من مهرجان “التبواق” إلى مهرجان التذواق


… لعلَّ بعضكم أو جلكم سمع عن أطفال قرية أنفكو الذين ماتوا من شدة البرد القارص بجبال الأطلس في شتاء السنة الماضية، ومن بقي منهم على قيد الحياة مهدد بنفس المصير هذا الشتاء لا قدر الله.

مات هؤلاء الأطفال الأبرياء لأن القانون الغابوي منع ذويهم من جلب الحطب من الغابة المجاورة لتدفئة أكواخهم المهترئة أصلا.

لكن هذا القانون نفسه لم يمنع الطباخ الفرنسي الذي أُستقدم خصيصاً لإحياء مهرجان أكبر حفلة شواء في العالم، فاختار الرجل شي جمل يزن قرابة 600 كلغ أُستقدم هو الآخر من مدينة الصويرة. وقد تطلبت عملية الشي هاته ما يعادل ثلاثة أطنان من الخشب الذي أُستجلب من غابات الأطلس رغم أنف القانون وظلت تشتعل لمدة خمس عشرة ساعة متتالية.

كل هذا حتى يدخل الطباخ المعجزة كتاب “گينس” للأرقام القياسية، وفعلا دخل الرجل كتاب الشهرة ولكن على ظهر جمل مغربي “وتهنديبة” أخشاب مغربية كان بإمكانها إنقاذ حياة أطفال أنفكو المساكين طيلة فصل شتاء كامل.

وللسائل أن يسأل ماذا ربح المغرب من وراء مهرجان كهذا؟ فالطباخ دخل عالم الشهرة في فن الشي مع أن الشي فن طبخ مغربي بامتياز دخل الفرنسي إذن كتاب “كينيس” وفي جيبه ما يقارب 100 ألف درهم والكثير من الهدايا والامتيازات، أما المغرب فضاع في جمل بما حمل كما يقال؟!

مهرجان التذواق هذا تزامن مع مهرجان آخر -وهو بالمناسبة للتذواق أيضا..- المهرجان هذا خصص لتذواق الخمور (إيه الخمور) وفي مدينة مكناس والتي عُرفت عبر التاريخ بمكناسة الزيتون وليس الخمور.. فقد حرص المقيم العام عفواً؟! القنصل العام الفرنسي (بيتراندا فيزاري) على إحياء عرف تذوق الخمور بعد انقطاع دام أزيد من خمسين سنة. المضحك في هذا الموضوع هو أن إحدى الصحف الحداثية جداً وغيرة منها على سمعة المدينة والبلاد ورأفة بالعباد.

أرادت أن تفهمنا بأن المهرجان أقيم للتنويه بمحصول العنب وليس “بمحصول الخمور” طبعا صور المهرجان والتي وزِّعت عبر العالم لا تظهر المشاركين وهم يتذوقون حبات العنب وإنما تظهرهم وهم يتذوقون أقداح الخمور؟! وأصناف “الروج” الـمُعتّقة. وعلى ذكر الخمور نُذكر هنا بأن القانون المغربي يحرم تداوله على المغاربة (خارج الحانات طبعا) يُستهلك منه المغاربة (يا حسرة!) ما يقارب 50 مليون لتراً سنويا أي ما يعادل لتر (وشي شويه) لكل مواطن وللتذكير أيضا فأن إحصائيات وزارة الفلاحة تبشرنا بأن ما يعادل 70% من محصول العنب يجد طريقه إلى معاصر الخمور وهو ما يفسر ارتفاع أثمنة العنب والزبيب سنة بعد أخرى!!..

ومادام الشيء بالشيء يذكر، أذكر أنني لما كنت أقيم بمدينة بركان في أحد الأحياء القريبة من أكبر خزان لخمور “بني يزناسن” في المنطقة، كانت الرياح تهب علينا مشبعة برائحة الروج خاصة في فصل الشتاء..

وبعد، فالحديث عند المهرجانات في هذا البلد أصبح حديثا ذا شجون خاصة مع تكاثرها وتناسلها بشكل يصعب متابعتها وإحصاؤها ففي كل يوم تقريباً لنا مهرجان أو إعدادا لإقامة مهرجان، حتى أصبح عندنا بين مهرجان ومهرجان (كاين مهرجان).. فكل ما علق في ذهني من هذه المهرجانات الأخيرة، مهرجانات ثـــلاثة :

مهرجان السينما و”التبواق” بمدينة طنجة.

إلى مهرجان الشواء ثم مهرجان الخمور.

كل هذا يحدث ونتساءل بكل سذاجة عن سبب انحباس الأمطار عن بلادنا هذه السنة.

وقديما قيل إذا عرف السبب بطل العجب.

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ذ. عبد القادر لوكيلي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *