تفسير سورة الطلاق – 22- {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}


الطلاق إنهاء للعصمة وليس إنهاء للحقوق

في هذه الآيات يستوعب كتاب الله الحديث عن أحكام ضرورية لتمر هذه المرحلة مرحلة الفراق غير مؤدية إلى أي خطر أو ضرر على الأبناء وعلى كل الأطراف بعد انتهاء العصمة.

فلا شك أن فراق رجل لزوجته وانحلال عقد الزوجية ينشأ عنه ولاشك شعور بالشنآن والغضب والكراهية ما في ذلك من شك. فإن تُرِك هذا الشعور بدون توجيه فإنه سيؤدي إلى ضياع حقوق كثير من الناس، فالرجل المُغْضب الذي طلق زوجته مثلا ربما جعله غضبه ذاك يظلمها ويهدر حقوقها، وأن يُعَرِّض رُبّما بالتبعيّة الأطفال -الذين لا جريرة لهم ولا ذنب لهم- إلى ضياع، بحكم أنه أصبح يكره أمهم ويمْقُتها.

إذن فالشريعة تتنزل في هذا الظرف الحاسم الخطير الذي لا شك أن الانفعالات تكون فيه قوية، ومع ذلك فكتاب الله يأتي ليذكُر ما يجب أن يفعله المسلم، لأن المسلم عبدٌ لله، ويجب أن يطبق شرْعَ الله سواء كان راضيا أو غاضبا، إنه ليس أسِير نزواته وشهواته بحيث تملي عليه ما يجب أن يفعل في ذلك الموقف الحرج حقيقة.

إذن إن الرجل إذا طلق زوجته فليست كلمة الطلاق نهاية كل شيء، بعد أن أعلن هو أنه فضّ هذا الاشتباك، وهذا الارتباط وأنهى علاقة الزوجية، ولكن هناك تبعات بعد الطلاق، فكتاب الله يقول {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}.

وهذا لا يُمْكن أبداً أن يخطر على بال المطلق، هل يفكر بعْدُ في أن يرعاها، ويرعى حُرْمتها، ولا يضرُّ بها؟! لا!!

إنه يتمنى لو يجد كل الوسائل من أجل الضغط عليها والإضرار بها معاقبة لها على أنها أساءت التعامل معه، ويرى ذلك عملا مشروعا وصحيحا، لكن كتاب الله يقول الحَقَّ ويسدّدُ المسلم في هذا الموقف، ويقول : لا.

إن المرأة إذا طُلقت فإن الطلاق يعني إنهاء العصمة، لكنه يرتِّبُ مع ذلك حقوقاً جديدة منها : ألاّ تُشرّد المرأةُ، لا يجوز أن تُشَرَّد بموجب أنها طلقت، فلابد أن لها عدةً تنتظرها، وهذه العدة يجب أن تكون محميَّةً، ويجب أن تكون فيها المرأة مصونةً حتى لا تمتد إليها أيدي المستغلين، إنها حينما تُقْذف من البيت إلى الشارع تتشوّف إليها أنفسٌ كثيرةٌ ويُسْتغلُّ ضُعْفها ذاك، وتُستغل وضعيتُها تلك، وربما استُدْرجت إلى أشياء من الفساد وربما تصيَّد بعض الناس تلك الفرصة لإغوائها وإضلالها.

لذلك قال الشرع لابد أن تمكث هذه المرأة بعد هذه الفرقة في البيت {أسكنوهن من حيث سكنتم} فالمرأة إذن يجب أن تُسكن، هذا الحكم يشمل جميع أولئك السوابق من النساء، يشمل هذه المرأة المطلقة طلاقا رجعيا، فلا بد أن تسكن وأن يبقى لها وجود في بيتها {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وإن كانت المرأة طُلقت طلاقا بائنا فإنها تستحق السكنى أيضا خلافا لما كانت روته فاطمة بنت قيس حيث قالت : إن رسول الله  لم يجْعَلَ لها سُكنى ولا نفقَةً، لكن عُمَر كان لا يقول بهذا القول، وكان يقول : >لا نَدَعُ كِتَابَ ربِّنَا وسُنَّة نبينا إلى قول امرأة لا ندْري أحَفِظَت أم نَسِيَتْ<.

الفاحشة التي تجيز إخراج المرأة المطلقة من السكنى

ولاشك أن فاطمة بنت قيس التي لم يجعل لها رسول الله  سُكنى ربما سبب ذلك كان في أنها أخرجت أو خرجت من بيتها بسبب آخر، هو ما كان يصدر منها من غِلْظة أو قول نحْوَ أحمائها والله تعالى يقول : {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ياتين بفاحشة مبينة} والفاحشة عند العلماء مُختلف فيها، أي أن تكون عصيانًا أو تمردًا بحيث لا تستقِرُّ على أمْر الزوج فتخرج متى شاءت، وتدخل متى شاءت، أو أن تكون سَلِيطة بذيئةَ اللسان وما أشبه ذلك، أو أن تصدر عنها بعض التصرفات التي لا تصل إلى حد الزنى، كسرقتها بعض مال الزوج، أو تفويت بعض أثاث البيت إلى الأجانب، فكل ذلك  يبرر ويُسوغ إخراجها من بيتها إن أتت بفاحشة. فهذه فاطمة بنت قيس كما قال بذلك العلماء أنها كان لها تسلُّطٌ على أحمائها فاختار رسول الله  أخف الضررين وهو إخراجها.

إذن فالمرأة لها الحق في أن تبقى في بيتها، وأن تسكن بعد الطلاق، إلى أن تنقضي عدتها {أسكنوهن من حيث سكنتم} أي من بعض ما سكنتم فيه، و”من” هنا محمولة عند بعض العلماء على التبعيض، فإن كان البيت كما قال مالك متّسعا ليشملها هي وزوجها من غير أن يكون بينهما اتصال في حالة البائن، فإذا أمكن وضْعُ عازل أو حاجز في البيت حيث تسكن هي في مكان، ويسكن هو في مكان، فإنها تسكن وتقاسمُه البيت، فإنه يسكن هو في مكان وتسكن هي في مكان في جانب منه.

السكنى للزوجة مضمونة حتى ولو كان البيت ضيقا، فالزوج يخرج وتبقى هي

وإن كان الطلاق رجعيا فالأمر سهل فلا يخرجها من البيت، فتبقى معه في البيت ولا بأس أن تبقى معه في الحُجْرة وفي السرير لأنها لازالت زوجته، يكفي أن ينوي المراجعة ويشهد عليها رجلين لأنها ليست محَرَّمةً عليه، هي في حكم زوجته تبقى معه ولو في نفس الحجرة.

إذن المهم في كل هذا هو الإسكان، هو ألا تُطرد المرأة وألا تُخْرَج فإذا كان البيت لا يتسع لهذا، ولا يتحمل إقامة أسْرَتَيْن في حالة الطلاق البائن، ولا يمكن العزل بينهما، ولم يكن البيت ليتحمل إلا أسرة واحدة، فهي إذَن أَوْلَى بالبيْتِ منْهُ فتبقى هي بالبيت ويخْرُجُ هو، ويبحثُ لنفسه عن مكان، لأن الرجل قد يبيتُ في المسجد، ويبيتُ في الرصيف، أو في ملجأ، لا ضرر عليه في ذلك.

الإسلام دين العدل المطلق سواء للرجل أو المرأة :

الإسلام لا يتجَنَّى ولا ينحاز ولكن يؤسس الحُكْم الذي فيه الصلاحُ، والاسلام ليس دين الرجال، الاسلامٌ دينُ الله، لذلك يذكر الحكم الذي يصلح لكل حالة فليس الاسلام دينًا تستميله الدعوات المغرضة، ولا هو يرغب في الإطراء والثناء، حتى يقال أنه يُكرِّم العنصر النسوي، وليس الإسلامُ كذلك دين الرجولة والغلظة والشدة ودينَ هَضْم حقوق المرأة، بل الإسلامُ دينُ الله، لذلك يؤسس الحكْمَ الذي يصلح، فمرة يكون الحقُّ للزوج، ومرة يكون الحق للزوجة بحسب ما يقصده الإسلام من نموذج الأسرة، فالإسلام حُرٌّ في أن يؤسس الأسرة التي يريدها هو، أي ليس ضروريا بأن نقول أن الاسلام مفروض عليه أن يتبنَّى نموذجَ الأسرة الغربية، ولا نموذج الأسرة الصينية، ولا نموذج الأسرة الأمريكية، له طريقته، ولذلك يقسِّمُ الأحكام على النحو الذي يؤدي إلى استقامة الأوضاع وانسجام الأحوال.

إذن ففي هذه المرة إذا لم يتسع البيت فعلى الرجل أن يخرج وتبقى هي مستقرة في البيت {أسكنوهن من حيث سكنتم}.

بمعنى أن المرأة لا حق لها أن تطالب الرجل ببيت أكبَر من البيت الذي يستقر فيه، فلا يكون مثلا مُطالَبًا ببيت في شارع ممتاز، أو في مكان خاص في حي راق، لا، إنما تنظر الزوجة إلى المكان الذي عاشت فيه فإن كان الرجل متوسط الحال، وكان بيته ضيقاً جدا فليس من حقها أن تستغل هذا الأمر لتطالبه وتختار أحسن البيوت وتقول : أريد هذا البيت لأسكنه، لا.

وإنما يكون الإسكان من نفس المستوى الذي تَصِلُ وتمتد إليه يد الزوج، والرجل كذلك لا يختار أسوأ البيوت وأقبحها ليُسْكن المرأة عقوبة لها، في مكان مثلاً ليس فيه طريق معبدٌ، ولا ماءٌ متوفر، ولا كهرباء، لا، إنه يجب أن يرعى المستوى الذي عاش فيه من حيث سكنه، لا أكثر مما تطيقون، ولا دون الذي تستطيعون، وحينئذ تمضي العلاقة بعد الزوجية علاقة إنسانية محترمة، فيها رحمة وهدوء ولطف، أي أن الطلاق لا يؤدي حتما إلى الخصومات والتشنجات وقطع العلاقات.

فـ{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} نجد أن الإسلام ينهى الأزواج أن يضاروا الزوجات، يحرم على الرجل ولو كانت المرأة في عصمته أو بعد انفصام عصمته أن يكون قصده من ذلك إلحاقَ الضرر بزوجته أبدا، لأن الضرر في الشريعة مرفوضٌ لا يجوز أي أن تضر بغيرك، ولا يجوز لك أن ترد الضرر عن نفسك بإلحاق الضرر بمن أضَرّ بِكَ أيضا، لا يجوز مبادلة الضرر بالضرر، لقول رسول الله  : >لا ضَرَرَ ولاَ ضِرَارَ<.

أ. د. مصطفى بن حمزة

رئيس المجاس العلمي المحلي لوجدة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *