خطبة منبرية جامعة لعيد الأضحى – طلب رضى الله مبتغى كل مؤمن


الله أكبر (3)

الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وبعد :

قال الله عز وجل : {إنّ الذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالحات أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرِيئَةِ جَزَاؤُهُمْ عِند ربِّهم جنَّاتُ عَدْنٍ تجْرِي مِن تحْتِها الأنْهَارُ خَالِدِين فِيها أبداً رضِي اللَّهُ عنْهُم ورَضُوا عَنْه ذَلِك لِمَنْ خَشِيَ ربَّهُ} آيات عظيمة تجعل نفسيّةَ المؤمن عاليةً أبداً، مطمئنةً أبَداً، واثقة أبداً، ماداَمَتْ تومِن بالله وحْده، وتخشاه وحْدَه، وتَعملُ الصالحات لنيْل رضاه وحْده، فإذا رضيَ هو وحده سبحانه وتعالى فليغضَبْ مَنْ شاءَ أن يغضَبَ، فالمومِنُ يكفيهِ أن يَرْضَى عَنْهُ ربُّه، فإذا رضي عنه ربُّه كفَاه همَّ كُلِّ شيء، بل وتكفَّل سبحانَه وتعالى بإِلقاء محَّبِة عبدِه المومن في قلوب من يشاء من عباده، قال تعالى : {إنّ الذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعلُ لَهُم الرّحمان وُدّاً}(مريم : 96) وقال  : >إذا أحَبَّ الله عبداً نادى جبريل عليه السلام فقال له : إنِّي أحبُّ فلاناً فأحِبََّه، فينادي جبريل في الملإ الأعلى : إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيوضع له القبول في الأرض<(رواه مُسلم.)

شروط المحبة عديدة، أهمُّها :

1) الإيمانُ الصادِق الذي يُترجَمُ إلي عَملٍ صالح في كل الميادين.

2) محبة الله  عز وجل ومحبة رسوله ودينه محبة صادقة، ومحبة كل مومن محبة صادقة لوجه الله تعالى، قال  : >ثلاث مَن كُنّ فِيه وجَدَ حلاوة الإيمان : أنْ يكُون اللّه ورسُولُه أحب إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرْءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ في الكفر كما يكْرهُ أن يُقذَفَ في النار<(متفق عليه).

3) الشعور بالاعْتزار بالله تعالى، وبدين الله تعالى، وبالهداية لهذا الدين الذي لا وجُُودَ لمثله أبداً في الدنيا كلها الآن، وقبل الآن، وبعد الآن، فهو الدين الصحيحُ النسبة إلى الله تعالى، فالتديُّن بالإسْلام نعمة لا تعْدِلها نعمة، الاعتزاز بكوْن ا لله تعالى هدانا لهذه النعمة ورضيها لنا {اليَوْمَ أكْمَلْتُ لكُم دينَكُم وأتْمَمْتُ عليْكم نِعْمتي ورَضِيتُ لكم الإسْلام دِيناً}(المائدة : 3).

فكيف لا نشعر بالفخار ونحن نعبد الله عز وجل الذي بيده كُلُّ شيء، وليس بيد غيره شيء، بيده الدنيا والأُخْرى، وليس بيد غيره لا دنيا ولا أخرى، نعبد الله الذي أحاط بكل شيء علما، وغيْره يجهَلُ كُلَّ شيء حتى عن نفسه، ورُوحه، وعقله، وقلبه.

وكيف لا نشعُر بالفخار ونحن ندين بدينٍ يَسْعَى لترسيخ كُلِّ فضيلة، ويعمل لتجْنيب الإنسان كل رذيلة؟!

الشعورُ بصِدْق هذا الدين، والشعورُ بأحقية هذا الدين، والشعور بصلاحيّة هذا الدين للإنسان في الحال والمآل… هذا الشعور هُو ورَاء تحدِّي كُلّ الرسُل والأنبياء والصالحين بهذا الدين لكل المعاندين، والجهلاء، والبُلداء، فلا نعجَبُ أن يقول رسول الله  لعمه : >والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه<.

ولا نعجبُ أن نَرى عبداً أسْوَد عَرَف الحق فصار يتحدى عتاة الكفر بقوله : >أحَدٌ أحَدٌ<.

ولا نعجب أن نرى امرأة مثلَ فاطمة بنت الخطاب تقول لعمر أخيها >قَدْ أسْلمْتُ فافْعَلْ ما بَدَا لك<.

ولا نعجب أن نرى ابن مظْعُون بعد أن ضرَبه أحد السفهاء فخَضّر إحْدى عيْنَيْه، يقول : >إنّ عَىْنِي السليمة لتحْسُد الأخرى على ما أصَابَها في الله<.

ولا عجب أن نرى حرام بن ملحان ] يقول >فزت وربّ الكعبة< بعد أن طُعِن بالرمح غدراً من الخلْف حتى خرج من صدْرِه.

ولا نعجب إذا رأينا أنس بن النّضر يقول للمسلمين يوم أحُد إلى أين تفرون >إنِّي لأشُمّ رائِحَة الجنّة مِن وراءِ جبَلِ أحُدٍ<.

ولا نعجب إذا رأينا أبا بكر يأتي بماله كله في غزوة تبوك، فيقول له الرسول  : ماذا تركت لأولادك؟! فيقول في ثقة عالية وإيمان عميق >تَركْتُ لهُم اللّه ورسُولَه<.

إنّه التحدي الذي علّمنا الله عز وجل أن نصْرخ به في وجْه كُلّ مشركٍ غبيٍّ، وكُلِّ منافق مَهِين : {قُل ادْعُوا شُرَكَاءكُم ثُمّ كِيدُون فلا تُنْظِرون إنّ ولِيّي اللّه الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالِحين}.

الله أكبر (3)

عباد الله :  فكما حَمَى الله عز وجل المسلم الفردَ من الهزيمة النفسية القاتلة بإخباره أنه خَيْرُ من يمشي على ظهر الأرض، وأن الكافرين هم شر من يمشي على ظهر الأرض، فكذلك حَمَى الأمّة المسلمة من الهزيمة النفسية، فقال لها : {كُنْتم خير أمة أخرجَت للنّاس تامرون بالمعروف وتنْهَوْن عن المنكر وتومنون بالله} فنحن المسلمين كأفراد خيْرُ البريئة، ونحنالمسلمين كجماعة خيْرُ أمة، هذه شهادات لم يتصدّق علينا بها أحَدٌ، ولم يجامِلْنا بها أحد، ولكنها أوسِمة الشرف من عند الرحمان الرحيم، علاَّم الغيوب، مالك الدنيا والدين.

فهل مازلنا في المستوى الذي وضعنا الله فيه كأفراد وجماعات؟!

الواقع يقول : إنّنا تحوّلْنا من القمة إلى الحضيض، ومن الجد إلى اللعب، ومن الشرف إلى الوضاعة، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، فداستْنا بالأقدام الدُّول الكافرة، حيث صرنا نلْعق الأيْدي، ونقبّل الجباه، ونحني الهاماتِ أمامَها، بل أصبحنا نعطيهم لنحرم أنفسنا، ونشبعُهم لنجوع، ونُرويهم لنظمأ، ونَنْسَى تاريخنا ولغتنا لنعيش على هامش تاريخهم ولغتهم وآدابهم، بل أصبحنا من المفرِّطين في مرجعياتنا لنأخذ كل ما جاء منهم، فلا نسمع إلا ما يقولون، ولا نرى إلا ما يروْن، فألْغينا وجودَنا لنعيش في وجودهم متسوّلين في الفكر، والعلم، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والصناعة والعُري، والخلاعَة، والحريّة الإباحِيّة، والدِّين المُؤلِّه للأهواء البشرية الناقصة، مُبتغين عندهم الحماية والعزة والنصرة ناسين قول الله تعالى : {أيَبْتَغُون عندهم العِزّة فإنّ العزّة لله جمِيعا}النساء : 139) {وللّه العِزّة و لرسُوله وللْمُومِنين}(المنافقون : 8).

الله أكبر (3)

عباد الله : الانهزامُ جاءَنا من خِفة وزننا محليّا وعالميا حيث أصبحنا كغثاء السيل لا يؤْبه بنا، لا يحْسب لنا حساب، لأن مرض الوَهْن أصابنا، وهذا المر ض هو حُبّ الدنيا وكراهيّة الموت، مع أن الله تعالى يقول : {إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}(التوبة : 111) معنى هذا أن الدّىن هو رأس المال وهو الرّبح، فينبغي أن يُضحى في سبيله بكل شيء، لأن الدّىن هو الحياة، هو الروح، هو العزة، هو الاطمئنان، هو السعادة، هو القوة، هو الانتصار، هو الوَحْدة، هو الأسرة الصالحة، هو الأمة القوية، هو العلم النافع، هو التخطيط الناجح، هو المنزلة العليا، هو كُلُّ شيء بالاختصار.

نزلنا عن هذا المستوى فتشتّتْنا لأن الله تعالى قال لنا {واعْتصِمُوا بحبْل اللّه جميعاً}(آل عمران : 103) ونحن اعتصمْنا بالقوميات والعرقيات والوطنيات والنعرات، فخسرنا كل شيء والله قال لنا : {يا أيّها الذين آ منوا لا تتّخِذُوا الكافِرين أوْلِياء من دونِ المومِنِين}(النساء : 144) ونحْن اتخذناهم أولياءَ فتميّعْنا، فلا نحن أصبحْنا منهم في تسخيرهم للدنيا وعلومها، ولا نحن احتفظنا بصِبْغَتنا، إننا أصبحنا نعيش بين قوْسَيْن، أو في المنزلة بين المنزلتين لا لوْن لنا ولا طعْم ولا كيان.

والله قال لنا {مَن كانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيا فعِنْدَ اللّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرة}(النساء : 134) ولكننا عَضَضْنا على الدّنيا بالنواجد والأنياب فلم نَنَل منْها إلا الفُتات، فابتلانا الله تعالى بمن أخذها منا وابتلانا بأمراض الاستبداد والفساد المستشري في كل مرفق من مرافق الحياة، حتى أصبحنا لا نشعر بالأمن والسعادة وصدق الله العظيم {ومَنْ أعْرضَ عَنْ ذِكْري فإنّ له معِيشَةً ضَنْكاً ونحْشُرُه يوْم َالقِيَامَة أعْمَى}(طه : 124).

الله أكبر (3)

عباد الله : اهتزّ إيماننا بالله تعالى، وبقوته، ودينه فلم يَبْق إيمانُنا كإيمان حارثة ] الذي قال : >أصبحت كأني أرى عرش ربّي بارزاً، وكأنّي أرى أهْل الجنة يتزاورون، وأهل النار يصطرخون< واضطربَتْ أهدافُنا فتِهْنا عن الطريق السوي.

عباد الله : لقَاءُ الله تعالى حق لاريْب فيه، {يا أيّها الإنسان إنك كادِح إلى ربّك كدحًاً فملاقيه}(الإنشقاق : 6) ولكن المشكلة : كيف نلقى الله عز وجل؟!

للإجابة عن هذا السؤال جاء الإسلام.

فماذا يقول الإسلام؟! يقول : {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ ربِّه فلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ولا يُشْرِك بعبادة ربّه أحداً}(الكهف : 110)

شـرطان أساسيان لإحسان لقاء الله تعالى هما :

> الإيمان اليقيني بلقاء الله تعالى

> وتصديق ذلك الإيمان بالعمل الصالح لوجه الله تعالى.

جاء رجل إلى الرسول  فقال له : > قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحداً< فقال له  : >قل آمَنْت بالّلّه ثُمّ اسْتَقِمْ< قال الله تعالى : {إنّ الذِين قالُوا ربّنا اللّه ثّمّ اسْتَقَامُوا تتَنَزّلُ عليْهم الملائِكة ألاّ تَخَافُوا ولا تحْزَنُوا وأبْشِرُوا بالجَنّة التي كُنْتُم تُوعَدُون نحْن أوْلِيَاؤُكم في الحيَاة الدّنيا وفي الآخِرة ولكُم فِيها ما تشْتَهِي أنْفُسُكم ولكُم فِيها ما تدَّعُون نُزُلاً من غَفُورٍ رَحِيم}(فصلت : 30- 32).

الله أكبر (3)

عباد الله : المشكلة الأساسية بالنسبة للإنسان هي الاقتناع :

أولاً : بأن الكوْن -أي السماوات والأرضين- الذي نعيش فيه هو مخلوق للّه تعالى، ومخلوق لغاية هي أن ينتفع بهالإنسان، فاللّه يُدبِّر أمر هذا الكون لمصلحة الإنسان.

ثانياً : اقتناعُ الإنسان بأنه هو أيضاً خلقَهُ الله لغاية واحِدةٍ، فما هي هذه الغاية الواحدة والوحيدة؟ هي كما بيّنها الله خالقُ الإنسان حيثُ يقول بالحصْر والتوكيد : {وما خَلَقْتُ الجِنّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون}(الذاريات : 56).

فكيف تتِمُّ عبادةُ الله تعالى؟!

تتمُّ بتنْفيذِ أوامِره إخلاصاً له تعالى وحْدَه، وباجتناب نواهيه إخلاصاً لله تعالى وخوفا منه وحْده.

فإقامَةُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وإقامة العَدْل، بين الناس، وتعَلُّم العلم، وتأسيس الأسر الصالحة، وتربيةُ الأولاد تربية صالحة، كُلُّ ذلك وغيرُه من تنفيذ أوامر الله تعالى، واجتنابُ الكذب، والخيانة، والغش، والسرقة وشرب الخمر، والتعامُلِ بالربا، وأخْذ الرشوة، والظلم، والمحاباة، والمحسوبية، واحتقار الناس… كل ذلك من المنهيّات التي ينبغي اجتنابُها إخلاصاًلله تعالى.

فلا ينبغي أن نكذبَ على أنفسنا، وعلى الله تعالى، وعلى الناس، بادِّعائنا أننا مسلمون ومدارسُنا وجامعاتُنا لا تنطلِق في تعليمها الشامل، من القرآن، أيْ مِن اللّه تعالى ربّ العِلم، وربّ الإنسان، وربّ المادة، وربّ الروح، أليسَ الله عز وجل هو ربّ الطّبيعة؟1 فكيف تعلم العلوم الطبيعية بدون التركيز  على ربها؟! وهو ربّ العُلوم الفيزيانية بنواميسها وقوانينها وأليس الله عز وجل ربّ النّطفة، وربّ الرّحِم، وربّ الجنين وربّ الطفل، وربّ الذكر والأنثى، فكيف تُدْرسُ العلوم الفسيولوجية في غيبة عن ربها؟! وكيف تُدْرس عُلُوم الأرضِ الجيولوجيا في غَيْبةٍ عن ربّ الأرضين السّبْع، بل وربّ السماوات السبع؟! وكيف تُدْرس عُلوم السياسة في غَيْبَةٍ عن مُنَزِّل الكتاب العظيم لتعليم الإنسان كيف يسُوسُ أخاه الإنسان سياسة شرعية تقوده للسعادة في الدّنيا والفوز في الآخرة؟!

إذا تكلمنا عن المدارس فمعنى هذا أنّ العِلْم هو أساسُ معرفةِ الله تعالى معرفة حقيقيةً، وهو أساسُ عبادة الله عز وجل بصدق كامِل، وإخلاص تام.

وإلا فشوارعنا تحتاج إلى إيمان وإسلام، ومحاكمنا تحتاج إلى إيمان وإسلام، ومؤسسات الاقتصاد تحتاج إلى إيمان وإسلام، ومؤسسات الجيش تحتاج إلى إيمان وإسلام، وإعلامُنا يحتاج إلى إيمان وإسلام، وأسَرُنا تحتاج إلى إيمان وإسلام، وأعيادنا تحتاج إلى إيمان وإسلام، وحبُّنا وكُرْهنا، ولسَانُنا، وجميعُ جوارحِنا… وبعد ذلك نقول إننا مُسلمون -على الأقل- وينبغي أن نعمل بجدّ لنكونَ مومنين بتوْفيق الله عز وجل وهدايته، إذا لم نصِل إلى هذا المُسْتوى فنحن ندّعي الإسلام، ونظُنُُّ أننا نخْدَع الله بهذا الإدّعاء {يُخادِعُون اللّه وهُو خادِعُهم}(النساء : 142).

إن الله عز وجل لم يخْلُق الكون عبثاً، ولم يخْلُق الإنسان عبثاً {أفحسِبْتُم أنّما خَلَقْناكُم عَبَثَا وأنّكُم إِلَيْنا لا تُرْجَعُون}(المؤمنون : 115).

الله أكبر (3)

عباد الله : قال  في أوّل دعوته لقومه : >والله لتموتُنّ كَما تَنَامُونَ ولتُبعَثن كَما تَسْتيْقِظُون، وإنها لجَنَّةٌ أبداً أو لنارٌ أبداً< فقد ضرب لهم المثل للموت والبعث بشيء محسُوسٍ يعيشونَه في حياتهم يوميّاً ليقيسُوا على ذلك الموت الحقيقيّ والبعْث الحقيقيّ، فالكُلّ من عند الله، والكلُّ من آيات الله عز وجل {ومِن آيَاتِه منامُكم بالليل والنّهار وابْتِغَاؤُكُم من فَضْلِه}(الروم : 23).

ولكن الإنسان لإلْفه للنوم واليقظة وطلوع الشمس والقمر، وهُبُوب الرياح، وانهمار الأمطار، ورؤية الحَمْل والولادة.. ينسى أن كل ذلك من معجزات الله وآياته فيحتاج إلى آياتٍ أخْرى تدُل على أنه قادِرٌ على أن يُعيد الحياة من جديد للإنسان الذي مات، كما خلقه وأحياه ولم يكن شيئا مذكوراً، وهذه من أعظم رحمات الله تعالى الممدودة للإنسان الضعيف فهْماً، والضعيف إدراكاً، والضعيف قياساً، والضعيف انصياعاً وانقياداً، خصوصا البلداء الأغبياء الذين {يعْرفُون نعمة َالله ثم يُنْكِرونها وأكْثرهُم الكافِرُون}(النحل : 83) {ألم تَر إلى الذِين بدَّلُوا نِعْمة الله كُفْراً}(ٌإبراهيم : 28).

فأعطانا بفضله سبحانه وتعالى أمثلة معجزةً لنعرف أن البعث ولقاء الله عز وجل حقٌّ لا ريْب فيه،

> فأصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، قال فيهم عز وجل {وكَذلك أعْثرْنا عليهم ليعْلُموا أن وعْد اللّه حق وأن السّاعة لا رَيْب فيه}(الكهف : 21).

> وواحِدٌ مرّ على مقبرة قرية انطمست معالمُها، فقال {أنّى يُحِْيِي هَذِه اللّه بعْدَ موْتِها}؟! {فأمَاتَهُ اللّه مائَة عامٍ ثمّ بعَثَهُ}(البقرة : 259).

> وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام قال لربه {أرني كيف تحيي الموتى؟! قال : أولمْ تومِن؟! قال : بلى : ولكن ليطمئن قلبي، قال : فخُذ أرْبعة من الطّير فصُرْهن إليك ثم اجْعل على كُلّ جبَلٍ منْهُن جُزّءاً ثم ادعُهُن ياتِينَك سَعْياً واعْلم أن الله عزِيزٌ حكيم}(البقرة : 260).

جاء أحدُ البلداء الجُهلاء بالله تعالى إلى رسول الله  بعظمٍ بالٍ، ففتّه ونفخه في وجه الرسول

وقال : يا محمد أتزعُم أن ربك يُعيد هذه العظام بعد أن أرِمَتْ؟! فقال  : >نَعَمْ يُميتُك الله، ثم يبَْعثُك، ثمّ يُدْخِلُك النّار<)رواه الحاكم).

فكم من بُلداء محليّين وعالميين كبار لا يومنون بالبعث ويقولون في قرارة أنفسهم{من يُحْيي العظامَ وهِيَ رَمِيم؟!} فهؤلاء كُلُّهم سيحييهم الله عز وجل ويقول لهم {ما غرَّك بربِّك الكِرِيم الذِي خَلَقَك فسَوَّاك فعَدَّلك في أيّ صُورَةٍ ما شاءَ ركّبك كلا بل تكذبون بالدّين وإن عليكم لحافظيه كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون}(الإنفطار : 6- 12).

أما المومنون فهم الفقهاء حقا، وهم العلماءحقّاً بحقّ الله عز وجل، وحقّ الحياة، وحقّ الغاية التي خُلقوا من أجلها، وحقّ لقاء الله تعالى، ولذلك فهم يعملون لهذه الغاية ويحسبون الحسابَ الكبير للحظة لقاء الله تعالى، قال  : >من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه< قلنا يا رسول الله كُلُّنا نكره الموت، قال  : ليس ذلك كراهية ا لموت، ولكن المومن إذا حُضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائِر إليه فليس شيء أحبّ إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحَبّ الله لقاءه، وإن الكافر أو الفاجر إذا حُضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر، فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه<(البخاري وغيره).

فاللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة أو فتنة مُضلة.

üüüüüü

الله أكبر (3)

عباد الله : إن العيدَ نِعْمةٌ عظيمة تفضّل الله عز وجل بها علينا، لنذكُره ونشكره، ونعبدَه بما تعبَّدنا الله عز وجل به، فكما أمرنا بالصلاة لنذكره، وأمرنا بالزكاة لنشكره، وأمرنا بالصيام لنتقيه، فكذلك أمرنا بالأضحية لذكره وشكره {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}(الحج : 32) وقال {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}(الحج : 34) وقال  : >ماعَمِل ابن آدم يوم النحْر عملاً أحبّ إلى الله من إهْراق دم، وأنها لتأتي يوم القيامة، بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإنّ الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفْساً<(الترمذي وابن ماجة).

فسبحان مَنْ جعل القنوتَ والخشوع في الصلاة عبادة، ومن جعل الجُوع في رمضان عبادة، وجعل الذّبْح في العيد، والأكْل من اللّحم عبادة، وجعل الفرَح في العيد عبادة، وزيارة الأحباب والأقرباء والأصدقاء عبادة، وصلة الرحم عبادة، والاكتساء بالجديد عبادة، والتطيُّب بأطيب الطيب عبادة، إنه ديننا، دين الإسلام الذي قال فيه الله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة : 3) فالمحروم حقا من حُرم من هذا الدين.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك، ونسألك حسن عبادتك، و نسألك قلباً سليماً، ونسألك لساناً صادقاً، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شرِّ ما تعلم، ونستغفرك لما تعْلَمُ ولا نعْلَمُ إنك أنت علام الغيوب.

أ.ذ. المفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *