التمويل البنكي الإسلامي بصيغة السَّلَم


السَّلَم والسلف في اللغة لهما نفس المعنى، وهو بيع شيء موصوف في الذمة بثمن معجل، تطبقه البنوك الإسلامية كصيغة تمويل، ذات أهمية كبيرة بالنظر لمرونتها واستجابتها لفترات التمويل المختلفة (قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل)، ولحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من المتعاملين سواء أكانوا من الفلاحين أو المقاولين أو التجارحيث تمكن هاته الصيغة من تمويل نفقات التشغيل والاستثمار.

تعريف التمويل بصيغة السلم

السلم في الشريعة الإسلامية هو عقد بيع مؤجل يدفع الثمن بموجبه عاجلاً.

والسلعة المشتراة هي دين في الذمة و ليست موجودة أمام المشتري ومع ذلك فإنه يدفع ثمنهاعاجلاً للبائع ، والفقهاء يسمونه بيع المحاويج لأنه بيع بضاعة غائبة تدعو إليه ضرورة المتبايعين.

ويحقق عقد السلم مصلحة واضحة لطرفيه، البائع والمشتري، فالبائع يستفيد من تعجيل ثمن السلعة، والمشتري يستفيد من رخص ثمنها، كما يطمئن إلى وجودها عند حاجته إليها.

وأطراف عقد السلم هم :

1- المسلم: هو المشتري في عقد السلم.

2- المسلم إليه: هو البائع للسلعة المؤجلة في عقد السلم

3- مال السلم (ثمن السلعة) مسبقا من المشتري.

4- المسلم فيه: هو السلعة موضوع عقد السلم.

ويمكن تعريف السلم كذلك بأنه عكس بيع الأجل حيث تكون العين المبيعة معينة، والثمن مؤجلا في ذمة المشتري، أما الفرق بين السلم وبيع المرابحة المطبق حاليا بالبنوك فيتمثل في أن بيع السلم يتم فيه أداء الثمن حالاً أما بيع المرابحة فيتم ذلك بموجب وعد بالشراء، وفي كلتا الحالتين يكون المشتري من البائع الأصلي هو البنك لا المتعامل.

و بخصوص السلم البنكي المعمول به في البنوك الإسلامية فيعني إبرام البنك لعقد سلم كمشتري من المتعامل معه لسلعة معلومة إلى أجل محدد بثمن مدفوع نقداً مسبقا.

وقد  يكون البنك كذلك في عقد السلم بائعا من جنس ما يكون قد اشتراه مسلماً وليس عين ما تعاقد عليه وهذا يسمى: عقد السلم المتوازي

ومن خلال ما ذكرناه فإن فكرة التسليف واضحة تماما في عقد السلم (السلف)، فالمشتري(البنك)، يدفع للبائع(المتعامل) الثمن حالاً، وفي مستطاع هذا الأخير استخدامه لتغطية حاجاته المختلفة من غير قيد أو شرط سوى تسليم السلعة المسماة في العقد في التاريخ المحدد. و لذلك نرى أن التمويل بصيغة السلم يمكن أن يصير بديلا إضافيا في بلادنا للقرض التقليدي (مثل القرض الموسمي والتمويل المسبق وخصم الكمبيالات وتسهيلات الصندوق وغير ذلك…) في عدة مجالات كما سنرى ذلك في هذا المقال.

الضوابط الشرعية لصيغة السلم

السلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع: يقول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}(البقرة : 282) وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قدم النبي ، المدينة والناس يسلفون في الثمر السنة والسنتين، فقال النبي  : >من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم<، وهذا الحديث واضح في تأصيل إباحة السلم وقد تم كذلك إجماع علماء الأمة والفقهاء على مشروعيته كصيغة للتمويل…

ونرى أنه لابد عند التطرق للضوابط الشرعية لصيغ التمويل الإسلامية كما في جميع مقالاتنا السابقة من عرض قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في الموضوع الذي من المفترض أن تلتزم به كافة البنوك التي تقدم التمويل الإسلامي البديل وهو قرار واضح وشامل، وما على البنوك بالمغرب سوى تطبيقه والاستفادة من تجربة البنوك الإسلامية في هذا المجال.

وهكذا جاء في قرار المجمع المذكور المنعقد في دورة مؤتمره التاسع في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 أبريل  1995 بشأن السلم مايلي:

( أ- السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبط صفاتهويثبت ديناً في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات أم المصنوعات

ب- يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، إما بتاريخ معين، أو بالربط بأمر مؤكد الوقوع، ولو كان ميعاد وقوعه يختلف اختلافاً يسيراً لا يؤدي للتنازع كموسم الحصاد.

ج- الأصل تعجيل قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، ويجوز تأخيره ليومين أو ثلاثة ولو بشرط، على أن لا تكون مدة التأخير مساوية أو زائدة عن الأجل المحدد للسلم.

د- لا مانع شرعاً  من أخذ المُسْلِم (المشتري) رهناً أو كفيلاً من المُسلَم إليه (البائع).

هـ-  يجوز للمسـلِم (المشتري) مبادلة المسلم فيه بشيء آخر -غير النقد- بعد حلول الأجل، سواء كان الاستبدال بجنسه أم بغير جنسه. حيث إنه لم يرد في منع ذلك نص ثابت ولا إجماع، وذلك بشرط أن يكون البدل صالحاً لأن يجعل مسلماً فيه برأس مال السلم.

و- إذا عجز المسلم إليه عن تسليم المسلم فيه عند حلول الأجل فإن المسلم (المشتري) يخير بين الانتظار إلى أن يوجد المسلم فيه وفسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإذا كان عجزه عن إعسار فنظرة إلى ميسرة.

ز- لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير.

ح-  لا يجوز جعل الدين رأس مال للسلم لأنه من بيع الدين بالدين.)

تطبيقات التمويل بالسلم

تطبق البنوك الإسلامية التمويل بالسلم في المجالات الآتية:

1-  التمويل الفلاحي:

يمول البنك الفلاحين الذين يتوقع توفرهم على محصول الحبوب أو الزيتون مثلا

في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلَموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم، فيسد البنك بهذا التمويل العجز المالي الذي يعاني منه الفلاح عادة قبل الموسم الفلاحي.

وتعتبر البنوك الإسلامية بالسودان الأكثر تجربة في مجال التمويل الزراعي بصيغة

السلم وقد نشرت مؤخرا دراسات حول إشكالية تذبذبات الأسعار وتقلباتها عند أجل التسليم وتم إيجاد بدائل مختلفة منها: العقد المستقبلي وإزالة الغبن، المعمول بها والمجازة شرعيا في العمل البنكي بالسودان.

2- التمويل الصناعي:

يستخدم البنك كذلك عقد السلم لتمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات وذلك بشرائها سَلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.

ويمكن تطبيق عقد السلم لتمويل الصناعة التقليدية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة عن طريق تزويد هاته الوحدات الصناعية بالمعدات والآليات والمواد الأولية   كرأس مال سلم مقابل الحصول على منتجات هاته المقاولات وإعادة تسويقها

3- التمويل العقاري :

يمكن استخدام بيع السلم في المشاريع العقارية عن طريق بيع الوحدات السكنية قبل إنشائها وتسليمها بعد الانتهاء منها.

4- تمويل رأس المال العامل :

من خصائص عقد السلم، عدم الربط بين التمويل الممنوح من البنك (رأس مال السلم ) وبين تخصص المسلم إليه (البائع) في إنتاج سلعة السلم. وهذه الخاصية تمنح المتعامل فرصة استخدام الأموال في أغراضه وحاجته التي يحددها لتمويل رأس المال العامل

( تسديد أجور العمال مثلا…) من غير تدخل البنك.

وفي الختام، نرى أن التمويل البنكي البديل في بلادنا في حاجة ماسة إلى تنويع الصيغ المقدمة لسد كافة حاجيات الأفراد والمقاولات وتبقى صيغة السلم من أهم الصيغ المطلوب توفيرها في أقرب وقت لأن البنوك حاليا بالمغرب لا تستطيع من خلال أداة المرابحة المعمول بها حاليا،  منح المتعامل النقد لتمويل رأس المال العامل مثلا وإنما تقوم بشراء سلعة معينة ثم تبيعها للمتعامل.

أما بخصوص التمويل الفلاحي البديل بصيغة السلم فبإمكان البنوك المغربية الاستفادة من النتائج الطيبة التي أفرزتها تجربة البنوك السودانية في هذا المجال.

ذ. مصطفى حادق

خبير بنكي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *