خواطر عابرة – مَن يُصْلح الـملح إذَا الـملح فَسَد يا رجال التعليم!!


لعلّ مما يجمع عليه كلُّ العقلاء أن أي عمل يراد به الإقناع لابدّ أن يَكُون المقنع متصفاً بعددٍ من الصفات، وفي مقدمتها أن يكون قدوة فيما يريد به إقناع الآخر.

ورجل التربية كيفما كان موقعه، أحد من يُفْتَرَض أن يكون قدوة لمن يربيه؛ قدوةً في الأخلاق، قدوةً في السلوك، قدوة في المعاملات، ثم قبل هذا وبعدهُ قدوةً في الحِرْص على التعلم وفي تنشئة أجيالٍ تبني مستقبل البلد، وتُشِيدُ بنيانه بأيدٍ لا تعرف الكلَّ والغش والنفاق.

آفة الغش آفة كبرى  ومرض عُضال، مَسَّ العديد من القطاعات والشرائح الاجتماعية والاقتصادية ومن بينها قطاع التعليم، الذي كان إلى عهدٍ قريب من القطاعات القليلة البريئة والبعيدة عن هذه الآفة المهلكة.

آفة الغش سََرت في أوساط التلاميذ والطلاب سريان النّار في الهشيم، وتطورت بتطور الوسائل التقنية، حتى إنّ المرءَ يمكن أن يقول إن ما يبذله عدد من التلاميذ والطلاب من أجل الإعداد لمزاولة الغش في الامتحانات والفروض، أهم وأدق وأكثر تطلباً للوقت وإعمال الذهن، من الإعداد العادي والطبيعي الذي يتطلبه الامتحان.

ولاشك أن عموم الأساتذة والمدرسين يستنكرون هذه الظاهرة، ويعتقدون جازمين أنها مُخلة بكرامة التربية، ومنقصة من هيبة التعليم. بل إن البعض منهم من يقاومها مقاومة شديدة، حتى وإن كلفه ذلك ما كلف من تضحيات، قد تكون أحيانا كرامته أو صحته، وربما أولاده أو حياته ثمنا لهذه التضحية.

لكن ما الذي سيفعله التلميذ الذي ألف الغش وتعوَّد عليه ويراه مخلصا له من كابوس العمل الجاد والمراجعة الهادفة، ما الذي سيفعله حينما يسمع أن أحد مدرسيه هو الآخر يلجأ إلى الغش في الامتحان.

هذا ما حصل قبل أسابيع قليلة ويحصل كل عام من الأعوام الماضية وربما سيحصل أيضا في الأعوام القادمة في “امتحانات الترقية” العدد من المدرسين الذين يجرون هذه الامتحانات من أجل الانتقال إلى درجة أخرى من سلاليم توظيفهم حيث يلجأ “البعض” منهم، إلى حرفة الغش، وهذا مالا يكاد يصدق. لأن المفروض من رجل التعليم أن يكون قدوة كما قدمنا.

فإذا كان الغاش في امتحان الترقية هذه يمنع على تلاميذه الغش، فهذا تناقض في السلوك، إذ كيف يمنع عليهم شيئا يزاوله هو ويقوم به. وإن كان يسمح لهم به، فأين مقومات التربية وأين بنيان العلم والتعليم؟!

إن هذا السلوك مشين، في حق رجل التعليم والتربية ولا يليق به على الاطلاق، ولا يرى مقاومته قانونيا وإداريا وتربويا.

ومن سبل مقاومته، إعادة النظر في سبل الترقية وضبط هذه الامتحانات الخاصة بالترقية بشكل كبير حتى تكون لها مصداقيتها. ثم قبل هذا وبعده لابد من رَدّ الاعتبار لرجال التعليم ونساء التعليم، برَدِّ الاعتبار لرواتبهم التي أصبح يضرب بها المثل في الهزال والضعف، وإلا سيأتي يوم يستفحل فيه الأمر وتدخل آفة الرشوة من أكبر الأبواب، ويصبح التعليم آنذاك في خبر كان.

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *