خواطر عابرة – قيمنا الإسلامية وتجلياتها في المجتمع


إذا كانت القيم عبارة عن التصورات التي يحملها الفرد أو المجتمع نحو الأشياء والمعاني، فإن الأمم لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلاّ إذا قامت قيمها وظهرت بشكل جلي، ورحم الله أحمد شوقي حين قال :

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

منذ عقود وقيم الاشتراكية والشيوعية يُتغَنّى بها في عدد من شعوب ما يسمونه بالعالم الثالث، بما في ذلك بعض شعوبنا العربية، أو لأكون دقيقا بعض حكام هذه الشعوب، ومن الأكيد أن هذه القيم مازالت تجد من يضرب على وترها على امتداد العالم الإسلامي حكومات وأحزابا.

ولكثرة ترداد هذه القيم ورفع شعاراتها منذ عقود كان يخيل إلي أن قيم ماركس ولينين قد طغت عليهم وأنه لمْ يبْق شيء من قيم الإسلام وحضارته العظيمة.

قُيضَ لي أن أزور إحدى هذه الدول قبل بضع سنوات، وطبعا ما يلفت انتباه الزائر هو المظاهر الاجتماعية العامة، من لباسٍ ومعاملات ونحو ذلك.

أول من أثار انتباهي هو الالتزام باللباس الإسلامي لعامة النساء والفتيات، وحتى اللواتي لا يدنن بدين الإسلام يظهر عليهن لباس الحشمة والوقار. زرت فيها عدداً من الجامعات، والجامعة عادة ما تكون مجالا لتوثب الشباب وتحررهم من كل ما يسمونه قيوداً، فلم أشاهد فيها إلا ما شاهدته في الشارع، حشمة ووقار وآداب عامة.

عرفت بعد ذلك أن في هذه الدولة المآت وربما الآلاف (نسيت العدد بالضبط) من المدارس والمؤسسات الدينية التي تدرس العلوم الشرعية، دون أي مضايقة، إلى درجة أن العديد من الأجانب يفدون عليها لدراسة هذه العلوم، وقبل ذلك وبَعْده لحفظ القرآن الكريم.

طبعا أسرَرْت المرارة في نفسي ولم أبدها لهم، إلى أن قيض لي أن أمر بجانب بعض مؤسسات تعليمية في بلدنا الإسلامي العريق، مؤسسات تحسب على التعليم الأصيل التي تدرس فيها العلوم الشرعية، والسيرة النبوية، فتحركت مرارتي وأصبت بالذهول، تبرج كامل، اختلاط من الدرجة الأولى، انزواءات هنا وهناك، حتى السترة المدرسية التي يفترض أن تستر ما ينبغي ستره لا وجود لها أو هي مفصلة بشكل لا يليق بطالبة علم شرعي.

قد يقال إننا في عصر تحرر المرأة، وأن ما أقوله يعود إلى “عصور الظلام” >عصور استعباد المرأة<، على حد تعبيراتهم، وأنني أريد أن أعود بالفتاة المغربية إلى هاته العهود.

كلا وألف كلا قولي واضح لا يحتمل التأويل، أنا أقصد بالذات كيف يمكن أن يكون دينُنَا الإسلام بنص الدستور وقيمنا قيماً إسلامية ولكن مع ذلك لا تُرعَى لهذا الدين حُرْمة، حتى في الأماكن التي يفترض أن تراعى فيه حرمته، أما في جامعاتنا وشوارعنا العامة وفنادقنا الخاصة فهذا مما يندى له الجبين، وتنهَدُّ له الجبال، ثم إني قلت ما قلته في سياق المقارنة بين ما هو موجود في بلدنا، وفي شوارعنا وفي باحات جامعاتنا، لا بل في أبواب مؤسساتنا التي يفترض أنها تدرس العلوم الشرعية، وبين ما هو موجود في بلد كان وربما مازال ينادي بقيم اشتراكية.

فهل نقول إن تطبيق الاشتراكية على مستوى الدولة يدفع بالشعب إلى التمسك بقيم الإسلام أكثر من الشعوب التي يتم فيها تطبيق الرأسمالية بلبوس إسلامي؟؟

أم نقول إن تهميش الدين وهدم قيمه بأدوات اشتراكية غير حاكمة نخرت عمود المجتمع في أزمنة خلت هي التي أدّت إلى ما أدّت؟

أم نقول إن تحجيم دور العلماء والتضييق على الوعاظ والخطباء والدعاة هو الذي أدى إلى غفلة الناس عن قيم الدين؟

أم نقول إن ذلك كلّه وغيْره من أسباب ما نراه ونشاهده؟؟؟

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *