهذا ما كانت تخشاه قريش لأن قيام دولة للإسلام يعني نهاية الشرك وكل أشكال الوثنية والانحراف في كل زمان ومكان، وبمختلف الأشكال وعليه ألا يستحق هذا الحدث -الهجرة- أن يكون بداية لتاريخ غيرت أحداثه وجه العالم.

إن الرجل الذي اختار يوم الهجرة، وهو عمر بن الخطاب ] بداية لتاريخ دولة الإسلام قد كان أحكم وأعلم بالعقيدة والإيمان، ومواقف الخلود من كل مؤرخ وكل مفكر يرى غير ما رآه، حقاإنه ليس يوم أحق بالتاريخ من اليوم الذي هاجر فيه محمد  ويكفي هذا الاختيار شرفا أن الله ذكره في محكم كتابه {إذ أخْرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله العليا، والله عزيز حكيم}(التوبة : 40).

هذه المعاني النورانية كانت مرافقة للهجرة فهي التي أذهبت الحزن وأنزلت السكينة في قلب الرسول  وصاحبه وفي قلوب المهاجرين أيضا فصمدوا لما عرض لهم من مشاق وبلاء واستعذبوا ذلك وهم يسمعون آذان بلال ] يدوي في فضاء يثرب..

إن يوم الغار ليوم له عبرته وعزاؤه في كل يوم، ولا سيما أيام القلق والحيرة والانتظار وما أكثرها في زماننا هذا زمن العبث والباطل والضيق والإكراهات المتعددة، إنه يوم عقيدة، فهو يوم رجاء وإشراق، يوم نظر إلى المستقبل الذي ينظر إليه من ليس له رضى في حاضر عهده، وحاضر عهدنا قل عنه الراضون فما قامت الهجرة من أجله ودعت إلى اجتثاثه عاد إلى الظهور بأقبح مما كان عليه، والسؤال الذي يجب أن تختم به هذه الكلمة : أين نحن من الهجرة التي نحتفل بذكراها كل سنة؟ وأين نحن من شريعة صاحب الهجرة؟ وأين نحن مما دعا إليه من قيم سامية وأخلاق عالية؟ ماذا بقي في أنفسنا ومجتمعاتنا من آثار الهجرة التي ننعم ببركاتها ونتائجها في كل مجالات الحياة؟ ألسنا بحاجة إلى هجرة جديدة بمبادئها ورجالاتها…؟

د. محمد علوي بنصر

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *