دخول الدعوة مرحلة التحدي – جملة من التعديات (1)


تحدي الرسول  لأبي جهل

قال ابن إسحاق : وقد كان عدوُّ الله أبو جهل بن هشام، لعنه الله، مع عداوته لرسول الله  وبُغْضه إياه وشدته عليه، يُذِلّه الله له إذا رآه، ومن ذلك قصة أبي جهل والإراشي.

 أبو جهل والإراشي

قال ابن إسحاق : قدم رجل من إراش بإبل له بمكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشي حتى وقف على نادِ من قريش ورسول الله  في ناحية المسجد جالس، فقال : يا معشر قريش، مَن رجلٌ يُؤديني(1) على أبي الحكم بن هشام فإني رجل غريبٌ ابنُ سبيل، وقد غلبني على حقي، فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس، لرسول الله  ، وهم يَهْزؤون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة، اذْهَب إليه فإنه يُؤْدِيكَ عليه.

قال : فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله ، فقال : يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قِبَله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألتُ هؤلاء القوم عن رجل يُؤدِيني عليه يأخذُ لي حَقي منه، فأشاروا لي إليك، فخُذْ لي حقي منه يرحمك الله، قال : >انطلق إليه<، فقام معه رسول الله ، فلما رَأوْهُ قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتْبعه، انظر ماذا يصنع، قال: وخرج رسول الله  حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ فقال: >محمد فاخْرُجْ إليّ< فخرج إليه وما في وجهه من رائحة(2)، قد انْتُقِعَ لَوْنه(3) فقال: >أعْطِ هذا الرجل حقه<، فقال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال: فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه ، ثم انصرف رسول الله  ، وقال للأراشي: >الحق بشأنك< فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جَزاهُ الله خيراً فقد والله أخذ لي حقي، قال: وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك!! ماذا رأيت؟ قال: عَجَباً من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه رُوحُه(4)، فقال له: أعط هذا حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه، قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك! ما لك! والله ما رأينا مثل ما صنعت قَطّ، قال: ويحكم!! والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي وسمعت صوته فَمُلئْتُ منه رُعْباً، ثم خرجت إليه وإنّ فوق رأسه لفَحْلاً من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قَصَرَته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبَيْتُ لأكلني.

تحدي الرسول  لرُكانة :

قال ابن إسحاق بسنده : كان رُكَانة أشَدَّ قُرَيش، فخلا يوماً برسول الله  في بعض شِعاب مكة، فقال له رسول الله  : >ياركانة، ألا تَتَّقي الله وتَقْبَلُ ما أدعوك إليه<، قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حَقّ لاتبعتك، قال: فقال رسول الله  : >أَفَرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتَعْلَمُ أنَّ مَا أقُولُ حَقَّ<؟ قال: نعم، قال: >فَقُمْ حَتَّى أُصَارِعَكَ< قال: فقام ركانة إليه فصارعه، فلما بطش به رسول الله  أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئاً، ثم قال: عُدْ يامحمد، فعاد، فصرعه، ثم قال: يامحمد، والله إن هذا لَلْعَجَبُ، أتصرعني؟ قال رسول الله  : >فَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أنْ أُرِيكَهُ إنِ اتَّقَيْتَ اللهَ واتَّبَعْتَ أمْري< قال: ماهو؟ قال: >أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني<، قال: ادْعُها، فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله  ، قال: فقال لها: >ارْجِعي إلى مَكانِكِ< قال: فرجعت إلى مكانها، قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال: يابني عبد مناف، ساحِرُوا بصاحبكم أهلَ الأرض(5)، فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.

وهذه جملة من ا لتحديات لعتاة الكفر

1) عثمان بـن مظعون يَرُدُّ جوار الوليد :

قال ابن إسحاق بسنده : لما رأى عثمان بن مَظْعون ما فيه أصحاب رسول الله عليه وسلم من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المُغيرة، قال : والله إن غُدوّي ورواحي آمنا بجوار رجلٍ من أهل الشرك، وأصحابي وأهْلُ ديني يلْقَون من البلاء والأذى في الله ما لا يُصيبني، لنقصٌ كبيرٌ في نفسي. فمشي إلى الوليد بن المُغيرة، فقال له : أبا عبد شَمْس، وفتْ ذمَّتك، قد رددتُ إليك جوارك؛ فقال له : لم يا بن أخي؟ لعله آذاك أحدٌ من قومي؛ قال : لا، ولكني أرْضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره؟ قال : فانطلق إلى المسجد، فارددْ علي جواري علانيةً كما أجرتُك علانيةً. قال فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجدَ، فقال الوليد : هذا عثمان قد جاء يردَّ عليَّ جواري، قال : صَدَق، قد وجدتُه وفِيّاً كريم الجوار، ولكني قد أحببتُ أن لا أستجير بغير الله، فقد رددتُ عليه جوارَه؛ ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد :  ألا كلَّ شيء ما خلا الله باطل.

قال عثمان : صدقتَ.

قال لبيد : وكلَّ نعيم لا محالة زائل

قال عثمان : كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة : يا معشر قريش، والله ما كان يُؤْذَى جليسكم، فمتى حدَث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم : هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا دينَنا، فلا تجدنَّ في نفسك من قوله؛ فردَّ عليه عثمان حتى شَرِي أمرُهما، فقام إليه ذلك الرجل فلَطم عينَه فخضَّرها والوليد بن المُغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال : أما والله يا بن أخي إن كانت عينُك عمَّا أصابها لغنيَّة، لقد كنتَ في ذمة مَنيعة. قال عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى مثل ما أصاب أختَها في الله، وإني لفي جوار مَنْ هو أعزُّ منك وأقدر يا أبا عبد شَمْس؛ فقال له الوليد : هلمَّ يا ابن أخي، إن شئت فعُدْ إلى جوارك؛ فقال : لا.

2) ضجر المشركين بأبي طالب لإجارته لأبي سلمة، ودفاع أبي لهب :

قال ابن اسحاق بسنده : إن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب، مشى إليه رجالٌ من بني مَخْزوم، فقالوا له : يا أبا طالب، لقد منعت منَّا ابنَ أخيك محمداً، فمالك ولصاحبنا تمنعُه منَّا؟ قال : إنه استجار بي، وهو ابن أختي، وإنْ أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي؛ فقام أبو لهب فقال : يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون توَثَّبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهنَّ عنه أو لنقومنَّ معه في كلَّ ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. فقالوا : بل ننصرف عما تكره يا أبا عُتْبة، وكان لهم وليّاً وناصراً على رسول الله ، فأبْقَوا على ذلك. فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله .

3) أبو بكر يرد جوار ابن الدغنة

قال ابن إسحاق بسنده : استأذن أبو بكر رسول الله  في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجراً، حتي إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدُّغُنَّة،  وهو يومئذ سيد الأحابيش. فقال له أينَ يا أبا بكر؟ قال : أخْرجني قومي وآذَوْني وضيَّقوا عليّ؛ قال : وَلِمَ؟ فوالله إنك لتَزِين العشيرةَ، وتُعين على النوائب، وتفعل المعروفَ، وتكْسب المعروم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة، قام ابن الدُّغنة فقال يا معشر قُريش، إني قد أجرتُ ابن أبي قحافة، فلا يعرضنَّ له أحدٌ إلا بخير. فكفُّوا عنه.

وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن استبكى. قال : فيقف عليه الصبيان والعَبيد والنِّساء، يعْجبون لما يرونَ من هيْئته. قال : فمشى رجالٌ من قُريش إلى ابن الدُّغنة، فقالوا له : يا بن الدغنَّة، إنك لم تُجِرْ هذا الرجلَ ليُؤْذينا! إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمدٌ يرق ويبكي، وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوَّف علي صبياننا ونسائنا وضعَفَتنا أن يفتنهم، فأْتِهِ فمُرْه أن يدخل بيته فلْيَصْنع فيه ما شاء. قال : فمشى ابن الدغنَة إليه، فقال له : يا أبا بكر، إني لم أجرك لتُؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذّوْا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت؛ قال : أوَ أردَّ عليك جوارك وأرْضى بجوار الله؟ قال : فاردد عليّ جواري؛ قال : قد رددتُه عليك. فقام ابن الدغنَّة، فقال : يا معشر قريش، إنَّ ابن أبي قُحافة قد ردَّ عليّ جواري فشأنكم بصاحبكم.

قال ابن إسحاق بسنده : فلقيه سَفيه من سُفهاء قريش، وهو عامدٌ إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا. قال فمرَّ بأبي بكر الوليد بن المُغيرة، أو العاص بن وائل. فقال أبو بكر : ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال : أنت فعلتَ ذلك بنفسك. قال أبو بكر : أي ربّ، ما أحلمَك! أي ربّ، ما أحلمك! أي ربّ، ما أحلمك(6)!.

أ. المفضل الفلواتي

—-

1- أي ينصرني عليه ويساعدني حتى أسترد حقي منه.

2- أي قد غار الدم من وجهه، وهذا لا يكون إلا عند شدة الخوف.

3- أي صار لونه كالنقع أصفر باهتا.

4- أي لا يتمالك نفسه من الخوف.

5- ساحروا به: أي تحدوا بسحره سحر السحرة من أهل الأرض فإنه يغلبهم.

6- أي ما أحلمك على هؤلاء السفهاء الذين لا خير فيهم لا عند الصغير ولا الكبير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *