الهم الجسدي في الأدب النسائي الحداثي (1)


مقدمة : الواقع والحيثيات العامة

الإسلام حرر الإنسان كله، وما عمل على تكريس الفصل المقيت بين مكونيه المادة والروح، إذ اعتبره مزيجا من حفنة من طين ومن نفخة علوية، فإن اعتنى ذلك المخلوق بالجزء الطيني فقط واحتفى به وبمتطلباته ارتكس وانغمس في الطين، وإن زاوج معه الاهتمام بالجزء الروحي أيضا، اعتلى وسما وانجذب من وهدة التردي والاندحار.

وإيثار الجسد بالاهتمام كله في أي مجال كان سواء الأدبي أوغيره مفسدة وتضييع لحق الإنسان في التمتع بإنسانية تكرمه وترفعه، فالحيوانات إن استجابت لنداء الجسد المجرد وانساقت مع دعواته فإنها المسيرة في ذلك، وهذا مكمن الفرق مع الإنسان، ذلك المميز بالعقل المُقَيِِّد للغرائز المُسيِّر لها وفق ما يخدم حاجات روحه ونفسه ومجتمعه ووطنه، وكذا العالم كله الذي هومكلف بحسن الاستخلاف فيه.

ونظرا لتغييب مثل هذه القناعات الداعية إلى عدم إفراد الجسد بالاهتمام ـ وكذا اعتباره فقط رافدا يجب التعامل معه بما يجب مما ورد في مبادئ الدين ـ نرى أن انحرافات شتى بدت واضحة المعالم في كل الميادين والمجالات…

ولم يُغمط المجال الإبداعي الأدبي حقه من هذه الظاهرة، إذ اجتاح الحديث عن الأجساد جل مضامين الإبداعات الأدبية بصفة عامة، وخاصة منها تلك التي نسجت خيوطها المبدعات من النساء.

فالجسد حاضر في كل منعطف، ومُحتفى به في كل ركن…ومُطالَب بتمتيعه بأقصى درجات الحريات في جل أنساق الكلمات…

إنها من المعادلات التي أضحت ثابتة ومن قبيل المتفق عليه لديهن هن “المثقفات” الحداثيات النسوانيات، وهي كذلك من المفاهيم الراسخة وأصبحت غير قابلة للتجاوز عندهن إلا تحت طائلة الوسم بالرجعية وبتكريس استحسان استعباد النساء…

– البيت = السجن.

– الزوج = تبلد الحس والبرود العاطفي.

– الحياة الزوجية = القيود اللامرئية الموغلة بالمرأة في الإحباط والضياع.

– الجسد = الجوع الجنسي المتواتر غير المشبع بفعل الضغوط النفسية الناتجة عن التقاليد والدين والزواج…

– الدين = الأغلال والحيف…وأيضا شتى صنوف القهر المبيحة لكبح حرية الجسد، والداعية لعدم تمتيعه والإمتاع به، والمانعة من حرية التعامل به ومعه.

وهكذا…هلم جرا

ثم وهن دائما على نفس المنوال ينسجن…إذ:

– إنه الحرمان الجسدي ذلك المتغنى به… المصور بعناية، والمشوب برثائيات للجسد الوَلِهِ إلى الإشباع وإلى الارتواء…

– وإنها المعاناة النفسية الناتجة عن ذلك لدى المرأة في كل الطبقات وكل الفئات.

– وإنها الدعوة إلى تخطي الحدود المرسومة، وإلى تحدي المتفق عليه…وإلى تجاهل الأحكام المسبقة والمحاكمات المجتمعية في سبيل تحقيق حقوق ذلك الجسد الظمآن المتشظي بفعل الحرمان…

– وإنه التحفيز على الأخذ بالمباهج المتاحة لذلك الجسد الآيل إلى ترد، ومن ثم زوال…وذلك قبل فوات الأوان…

– وإنه الجهر بالدعوة إلى ممارسة ما يمارسه الرجل من “حريات” في هذا المجال وهو”مضمون” الشرف “موفور” الكرامة…غير محاكم من طرف التقاليد والأعراف…

هذا هوالمعبر عنه فقط ـ أوتقريبا ـ في كل النتاجات الإبداعية النسائية الحداثية…

ويُدبَّج ويُنمق الكل في لوحات تتكرر بشكل لا متناه، والنتيجة صور نمطية تتكرر للمرأة المقصاة من تحرير الجسد، ومن الاستمتاع بكل قدراته وإمكانياته ومكوناته…

وتَستخرِجُ تلك الصور المتناسلة أسئلة تفرض نفسها، بل وتلح في طلب الجواب، وذلك انطلاقا من أن تكريس الأديبات النسوانيات لجزء غير بسيط من إنتاجهن الأدبي للحديث عن كل ما يتعلق بالجسد، وبرغباته… وبما يحيط به… وما هوكائن حوله… لعله يكون نابعاً من وجود حيثيات وأسباب معينة منها:

1- تداعيات وتأثير نمط الحياة الخاصة بهن هن المبدعات.

2- الرغبة في ممارسة حرية التصوير والتعبير في الإبداع الأدبي كما تريده المدرسة الأدبية الحداثية.

3- ركوب صهوة التحدي والاقتداء بالأديب المبدع الرجل.

4- الرغبة في إرضاء الغرب لنيل الحظوة لديه.

هذه على سبيل التمثيل لا الحصر بعض الأسباب، إذ لعل هنالك أخرى…وهذه أيضا محاولة للحديث حول هذا البعض المذكور.

(يتبع)

دة. صالحة رحوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *