دلالة المكان في الهجرة النبوية


مقدمة

أحمدك ربي على ما أكملت لنا من دين، وأتممت علينا من نعمة، ورضيت لنا من إسلام، واصلي واسلم على خير خلقك محمد رحمتك للعالمين وعلى اله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فقد قال رسول الله  : >رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى ارض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أَوْ هَجَرُ، فإذا هي المدينة يثرب<(أخرجه البخاري).

إن الحديث عن الهجرة بصفتها حدثا عظيما في تاريخ  الإسلام، لم يكن وليد اللحظة التاريخية التي انطلقت فيه، وإنما جرى الحديث عنها مع البعثة النبوية نفسها، لان الرسول  حينما انطلقت به خديجة رضي الله تعالى عنها إلى ورقة بن نوفل، فقص  ما يراه من خبر الوحي قال له ورقة : >هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله  : أومخرجيَّ هم؟  قال : نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي<(أخرجه البخاري).

ولا غرابة في أن يستنتج ورقة بن نوفل هذا الاستنتاج لان اغلب الأنبياء قد هاجروا في حياتهم، وخاصة سيدنا نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام، وكأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام على علم بخبر الهجرة منذ اللحظة الأولى، وهويبعث إلى هذه الأمة، وهي إشارة مهمة من ورقة إلى وجوب الاستعداد النفسي لهذا الحدث الصعب على النفس البشرية؛ إذ أن ترك الوطن، مسقط الرأس ألَمٌ ما بعده ألمٌ.

البعد الرمزي للجبل في الهجرة

توجه النبي  مع صحبه أبي بكر رضي الله عنه نحوجبل ثور باعتباره المكان المناسب للاختباء فيه من مطاردة قريش التي رصدت مائة ناقة لمن يأتيها بمحمد  حيا أو ميتا، والجبل، كما نعرف، يقع في جنوب مكة، وهوموقع استراتيجي يصلح للتمويه على أعدائه الذين يتربصون به، إذ فكر الرسول  في أن قريشا ستتجه نحوالشمال، حيث الطريق إلى يثرب، لمطاردته والقبض عليه، خاصة بعد معرفتها أنه يقصد الهجرة إلى يثرب للالتحاق بأصحابه وأتباعه.

ونستخلص من كل هذا، أن الإسلام دين تفكير وتخطيط وحسن تدبير، إذ كان بإمكان الله عز وجل أن يرسل لنبيه  سيدنا جبريل عليه السلام ليطير به إلى المدينة،كما وقع له في الإسراء والمعراج، دون تعب أومعاناة، لكن شاءت حكمة الله عز وجل أن يقدم لنا الصورة البشرية لنبيه  حتى  نستطيع الاقتداء به، والتضحية من أجل الدعوة إلى هذا الدين الرباني، دون أن ننتظر معجزة للتحرك والعمل.

بيد أن قريشا أخذت بجميع الاحتمالات بعد أن أعياها البحث، فتوجهت نحو الجبل عسى أن تعثر عليه، وبعد وصول الكفار إلى غار ثور،  استبعدوا، في اللحظة الأخيرة، فكرة لجوء الرسول  وصحبه إليه، مما جعلهم  يغادرونه دون أن يكلفوا أنفسهم مجرد الإطلالة عليه؛ لقد كلفوا أنفسهم معاناة التسلق إلى أعلى الجبل، لاهثين وراء الحصول على مائة ناقة، والتخلص من العدواللدود، قاموا بإنجاز أصعب شيء، وتهاونوا في أسهل شيء، النظر تحت أقدامهم، حتى قال أبوبكر ]، في روع مشفقا على رسول الله  وعلى دعوته : >يا نبي الله لوأن بعضهم طأطأ بصره لرآنا. قال : اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما، وفي لفظ : ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما<(أخرجه البخاري) وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى {إلَّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى، وكَلمةُ الله هي العليا، والله عزيز حكيم}(التوبة : 401).

وهنا يبدومدى توكل الرسول  على ربه،  إذ بعد أن أخذ بجميع الأسباب التي يستطيع بقدرته البشرية أن يأخذ بها، توكل على الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

ومن هنا نعرف قيمة الجبال في الإسلام والبعد الرمزي الذي يوحي به الجبل، اذ يدل على الثبات، باعتباره وتدا يمتد ثلثاه في أعماق الأرض ليثبت قشرتها من الاهتزاز، ويرتفع شامخا نحوالسماء، وهويدل من جهة أخرى على الإباء والشموخ والعزة والسمو، نجد هذه المعاني التي يحملها من خلال قصة  الهجرة ومن خلال تذكرنا  لغار حراء بجبل النور، والذي كان الرسول  يتحنث فيه قبل البعثة، حيث نزل أول الوحي فيه {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}(العلق : 1 – 5).

إن الله اختار أن ينزل أول الوحي على نبيه وهوفي الجبل، وكأنه يشعرنا بذلك إلى أن هذا الوحي يسموبالإنسان نحودرجات الصفاء والكمال، بعيدا عن شهوات الإنسان وملذاته ا لترابية التي تحط من قدره وتجذبه نحوالأرض التي خلق من طينها، وهذه الآيات تذكر الإنسان بأنه مميز بالعلم والعقل رغم أنه خلق من علق، فلكي يسموالإنسان لا بد أن يتطلع نحوالعلم متخلصا قدر الإمكان من طينته اوتنظيم غرائزه الجسدية وفق منهج رباني.

ونزول الوحي في الجبل لم يكن خاصا بالنبي محمد ؛ إذ سبق أن كََلم الله عز وجل سيدنا موسى في جبل آخر {فلما أتاها نُودي يا موسى إنّيَ أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طُوى}(طه : 12)  انه جبل الطور في سيناء الذي نزل الوحي فيه على موسى عليه السلام ليذكر بالتوحيد {إنني أنا الله لا إله إلا أنا}(طه : 14).

وينتقل بنا الحديث عن الجبال إلى جبل كان له في القرآن قصة عجيبة {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه  للجبل جعله دكا وخر موسى صَعقَا}(الأعراف : 143)، فالجبل رغم ثباته ورسوخه في الأرض لم يقوعلى أن يستقبل شيئا من تجليات رافع السماء بلا عمد، فكيف يقوى البشر  مهما كانت منزلتهم وفضلهم عند الله على رؤية ذات الله.

نخلص من هذا كله إلى أن الجبل رمز للثبات والسمو،فقد تحدث القرآن الكريم عن السمومن خلال نزول أول الوحي فيه على رسوليه محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، وتحدث عن الثبات بعد التجاء محمد  وصحبه إلى غار ثور مهاجرا إلى يثرب،  إنهما محطتان رئيسيتان في تاريخ مرحلة الدعوة النبوية، مرحلة البعثة ومرحلة الهجرة، والجبل حاضر بقوة في كلتا المرحلتين، وكأن الله عز وجل يبشرنا بأن هذا الدين سيثبت ويبقى إلى أن تقوم الساعة إلى أن يخر الجبل ولوكره الكافرون.

الوطن في الهجرة

إن ألم فراق الوطن كان شديدا على رسول الله  وعلى أصحابه،لأن فراقهم للوطن كان فراق من لا يأمل في العودة إليه، فإذا كان أحدنا يقسو عليه فراق الوطن للسفر إلى بلد آخر، وهويعلم انه سيعود إليه مرة أخرى بعد أن غاب عنه شهرا أوعاما، فما بالنا بمن يتركه بنية الدوام.

ولا شك في أن الهجرة  أخت القتل، قال تعالى {ولوأنا كتبنا عليهم ان اقتلوا أنفسكم أواخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم}(النساء : 44).

إن مكة ما كانت بالمكان البغيض إلى قلبه ، بل هي أعز الأمكنة إليه، ففيها البيت العتيق وفيها مقام سيدنا إبراهيم وماء زمزم وعرفات الأماكن المقدسة، فها هويخاطبها ويقول : >والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت<(أخرجه الدارمي في سننه).

ذلك كان مبلغ حبه  وأصحابه لمكة، ولكن الله كان أحب إليه من كل شيء وقد كانت فتنة الصحابة رضوان الله عليهم في مكة، فتنة ما يلاقونه من كفار قريش من الاستهزاء والسخرية والتعذيب والتنكيل، ثم أصبحت فتنتهم بعد إذن رسول الله  لهم بالهجرة إلى يثرب فتنة ترك الأموال والأولاد والدور والأمتعة، بيد أن حبهم لله ورسوله أذاب جليد هذه المحن، وأشعل دفء السكينة والطمأنينة في القلوب {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم  وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم  الفاسقين}(التوبة : 24).

ما أكثر الهجرات الفردية والجماعية في حياة الإنسان، لكن شتان بين هجرة وأخرى، فهجرة من أجل لقمة العيش وتحسين الوضعية الاجتماعية، سواء أكانت داخلية أم خارجية قد تكون في جوانب كثيرة لها ما يسوغها، لكن في أحيان كثيرة وخاصة حينما تكون عبارة عن مغامرة لا تحمد عقباها، وقد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك والغرق في البحر، ففي هذه الحالة لا يجد من يسوغه بتاتا من الناحية الشرعية، بل يعد نوعا من أنواع الانتحار.

إن هناك ملاحظة مهمة، ونحن نتحدث عن الهجرة، يجب تنبيه المسلم المهاجر  في ديار الغربة إليها، وهي ألا ينسى رسالة الإسلام التي هي حمل على عاتقه، وهي الثبات على الدين، والدعوة إلى الإسلام، ولا يكتفيبالبحث عن قوته وقوت عياله فقط {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا؟ وقال إنني من المسلمين}(فصلت : 32).

قد يقول القائل، من خلال ما وقع للهجرة من مغادرة للوطن، إن الإسلام لا يولي للوطن أهمية، إذ كيف يأمر أتباعه بالهجرة من أرضهم إلى أرض غربية عن أرض نشؤوا وتربوا فيها ولهم ذكريات ومصالح ومنافع، إلى أرض لا يملكون فيها نخيلا ولا بعيرا.

والجواب أن الإسلام لم يدع إلى التفريط في الوطن ونكرانه أبدا، وإنما يدعو المسلم إلى النظر في الأولويات، ومن أول أولياته في نظر الإسلام، الحفاظ على الدين فإذا لم يتسن للمسلم إقامة الشعائر الإسلامية الظاهرة من صلاة وصوم وجماعة وآذان في ذلك البلد، فلا بد أن يقدم الدين على الوطن، يقول الله تعالى : {إن الذين توفاهم الملائكة  ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم،  قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئكمأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولْدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أَن يعفوَ عنهم وكان الله عفوا غفورا}(النساء : 97 – 99).

نستنبط من هذه الآيات أن الهجرة واجبة من دار الحرب إلى دار الإسلام، في حالة عدم إتاحة الفرصة للمسلم لإقامة شعائره الدينية.

أما إذا أعطيت للمسلم الحرية في ممارسة شعائره الدينية، فإن الهجرة غير واجبة ولوكانت دار حرب.

ان المسلمين الأوائل هاجروا وطنهم من اجل تأسيس وطن للإسلام، ومن اجل تأسيس مدينة فاضلة تنشر النور في العالم بأسره وتدافع عن الأوطان المسلوبة وعن حرية البشر المغتصبة.

وما هاجر الصحابة رضوان الله عليهم من وطنهم إلا ليعودوا إليه مرة أخرى فاتحين وليحققوا المجد والشرف لهم في ظل عقيدة سماوية طاهرة مطهرة للإنسان من الرجز والأوثان داعية بعبارة الواحد الديان، وحتى يحققوا الاستخلاف في الأرض بمنهج علوي رباني  سماوي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، لا بمنهج عقلاني وثني وضعي يخبط خبط عشواء ويجعل من الإنسان حقلا للتجارب يصيب حينا ويخطئ أحيانا كثيرة. إن الهجرة وضعت  حدا للعصبية للوطن والجنس والقوم،ورسخت مكانها الحمية للدين والحق، إذ بمجرد وصول المهاجرين  إلى المدينة تآلفت القلوب بين الأنصار،وذابت الفوارق القبلية وانصهرت ضمن نطاق وحدة الأمة الإسلامية التي لا فرق فيها بين عربي وعجمي ولا بين أسود وأبيض إلا بالتقوى قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير}(الحجرات : 13).

ومن هناك نستغرب هذا التلاحم والتكافل والتضامن العجيب بين المهاجرين والأنصار، إذ ضرب الأنصار أروع مثل في التاريخ في الكرم والجود والإيثار والحب والوفاء وسجل القرءان الكريم هذه التضحيات للأنصار{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}(الحشر : 9) بل تعدى الأمر إلى أكثر من هذا. إذ تقاسم الأنصار مع المهاجرين الأرض والمال وحتى الزوجات.

وان نستفيد من هذا الدرس الذي قدمه السلف في ترتيب الأولويات، نقول : لوتشبث المسلمون بهذا المبدأ، لما وقعوا اليوم في التناحر والتباغض والحقد والغل، نتيجة صراعات وهمية اصطنعها الاستعمار الغربي للتفرقة بين المسلمين وتشتيت شملهم، وبث العداوة في النفوس حتى يتمكن منهم جميعا وحتى لا تقوم للإسلام قومة مرة أخرى، ولم يستفد المسلمون مما جرى لهم في الأندلس بعد ان تفرقوا إلى دول ومماليك تتحالف الواحدة مع العدولسحق أختها في الدين، مما أدى إلى انطفاء نورهم في النهاية وطردهم من الأندلس فلم تبق لهم باقية.

إن الوحدة التي تمت بين  الأنصار والمهاجرين كانت سببا في تأسيس دولة إسلامية قوية مرهوبة الجانب يعتز بها كل من ينتمي إليها إلى أن استطاعت في يوم من الأيام أن تنتصر على اكبر إمبراطوريات الظلم في العالم آنذاك، وأصبحت رائدة التحضر والقمة في التمدن في العالم بأسره.

ولن يستطيع المسلمون أن يعودوا إلى هذه العزة إلا إذا اختفت هذه النزاعات بين الطوائف الإسلامية فهذا سني وهذا شيعي وهذا ينتمي إلى جماعة تدعي أنها هي الوحيدة التي على الحق وباقي الجماعات تتيه في صحراء الضلال، بل الأدهى والأمر هوحينما يصبح المسلم يكفر أخاه المسلم ويقتله لمجرد اختلاف بينهما في التفكير والنظر إلى الأمور.

د. حجي البخاري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *