وقفة تأملية


لقد دعا القرآن الكريم الإنسان المسلم إلى التأمل في الكون وقراءته قراءة تأملية روحية وجدانية عميقة، واستخلاص الدروس والعظات البليغة منه لتنمية عقله لتتخذ أفكاره اتجاهها السليم وتنحو منحاها القويم، الذي يجعل قلبه في صلة دائمة مع الله تعالى، من أجل خلق التوازن بين الجا نب المادي والروحي فيه قال تعالى : {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت فذكر إنما أنت مذكر}(الغاشية : 17 -21). إذ لو وقف الإنسان المعاصر وقفة تأملية مع تلك الشجرة التي تتفتق أكمامها، وتتبسم أنوارها وتلين أغصانها وتنتشر أوراقها وتهزّ قلبه بأريجها وتداعب أنفاسه بنسيمها في فصل الربيع، ويأتي الخريف ويأخذ منها كل شيء، ويتركها عارية في مهب الريح، يهجرها العصفور المغني والبلبل المغرد واليعسوب المزنزن.

أو تأمل تلكم الغيمة التي تطل من وراء الجبال وتنتشر في الأفق فيزمجر الرعد خلالها، ويبسم برقها، وينزل وابلها، فتسقي كل شيء بإذن ربها ولا تبخل عن أحد ثم تمضي إلى ما أمرها الله تعالى.

وتساءل مع نفسه لماذا لم تحافظ الشجرة على جمالها الساحر؟ ولماذا هجرها الطير بعد أن ظل يهاجر إليها؟ ولم لم تستقر الغيمة في مكانها؟

حينها سيعلم أن كل شيء يجري لأجل مسمى، ويتوصل إلى نتيجة هي : أنه جزء من الطبيعة وأنه مسافر في هذا الكوكب ريثما يعود إلى دار القرار، وأن ذلكم الناموس الإلهي يجري عليه كما يجري على تلكم الأجزاء من الطبيعة وغيرها.

ثم بعد ذلك يدني بعينيه فيقلبها في نفسه وفي من في محيطه من بني جلدته فيجد فيهم الكهول والشيوخ والعجائز الذين تساقطت أوراقهم وهم في خريف العمر، والشباب الذين هم في ربيع العمر الذين سيأتي عليهم الخريف ويأخذ جمالهم ووسامتهم وينشر مكانها التجاعيد والشيب..

قال ابن الرومي :

أأيَّامَ لَهْوِي هَلّ مواخِيكَ عُوّدُ

وهلْ لِشبَابِ ضَلَّ بالأمْسِ منْشَدُ

أقُولُ وقدْ شابَتْ شَواتِي وقُوِّسَتْ

قنَاتِي وأضْحت كُدْنَتِي تتَمَدَّدُ

ولذت أحاديثي الرجال وأعرضت

سُلَيْمَى ورَيَّا عَنْ حَدِيثِي ومهْدَدُ

ثم يصير بعد ذلك رميمًا تحت التراب كما صارت أوراق الشجرة وأنوارها هشيما تذروه الرياح.

وبهذه المقابلة ومثيلاتها يستطيع الإنسان أن ينتمي روحه ويجعلها في صلة دائمة مع الله تعالى، وإيجاد توازن دقيق بين الجانب الروحي والمادي فيه ويتحرر من قيد الماديات التي ظل يلهث وراءها تاركا روحه نسيا منسيا تشكو أنينها وحنينها في عمقه السقيم.

الطاهر معراض – وجدة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *