ظـاهـرة الفـقـر : نحو تصـور تكـاملي(2)


 ب- على المستوى الأفقي :  يتم في هذا المستوى رصد مجموعة من الأسبا ب التي تتفاعل أفقيا وتتدخل بنسبة أو بأخرى في تصنيع ظاهرة الفقر وتوسيع مداها ومن ذلك ما يلي :

– النظام السياسي : يتعلق هنا بطبيعة النظام السياسي في البلدان المتخلفة التي يستفحل فيها الفقر استفحالا يفوق حدود التصور أحيانا كثيرة ، فأغلب هذه الأنظمة استبدادي يقمع الحريات ويضيق من المبادرات الحرة ويتحالف مع الفئات الغنية في المجتمع وينحاز لها وتغيب لديه الرغبة في التنمية الاقتصادية والبشرية للرفع من مستوى المعيشة ، كما أن طبيعة هذه الأنظمة الاستبدادية تميل إلى الاحتماء بالأجنبي فتسلم له خيرات البلاد ظاهرها وباطنها مقابل المحافظة على الكرسي والمنصب السياسي. وبوجود النظام الاستبدادي تضعف المبادرات ويحجم المواطنون عن الاستثمار خوفا من الضرائب ومن السطو على ممتلكاتهم… وبسبب هذا تقل فرص الشغل وينزل سلم الأجور وتهزل الرواتب وينخفض معدل الدخل الفردي إلى أضعف مستوياته فتنتشر السلبية والبطالة والتسول الطبيعي والاحترافي والجريمة والرشوة وجميع مظاهر الفساد والجشع العام…

ويلاحظ في هذا الصدد أن الأنظمة الاستبدادية في البلدان المتخلفة شكلت دوما مصانع مهمة لإنتاج الفقر بجميع أنواعه وأحجامه ومقاييسه ومظاهره ، ومعامل ضخمة لتفريخ أعداد هائلة من الفقراء والجياع والجُهال والمحرومين والمهمشين والمهانين والمستعبدين الذين تكفي معهم اللقيمة الصغيرة لاستعبادهم وشراء ضمائرهم وانتهاك أعراضهم واستحياء بناتهم ونسائهم فتنتشر التجارة الجنسية وتكثر الدعارة والعهارة تحت مسميات سياسية “حرية المرأة “و”حرية تملك الفرد لجسده وحق التصرف فيه” أو مسميات اقتصادية جديدة ك”إشراك المرأة في التنمية”..!!!

– النظام الاقتصادي : يعبر النظام الاقتصادي عن طبيعة المعاملات الاقتصادية ونظام الملكية وطرق انتقالها وتداولها كما يضم جميع القطاعات الإنتاجية فلاحية وصناعية وتجارية ويعتبر المال والعملة النقدية عصب الاقتصاد المعاصر.

والنظام الاقتصادي خاضع لهيمنة المنتجين أيا كان نوعهم ومستواهم عموما لكن يخضع بالدرجة الأولى للمنتجين الكبار ولأصحاب الرساميل الضخمة والعملاقة. وسواء أكان النظام الاقتصادي ٍرأسماليا لبراليا أو اشتراكيا فإنه يعمل على التحكم في تداول الأموال والمنتجات الضخمة واحتكارها من قبل الطبقة الحاكمة أو الطبقات الغنية والشركات العملاقة والمؤسسات المالية الدولية ؛ ومن ثم فإن هذه الجهات هي التي تتحكم في توجيه سياسات الدول والمجتمعات لصالحها ، فينتج عن هذا أن طبيعة المعاملات ونظام الشغل والأجور والقروض الربوية والأرباح تحددهما هذه الجهات دون مراعاة مصلحة الفقراء والضعفاء مما يؤدي إلى اختلال التوازن الاجتماعي وتزايد هوة الفوارق الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء!!

وكما هو الحال مع النظام الاستبدادي فإن النظام الاقتصادي العالمي المعاصر نجح في تصنيع ظاهرة الفقر والتحكم فيها بتجميع الثروة وتركيزها في أيادي قليلة وتوسيع قاعدة الفقراء والتحكم في نظام المعاملات ، ونجح في إخضاع جميع الدول والشعوب للدوران في فلكه وجعلها مدينة له “في  اليسر والعسر والمنشط والمكره” وفي مقدار ما يقطره لها من قروض أو “مساعدات” أو”استثمارات” مشبوهة!

– النظام الاجتماعي الثقافي: يحمل النظام الاجتماعي والثقافي في كل مجتمع القيم الأخلاقية والفكرية والفنية التي بها ينظر الفرد إلى الوجود والحياة والآخرين وعلى أساسها يصوغ تصوراته وتصرفاته ، ولهذا يصح القول إن النظامين الاجتماعي والثقافي هما اللذان يحددان قيمة الإنسان في المجتمع ونمط قيمه وتصوراته وتصرفاته.

وعلى ضوء هذا نجد بعض الأنظمة الثقافية تعلي من قيمة العمل ، وتشجع على الكسب العادل والمشروع ، وتحث على قيم الأخلاق الجماعية كالتراحم والتكافل والتساكن الودي والأخوي بين أفراد المجتمع وفئاته وطبقاته ،  وتسن قوانين وأعرافا من شأنها معاقبة المعتدين على حقوق الضعفاء.. لكن في المقابل نجد بعض الأنظمة الثقافية والاجتماعية تشجع على قيم الأنانية والفردانية والتميز الطبقي والاستعلاء الفئوي والاستقواء على الضعفاء، وتحث على التعامل بمنطق المصلحة والمنفعة الذاتية والتنافس عليها والحرص على إقصاء الخصم المنافس لها بشتى أنواع الإقصاء المادي والمعنوي ، كما تكون هذه النظم حريصة على إشاعة ثقافة الانحلال الخلقي والدعوة إلى إشباع الرغبات والشهوات البدنية وتوفيرها بشكل زائد حتى يتم تصنيع جمهور عريض مستلب ومشكل من المستهلكين وعشاق الملذات والمتع ويركن إلى الخمول والكسل وإذا ما عمل فلا يعمل إلا تحت ضغوط الشهوة واللذة الآنية واللحظية ؛ ومثل هذا النوع من الثقافة والقيم هي التي تروج لها النظم السياسية الاستبدادية والنظم الاقتصادية الليبرالية والاشتراكية وتسخر من أجلها الإعلام والحملات الإشهارية للسلع والمنتجات الاستهلاكية والبرامج الغنائية الماجنة وصور العري والإثارة الجنسية والأفلام السينمائية الخليعة والنوادي الليلية الجنسية والحانات والخمارات، ولا يخفى أن الغرض من إشاعة مثل هذه الثقافة هو الحيلولة بين الضعفاء وبين الوعي السليم بواقعهم المزري .ذلك الوعي الذي بمجرد ما أن يستعيده الفقراء حتى ينقلبوا إلى غاضبين وناقمين يمكن أن يعصف غضبهم بمخططات الكبار ومصالحهم وكراسيهم لذلك يحافظ على وضعية الفقر ومخططات التفقير بتخدير الفقراء وإلهائهم بملذات لحظية وزائفة وإيهامهم بالتغير والتحسن!!

–  النظام التعليمي والعلمي : يعتبر العلم والتعليم المدخل الرئيس لكل إصلاح اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي وتربوي.. كما يعتبر المنطلق لكل إقلاع حضاري فاعل ومؤثر ، لكن التعليم في البلدان المتخلفة أصبح تعليما شبه مشلول وغير منتج ومعاكسا لمسار النمو الحقيقي وذلك بسبب التحكم فيه بقوة ومراقبته بشكل دقيق وإفراغه من عناصر القوة، ويتجلى ذلك في وجوه عدة منها:

* الاقتصار على تعليم المعلومات السطحية والمعارف الأدبية والفنية والمذاهب الفلسفية الغربية الهدامة دون تعدي ذلك إلى تدريس القيم الإنسانية النبيلة ذات الأثر المباشر في تحسين السلوك، ودون الانتقال إلى تدريس العلوم التي من شأنها تزويد المجتمع بالنتائج العلمية القمينة بتمكينه من استغلال موارد الطبيعة ومقدرات الأوطان والتأسيس للبنى الاقتصادية الصلبة في استقلال عن الأجنبي.

* الاقتصار على بعض تخصصات التكوين المهني والتقني لإخراج جيش من العمال الماهرين يوفر اليد العاملة لأرباب العمل والشركات العملاقة والصغرى الدائرة في فلكها دون تعدي ذلك إلى التخصصات العلمية والتقنية الدقيقة التي تعتبر من التخصصات المحظورة على البلدان المتخلفة والتي هي الأساس للاستقلال وتجاوز الفقر والجهل والتبعية.

* تهميش التعليم الإسلامي الذي ينبني على النظر إلى المسألة التعليمية والعلمية من منظور شرعي على اعتبارها حقا وواجبا إنسانيا لا يختص به قوم دون قوم ولا يستثنى منه بعض دون بعض ، كما ينبني التعليم والعلم الإسلاميين على لزوم أسبقية العلوم الشرعية على العلوم المادية لأن الأولى هي التي تصوغ لنا الإنسان الصالح المصلح المؤهل لامتلاك العلوم المادية وتسخيرها في خير الإنسان والمجتمع وفي إعمار الأرض بالعدل والإحسان لإيتاء الفقراء وذي القربى واليتامى والمساكين مما خلق الله لهم من خيرات هذا الكون الذي سخره لبني آدم كلهم دون تمييز بينهم لا في اللون ولا في الجنس ولا في الغنى ولا…ولا..

وفي الأخير يمكن القول إن ظاهرة الفقر كما هي ظاهرة معقدة ومركبة فهي تستلزم تصورا شموليا يأخذ بعين الاعتبار جميع أنواعها وحيثياتها وملابساتها وليس هناك اليوم نظام يملك الحلول الجذرية والمتكاملة غير النظام الإسلامي اجتماعا وسياسة واقتصادا وقضاء وثقافة وتربية وتعليما ومنهجا لأنه هو النظام الذي نظر للفقر من جميع زواياه الدينية والدنيوية ، المادية والمعنوية، العلمية والإنسانية ، الفردية والاجتماعية…، أما النظامان اللبرالي والاشتراكي -رغم اختلافهما الظاهري- فهما متفقان في نفس الآليات التي تنتج الفقر وتستنسخ الفقراء بأعداد ضخمة كالصراع والتنافس والاعتماد على التعامل الربوي وعلى الاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي رغم ادعاء الحرية، والاعتماد على سياسة التجهيل وتكريس تبعية الصغار للكبار وتبعية الهوامش للمركز تبعية استعبادية واستذلالية واستلابية ؛ فإلى متى تظل معالجتنا للفقر معالجة أحادية وجزئية وظرفية وسطحية ويتحكم فيها المحترفون في صناعة الفقر؟!

د. الطيب بن المختار الوزاني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *