على هامش تحريف القرآن… في شهر القرآن…!! فهل من أوْبةٍ إلى القرآن؟؟


إن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أنزله رب العالمين على قلب الرسول محمد ، تشريفاً وتعظيماً للمُنْزَل والمُنزَّل عليه. قال تعالى : {وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين}(الشعراء : 192- 195) والقرآن لفظه جزْل سهلُ المخْرج، هدًى وبشرى وموعظةٌ وذكرٌ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فمن قرأه أجر.. وعلى كل حرف عشرُ حسنات كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. وكما أمر الله بقراءته والإنصات إليه أمر بتدبره وفهم معانيه والعمل به، قال تعالى : {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولوا الألباب}(ص : 29) وقال : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}(محمد : 24) قال بعضهم : من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأه ولم يتدبر معانيه فقد هجره. ومن قرأه وتدبره ولم يعمل به فقد هجره، وقد شكا الرسول إلى ربه قومَه بأنهم هجروا القرآن، قال تعالى : {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}(الفرقان : 30) ومن هجر القرآن جملةً وتفصيلاً فقد لحقه الويل وخسر الدنيا والآخرة. وهجره أنواع : يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله : “هجر القرآن أنواع :

1- هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

2- هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

3- هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

4- هجر الاستشفاء به والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها.

5- هجر تدبره وتفهمه، وكل هذا داخل في قوله عز وجل : {وقال الرسول يا رب..} وإن كان بعض الهجر أهون من بعض”(الفوائد لابن القيم ص : 94).

وها هو القرآن في شهر القرآن ذهب يشكو تقصيرنا إزاءه قائلا : يا رب إن من أنزَلتني إليهم اتخذوني مهجوراً، هجروني، تركوني وحيداً مرمًى فوق الرفوف، تشرَّدُوا عني، فكنت فيما مضى خير جليس وخيرُ أنيس، كنت لا أمَل من الاستماع، ولا… ولَم.. ولَن أخْلَق بكثرة التّرداد. الآن.. هُمِّشتُ.. جعلوني جانباً وثانوياً في حياتهم، بعدما كنتُ ا لأصلَ.. والموردَ.. .والمنهلَ العذب لهم… ولازلتُ. رغم بُعدهم عني، فلي معهم ارتباطٌ وطيدٌ. وصلةً وشيجةٌ بعبادتهم وأحْوالهم وشئونهم ومعاشهم.. هم في أمَس الحاجة إليَّ.. فهل من أوبة إليّ؟ وإني لِمن يمْسح عني الغُبار لمنتظر..

ها قد ذهب يشكو تفريطنا.. والأسى من هجره يملأ قلوبنا، ياليت لنا عودةً إليه قبل فوات الأوان، وذهاب الأزمان، في شهر القرآن تقام الدروس الحسنية المنيفة كما هو معلوم، دروس يقدمها أساتذة مهَرة، وكما العادة تُصَدَّر هذه الدروس بآية يكون منها المنطلق أو حديث.. وتُعْلن عنها الإذاعة والتلفزة.. الخ مشكورة. هذا الإعلان قد يشوبه بعضُ الأخطاء في النطق بكلام الله نطقاً كاملاً تامّاً كما أنزل. أو الحديث كما رُوِي.. وقد وقع هذا في شهر القرآن أكثر من مرة، من مذيعين ومذيعات في أكثر من آية وحديث، ومن ذلك : مذيعةٌ نطقت خطا.. لفظ كلّ من قوله تعالى : {وضرب الله مثلا رجلين أحدُهما أبكمُ لا يقدر على شيء وهو كَلُّ على مولاه…}(النحل : 76) نطقتْه بالضم والأصل هو الفتح -أي كَلّ- ومعناه الثِّقْل أو الثّقيل ويُطلق على العيال وعلى اليتيم وعلى من لا ولد له ولا والد. وعلى مَن يكون عِبْئاً على غيره. والمراد من الآية : الثقيل الذي هو عيالٌ على الغير، كما في صفوة التفاسير ج 2 ص 135 وأما “كُلّ” بالضم فكلمة تستعملُ بمعنى الاستغراق بحسب المقام، وتكون للتأكيد أيضا، وشتّان بين الكَل والكُل، وما أشبه الفُولَ بالفِيل!! وما أبعد الثّرَيّا علن الثرى!

وقد نطقت مذيعةٌ أخرى بآية أخرى، في مناسبة أخرى خطأ كلمتَيْ كسبت بكسر السّين، ويظلمون بصيغة المبني للمعلوم، من قوله تعالى : {وما كان لنبيء أن يُغَلَّ ومن يغْلُلْ ياتِ بما غَلَّ يوم القيامة ثم تُوفَّى كلّ نفس ما كَسَبَْ وهُمْ لا يُظْلمون}(آل عمران : 161) والأصل “كَسَبت” بفتح السين، و”يُظْلَمون” بصيغة المجهول والمعنى : ثم يوم القيامة تُوَفَّى كل نفس ما كَسَبت وعَمِلت من خير أو شر وهم لا يُظْلمون أي لا يظلمهم الله {وما ربك بظلام للعبيد}(فصلت : 46).

وفي اليوم نفسه نطقت مذيعة أخرى الآية نفسها فأخطأت نطق ” ومن يغلُلْ فنطقته بضم اللام الأخيرة، والأصل بالسكون لأنه فعل مضارع مجزوم بمن التي هي أداة شرط، وعلامة جزمه السكونُ الظاهرُ في آخره. عَصَمنا الله من الخطإ.. وغفر سهْونا وزَلَلنا، وأصلح لنا شأننا كلّه وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

أبو زيد محمد الطوسي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *