الدين والسلطة والمال والجنس: مِن سُمُوّ الغاية إلى سوء الاستعمال


إن تاريخ الإنسان حافل بالجهاد المستمر من أجل تصحيح علاقته بالله الخالق الرازق، وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية على أساس التصور الصحيح لله وللكون والحياة والمصير وتنظيم سلوكه السياسي (السلطة) والاقتصادي (المال) والاجتماعي (الجنس) تنظيما تكون فيه ممارسة السلطة وتوزيع الثروة المالية ممارسة وتوزيعا عادلين وتنظيماً للعلاقات الجنسية تنظيما أخلاقيا متوازنا وكريما، وقد شكلت رؤوس مربع  الدين و السلطة والمال والجنس قطب رحى التدافع بين أهل الخير والصلاح، وأهل الشر والفساد، وبين الإنسانيين والحيوانيين، كل يسعى من جهته للتحكم فيها بقصد توجيهها الوجهة المناسبة لأغراضه، لأن مصدر الخير لا يكون إلا بحسن توظيف الدين والسلطة والمال والجنس، وأما مصدر الشر فيكن من سوء استعمالها، فكيف ذلك؟

الدين بين سُمُوّ  الغاية  وسوء الاستعمال

الدين فطرة تغذي الروح وتنظم الغرائز تنظيما متوازنا فيه مراعاة عادلة لحقوق الله والإنسان (بأبعاده البدنية والروحية العقلية والاجتماعية) والطبيعة والحياة(ببعديها الدنيوي النهائي والأخروي اللانهائي).

وتأتي أهمية الدين في الإصلاح من كونه يعطي للإنسان التصور النظري الصحيح الذي على أساسه يمكن أن تصحح سلوكاته وتصرفاته وعلى ضوئه تتحدد طبيعة علاقاته مع الله ومع نفسه وغيره، ومع الكون والأحياء، فالتزام الإنسان بهذا الدين لا ينتج عنه إلا صلاحه وصلاح حاله ومآله وصلاح اجتماعه؛ لكن الإنسان إذا تدين بدين بشري أو انحرف فهمه للدين الصحيح ولم يحكم معايير الدين الصحيح في تقويم سلوكه مال إلى الفساد والإفساد في كل ما يتعلق به وبالكون من حوله ويترتب عن ذلك أن تختل حياته الفردية والاجتماعية {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها فكذلك اليوم تنسى}(سورة طه).

لذلك يمكن القول إن وظيفة الدين تكمن في تزويد الإنسان بكل ما يحقق له إنسانيته وكرامته وحريته بعيدا عن الاستغلال والاستعباد والقهر لأنه يوجه الإنسان نحو ربه وحده ويحرره من مختلف أنواع العبودية البشرية التي تستغل جهل الإنسان وضعفه إما سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو نفسيا كما يحرر الدين الإنسان من قيوده النفسية والجسمية والغريزية فيصير قادرا على التحكم في غرائزه وهواه في توازن وتناسق يتيح له النظر إلى ذاته وإلى ما حوله نظرا متحررا من كل أشكال الضغط والقهر النفسي أو الجسمي أو الخوف من الطبيعة والمستقبل.

وقد تضمن الدين الإسلامي كل معاني ومقومات الاجتماع الإنساني المبنية على العدالة والكرامة والخيرية في توازن وانسجام وتناغم بين جميع المكونات والمقومات والأبعاد والمستويات والعلاقات.إنه دين الله الذي يعلم ما يصلح لهذا الإنسان وللأرض والكون والحياة ولجميع الخلائق ما ندرك وما لا ندرك إنه هو اللطيف الحكيم الخبير لذلك فكل ما شرعه الله في هذا الدين إلا وفيه ما يصلح الإنسان ويقوم اعوجاجه ويهديه إلى الأقوم في كل شيء {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(سورة الإسراء).

ومهما تعالت صيحات الجاحدين والمنكرين للدين  رافعة شعار الصلاح والتحرر الإنساني فليست شعاراتهم إلا غطاء يخفي مكرا كبارا هو التخلص من الدين لأن الدين يضبط الانفلات الخلقي ويسفه ضعاف النفوس أمام الغرائز ولهذا ينبغي فهم صيحاتهم وتحركاتهم بأنها ليست إلا تعبيرا عن تضخم غرائزهم الحيوانية التي ستعود بالإنسان إلى عالم الحيوانية والبهيمية المتوحشة في ممارسة السلطة وفي الاستئثار بتملك المال والإفساد به، وفي إطلاق العنان للغريزة الجنسية لذلك أخبر الله عز وجل عن هذا الصنف فقال سبحانه : {وإذا قيللهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنومن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}(البقرة 11- 13).

السلطة بين الصلاح والفساد

يفيد مصطلح السلطة في اللغة جملة معان منها : حدة اللسان وشدته وفصاحته، يقال فلان سلط لسانُه فهو سليط بمعنى أنه طويل اللسان وشديده وله فصاحة وحدة،  لهذا عد الإعلام سلطة في الفكر السياسي المعاصر، كما اشترط في السياسي أن يكون خطيبا وفصيحا ولسنا.

ويفيد أيضا معنى القهر والتغلب والمُلك والقدرة والقوة والسيطرة والتحكم والولاية على الغير . ومنه اشتق لفظ التسلط والسلطان والسلطة؛ وهذه المفاهيم ولدت في تاريخ الاجتماع البشري استجابة لدافعين :

الأول دافع غريزي ونفسي يرجع إلى غريزة الكبرياء وحب التفوق على الآخرين والتغلب عليهم والتحكم فيهم والاستفادة منهم للحفاظ على موقع الأكبرية بين هؤلاء الآخرين الذين يتصفون هم أيضا بهذه الغريزة لكن الغلبة تحصل للقوي والأقوى فيُخضِع الآخرين له بالقهر بجميع أنواع القهر المادي والرمزي.

الثاني دافع اجتماعي يتمثل في الرغبة الغريزية للعيش الجماعي وفق نظام يتم فيه تدبير السلطة (الغلبة والملك والولاية) تدبيرا خاضعا للقوانين والأعراف التي تعاقد عليها أفراد الجماعة المتساكنين الذين فضلوا التعايش وفق التراضي الذي يضمن حقوق الجميع ومصالحهم الضرورية بالعدل والتساوي  بدل التغالب والتقاهر والتحكم وفق مبدإ القوة والشدة والحدة الذي يفضي إلى التفاوت والفوارق الواسعة بين القوي والضعيف والمجاوزة للحدود فيتمتع القوي بحقوق زائدة عن الضعيف في حين يحرم الضعيف من أبسط حقوقه الطبيعية.

لذا أصبحت السلطة في تاريخ الاجتماع البشري سيفا ذا حدين، تارة تكون عنصر خير إن هي امتثلت للإرادة الجماعية واستجابت لشروط التعاقد المبني على العدل والتساوي وتحقيق المصلحة العامة واحتكمت لقانون العقل الإنساني الصريح والشرع الإلهي الصحيح ؛ لكنها تصير شرا إن هي استجابت لنداء الغريزة الفردية في الكبرياء والأكبرية واستعملت كل وسائل القوة والقهر المادي والمعنوي ورفضت الاحتكام للعقل والشرع فيحصل بسبب ذلك ظلم فاحش ومقيت ومهين، لذلك ظلت البشرية تجتهد في تاريخها لتنظيم اجتماعاتها على أساس توظيف السلطة لأغراض إنسانية واجتماعية كريمة .وما من مجتمع نظم شؤون السلطة تنظيما عادلا إلا وانتقل إلى مستوى إنساني عال يستفيد من طاقاته ويفيد غيره وبالمقابل ما من مجتمع اختل ميزان السلطة فيه إلا ومال نحو الفساد والظلم والتناهب و الفوضى وعدم الاستقرار.

المـال بين الصلاح والفساد

يدخل المال في إطار التدبير الإنساني والاجتماعي لغريزة حب البقاء وحب البقاء بشكل أفضل، ويدخل في المال كل ما يحقق هذه الغريزة من غداء وكساء وسكن،ويدخل فيه كل ما يؤمن استمرار وجود الفرد أو الجماعة في ظل أزمة الندرة وكثرة الطلب ؛ لذلك اعتبر المال مقوم الحياة والوجود الإنسانيين، وقد أدرك الإنسان منذ وجوده الأول أن المال من أهم الوسائل لتأمين حياته والترقي بها نحو الأفضل وصار يتخذ كل الطرق للحصول عليه من عمل واستثمار لموارد الأرض ومقدراتها الباطنة والظاهرة (معادن ومياه ونبات وحيوان وهواء…) وصارت المِلْْْكية هي الوسيلة الناجعة للتمكن من المال وتملكه وصار التنافس في ملكيته وسيلة للتغالب والتحكم في الآخرين وليس وسيلة لتأمين الحياة فقط .وهنا أصبح كل من يملك أكثر له الحق (حق القوة) في أن يتحكم أكثر؛ فظهر بسبب ذلك الظلم الاقتصادي والفوارق الاجتماعية والاستبداد السياسي بسبب سوء تدبير الثروة وتدخل الهوى -المتمثل في الغرائز الفردية والأنانية والكبرياء والعدوان- لتحويل مسارها نحو التمركز والتجمع حول الذات ولو على حساب حرمان الآخرين منها. وهنا لوحظ أن المال في التاريخ البشري لم ينفصل عن السلطة فالمال نفسه سلطة (سلطة المال) كما أن الإنسان الحاكم في جماعة لا يكمل حكمه ما لم يستند إلى المال أو ما لم يتحالف مع مالكي المال (الأغنياء) فظهر ما يمكن تسميته ب”مال السلطة”.

لذلك يمكن القول إن تاريخ الاجتماع الإنساني هو جهاد مستمر بين رغبة دنيئة في التجميع والتمركز حول الذات ورغبة فاضلة من أجل حسن التوزيع والتدبير العادل للثروة فحين تنتصر الإرادة الأولى يفسد الاجتماع وحين تتغلب الإرادة الثانية يصلح هذا الاجتماع وتتحقق كل مظاهر الخيرية.

إذن فالمال يدور بين الصلاح والفساد بدوران الإنسان بين إرادة الخير وإرادة الشر، وبين الاحتكام لشرع الله أو لشرع الهوى .

الجنس بين الصلاح والفساد

تشكل الغريزة الجنسية حقيقة أهم الغرائز في الكائن التي تضمن له البقاء الحيوي كما أنها من الغرائز التي تحتاج إلى تصريف لأنها ذات طبيعة تجميعية حاصلة بفعل الغداء والنمو وتابعة لحجم الإفرازات الهرمونية، وعليه فإنها من الغرائز التي تمثل بحق الجانب الحي والحيواني في الإنسان، لكن لما كانت هذه الغريزة ليست هي المكون الوحيد في الذات الإنسانية وإنما هناك إلى جانبها المكون العقلي والروحي، ولما كان الإنسان لا يصير إنسانا إلا بفضل تنظيمه للغريزة الجنسية وإخضاعها لتوجيه الدين وتوجيه العقل والروح المشبعين بالفضيلة الإنسانية تبين لماذا ظلت البشرية طيلة تاريخها تجاهد من أجل مقاومة تغلب الغريزة الجنسية لأن في هيمنتها إرجاعاً للإنسان إلى طبيعة حيوانية فقط أما تحكيم الدين والعقل والروح فارتفاع بالإنسان إلى مراتب إنسانية سامية .

وقد عانت الإنسانية في كل زمان من دعاة الإباحية والفوضوية الجنسية والأخلاقية وكلما غلب هذا الاتجاه إلا وانحرف مسار الإنسانية إلى اللهو والمجون وتغليب لغة الجسد على لغة العقل، وتغليب الشهوة على السمو الروحي، وكانت المرأة دوما لعبة للجنس والخداع واتخذت دمى في يد اللاهين بالكرامة الإنسانية، وبسبب تغلب أهل الأهواء الجنسية تظهر الصراعات وتضمر الحكمة ويكثر الفساد الخلقي وتنتشر مظاهر الغناء واللهو والمجون وتقفز إلى بؤرة الاهتمام، ويصبح التنافس حول المرأة  معيار الرجولة عند الرجل، والتنافس في الظفر بالرجل عنوان القوة عند المرأة، فتضيع بسبب ذلك الأخلاق الإنسانية فيتم تشييء الإنسان وتحويله إلى مجرد شيء، أو بهيمة تصبح قيمته مرتبطة بقدر ما فيه من الجمال والمتعة الجنسية الراجعة إلى الذات .

وقد عرف تاريخ الإنسانية مظاهر عديدة للتعامل الإيجابي مع  هذه الغريزة فنتج عن ذلك كل مظاهر العلاقات الإنسانية النبيلة من حب وأمومة وأبوة وأخوة وظهرت الأنظمة الاجتماعية القائمة على النسب الدموي والاجتماعي والثقافي والديني والتعاون الأسري والقبلي والمجتمعي والوطني والإنساني ولولا الحفاظ على هذه الغريزة من الاختلاط لما كان للإنسانية معنى حـي وجميل.

كما عرف هذا التاريخ مظاهر من الشذوذ والانحراف ظلت محدودة ومحاصرة، حتى جاء هذا العصر الذي أصبحت فيه الإنسانية بحاجة أكثر إلى الأخلاق والضمانات القانونية والخلقية لحماية المجتمع الإنساني من الفساد وحماية الأعراض من التدنيس، حيث وجدنا بعضا ممن مالت نفوسهم نحو العنصر البهيمي يرفعون أصواتهم منادين بضرورة العودة إلى الحيوانية الجنسية سواء في العلاقات الأسرية (تدمير مفهوم الزواج وتدمير مفهوم العرض والاقتصار على علاقات “الصداقة” و”الشراكة”) بل أخذ ذلك يمتد ليشمل حتى إباحة العلاقات الجنسية المثلية!! واستغلوا ضعف القوانين وضعف المجتمع أخلاقيا، كما استغلوا المظاهر السلبية في الديموقراطية التي كرست التعدد المقيت، وفتحت أبواب الحرية إلى حدود التفلت والتفسخ،  ومنحت الفرد “حق التصرف في بدنه ” دون مراعاة للبعد الخلقي فساهم هذا الاستغلال السيئ لهذه الدمقراطية  في انتشار الرذيلة وانتشار الفساد الجنسي والخلقي وحمايته بالقانون ودعمه بالإعلام والقوة السياسية، ففقدت بذلك الإنسانية معانيها الكريمة، وضاع منها العرض والشرف، فأين نحن ممن اجتهدوا في التربية على اعتبار العرض والنسب من الكليات الخمس الضرورية دينا وعقلا؟!!

خــلاصـة

إن توظيف هذه الرؤوس الأربعة توظيفا مسترشدا بهدى الوحي الصحيح والوعي الصريح بقضايا الكون والإنسان والحياة والمصير يقود إلى الخيرية العامة النافعة للفرد والمجتمع، تلك الخيرية التي تجلب كل معاني السعادة في الدارين، وتقي من كل أنواع الشرور، في حين أن التخلي عن الاسترشاد بكل من الوحي والعقل والركون إلى الأهواء والشهوات والنزوات والغرائز يقود إلى استغلال هذه المقومات الاجتماعية والحياتية استغلالا ظالما فاحشا يقوض كل مقومات الاستقرار والوجود الإنساني،ويهدم كل معاني الكرامة ويهدد كل أنواع التعايش والتساكن والتعاون الإنساني المثمر،وينذر بفساد النوع الإنساني بسبب سوء تدبير غرائز الكبرياء والأنانية والعدوان والتملك والجنس وتصريفها تصريفا منحرفا ومفرطا، أو تصريفها تصريفا شاذا تؤول عواقبه الوخيمة على الإنسان والحياة حالا ومآلا.

إذن فصلاح الاجتماع البشري رهين بصلاح تدبيره لهذه المكونات الأربعة تدبيرا راشدا وعاقلا ومتوازنا، ويكفي في فساده أن يفسد واحد من هذه المكونات ليفسد الباقي، ويهدد بإفساد الحياة وضياع كل معاني الحياة الإنسانية الكريمة، وينذر بتقويض الاجتماع البشري القائم على مراعاة المصالح العامة وحقوق الجميع (الله، الإنسان، الكون، الحياة)، لذلك ففساد أحد هذه المرتكزات أو جميعها ليس إلا ضياعا لحقوق أحد الأطراف السابقة أو ضياع حقوق الجميع.

د.الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *