ترابط العلوم الشرعية والمعارف الإنسانية


لابدّ من إعادة النظر في مسألة وجود كليات أو معاهد للشريعة منعزلة عن السياقات الأكاديمية للمعارف الإنسانية.

ألا يمكن ـ مثلاً ـ أن تخترق (موضوعات) أو (مفردات) علوم الشريعة سائر الكليات والمعاهد المعنية بالعلوم الإنسانية، أو أن تؤسس أقساماً أو فروعاً لها في تلك الكليات والمعاهد لكسر العزلة وتحقيق التحام أكثر بين مقاصد الشريعة وبين سائر المعارف الإنسانية ” كالإدارة والاقتصاد، والقانون والسياسة، والنفس والاجتماع، والجغرافيا والتاريخ، واللغة والآداب والفنون.. فيكون هذا فرصة مناسبة للتحقق أكثر فأكثر بالتأصيل الإسلامي للمعرفة، أو على الأقل تنفيذ بداية صحيحة قد تؤول ـ مهما طال الوقت ـ إلى نتائجها المنطقية المتوخاة في التعامل مع سائر المفردات المعرفية في شتى التخصّصات، من خلال الثوابت الإسلامية نفسها؟

قد يعترض على هذا بضرورة أنيكون هناك ـ في نسيج الأنشطة الجامعية ـ مؤسسات أكاديمية مستقلة لعلوم الشريعة، من أجل تخريج المتخصصين في هذا الفرع المعرفي بالذات وليس في أية علوم أخرى.

وهذا حق، وهو ضرورة من ضرورات التخصّص العلمي، ولكن هل يمنع هذا من تنفيذ صيغة مضافة تتمثل في مغادرة العلوم الشرعية لمؤسساتها التخصّصية والتحامها مع الفروع والأقسام والمعاهد والكليات الإنسانية، بل وحتى العلمية الصرفة والتطبيقية، لتحقيق هدفين ملّحين :

أوّلهما ذلك الذي أشرنا إليه قبل لحظات من محاولة وضع التأسيسات الأولى لإسلامية المعرفة، التي لن تتحقق ما لم يتمّ اللقاء بين النمطين المعرفيين، فيصير الوحي والوجود معاً، مصدرين لصياغة المفردات..

وثانيهما كسر حاجز العزلة بين علوم الشريعة والحياة، وإعادة الدم إلى شرايينها المتصلّبة، ومنحها الحيوية والمرونة التي تمكنها من التموضع في قلب العصر لا بعيداً عنه.

قد يعترض أيضاً بالقول بأن ساعات الفروع والأقسام الإنسانية لا تسمح باستضافة العلوم الشرعية، أو بأن مادة (الثقافة الإسلامية) أصبحت البديل المناسب للقاء بين الطرفين.

وهذا حق كذلك، ولكن تبقى هنالك تساؤلات في هذا السياق قد تخطيء وقد تصيب : إن (ساعات) الفروع والأقسام الإنسانية ليست قدراً نهائياً لا فكاك منه، ولطالما جرى تكييفها واستبدالها وإعادة جدولتها في العديد من الكليات لتحقيق غرض أشد إلحاحاً. ومن ثم فإنه ليس مستحيلاً -إذا كنا جادّين في إيجاد مواقع مناسبة لعلوم الشريعة في الكليات الإنسانية – أن نعيد الترتيب فيما يعطي لهذه العلوم الفرصة المناسبة في خارطة الموضوعات المقررة على مدى سنوات الدراسة الجامعية.

أما بالنسبة للثقافة الإسلامية، فإنها حققت ولا ريب قدراً طيباً لدى استضافتها في المعاهد والكليات المختلفة، ولكنه ليس بالقدر المطلوب، لأنها لم تتجاوز ـ في معظم الأحيان ـ ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً في الأسبوع لا تكاد تغطي سوى جوانب محدودة من فكر الإسلام وثقافته، فضلاً عن معارفه الشرعية، ويتم فيها التعامل ركضاً على سطح الظواهر والمفردات، دونما أي قدر من التعمّق والإيغال، ويتخرج طالب القانون أو السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد أو الآداب.. الخ وهو لا يملك عن الإسلام سوى شذرات وقطوف وخطوط عامة في أحسن الأحوال.

إن مادة (الثقافة الإسلامية) ضرورية لتكوين بعض الأطر الفكرية الأصيلة في عقل الطالب الجامعي، لكن هذا وحده لا يكفي إذا أردنا أن يكون القانوني والاقتصادي والإداري والمؤرخ والأديب متوافقين في نبضهم ومعرفتهم وأنشطتهم التخصصية مع مطالب هذا الدين ومقاصد شريعته.

من ناحية أخرى، فإن على المعاهد والكليات المعنية بعلوم الشريعة أن تتقبل بدورها استضافة أكبر قدر ممكن من موضوعات المعرفة الإنسانية المذكورة، من أجل تمكين طلبة هذه المعاهد والكليات من المعارف المعاصرة في أحدث كشوفها ومعطياتها، ومنحهم الخلفيات الكافية عنها، الأمر الذي يقود إلى الإعانة على إزالة حواجز العزلة والتغريب بين الشريعة والمعرفة الإنسانية، وبينها وبين الحياة.. وجعل خريجي هذه المؤسسات أكثر حيوية وقدرة على الخطاب، ووضعهم، بتمكينهم من معارف العصر، في قلب العصر، قديرين على النقد والمقارنة والتمحيص.. وعلى إيصال مطالب المعرفة الشرعية والتحقق بمقاصدها في ضوء تناقضات وإحباطات المعطيات المعرفية الوضعية، وعلى إسهام أكثر فعالية في صياغة المشروع الحضاري الإسلامي البديل..

لقد آن الأوان لتجاوز الاستسلام لتقاليد منهجية قادمة من عصور عتيقة هي غير عصرنا، محملة بموضوعات ومفردات لم تعد تصلح للقرن الحادي والعشرين، واستبدالها بمناهج أكثر مرونة تملك القدرة على استضافة واستيعاب المعارف الحديثة، وتمكن المتعاملين معها من تجاوز العزلة والتغّرب والانقطاع، إلىتنفيذ حوار فعال مع تحديات العصر وهمومه المعرفية والثقافية.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *