ألا يحتاج استقلالنا إلى استقلال؟!


{الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}(فاطر : 34).

هذه الآية الكريمة إذا سألنا المغاربة عن سبب ورودها في خطبة من خطب القرن الماضي، فإن الجواب سيكون بدون تردد ولا كثير تفكير بأنها خرجت من في الملك  الراحل محمد الخامس عليه رحمة الله تعالى تعبيراً عن فرحته بالاستقلال وجلاء المستعمر الغاشم فكان بذلك رحمه الله تعالى قد نسب النعمة إلى صاحبها الحقيقي وهو الله تعالى الذي مَنَّ على المجاهدين بالنصر واندحار العدو. إلا أنه رحمه الله تعالى كان يدرك أن الاستقلال العسكري ليس كافيا لنعلن استقلالنا الكامل فكانت الرسالة المباشرة إلى عموم الشعب المغربي وإلى كل شعب يعيش حالة المغاربة تلك، أن قال : >رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر<.

إنها عبارة حكيمة من ملك تعرض للنفي من وطنه في سبيل الحرية التامة غير المنقوصة، نعم إنها عبارة تنم عن شعوره بخطورة مخلفات الاستعمار فكأنه يريد أن يقول : إذا كان الاستعمار قد اندحر عسكريا فإن أبناء الاستعمار وأحباءه ما يزالون جاثمين على أنفاسنا، يتجلى ذلك في ما تركوه من مفاسد أخلاقية ودينية واقتصادية.

– أليست دور القمار المقننة من مخلفات الاستعمار؟!

– أليست دور الدعارة المنظمة من مخلفات الاستعمار؟!

– أليست حانات الخمور المرخصة من مخلفات الاستعمار؟!

– أليست السهرات الماجنة والمهرجانات الفاضحة من مخلفات الاستعمار؟!

– أليس الانبهار بالثقافات الخليعة من مخلفات الاستعمار؟!

– أليست البرامج التلفزية والأفلام الماجنة المطبلة للأعداء من مخلفات الاستعمار؟!

– أليست السياحة الجنسية التي يتحدث عنها الإعلام الأجنبي والمحلي من مخلفات الاستعمار؟!

قد يقال : ما الذي يقلق في هذا كله ما دمنا نتمتع بالسيادة والاستقلال؟ وأجيب قائلا : إسألوا دور الضيافة بمراكش، عاصمة المرابطين التي انطلق منها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ليعلي راية الإسلام، هذه الدور التي وصل عددها في سنة 2007 إلى 498 دار للضيافة 28% منها ترتكز بالمدينة العتيقة(1).

واسألوا السكان الأجانب بحي المواسين بمراكش الذين احتفلوا برحيل آخر مواطن مغربي عن حيهم الذي لم يعد يسكنه غير الأجانب.

– أليست هذه من مظاهر عودة “المعمرين” الجدد.

– واسألوا سكان مدينة فاس العتيقة من الذي يشتري الدور الفسيحة ودور العلماء الذين ساهموا في تحرير الوطن ومن يحولها إلى رياضات ودور للضيافة؟ أليسوا أبناء المعمرين القدماء؟

– اسألوا المدينة العتيقة بمراكش وفاس وكل المدن التاريخية لماذا ارتفع ثمن العقار فيها حتى تجاوز المتر المربع 16 ألف درهم.

اسألوا صاحب محلات عطور هرمس العالمية الذي اشترى حوالي 24 منزلا قديماً وحولها إلى قلعة حصينة لا تبدو منها إلا ثلاثة أسوار عالية، وغيرهم كثير(2).

اسألوا شوارع المدن على طول وعرض المملكة السعيدة عن لافتات الإشهار وأسماء المحلات المكتوبة بالفرنسية وكأننا لانملك لغة القرآن.

اسألوا أذناب الاستعمار وأحباءه كيف يتعلقون وتتعلق قلوبهم بكل ما يأتي من بلاد المستعمرين.

فمنتجات المستعمر هي المفضلة عندنا، ولباسه هو الذي يغري شبابنا وشاباتنا، وملابس كبار قومنا لا تروق لهم إلا إذا كانت مستوردة من باريس أو روما أو لندن أو مدريد.

وشبابنا أصبح مغرماً بالفريقين الإسبانيين إلى درجة الولاء التام فهو مستعد لمعاداة كل من لا يهوى فريقيه الإسبانيين.

– اسألوا المقاهي التي عمرها عمارها حتى في أوقات الصلوت، فبعض شباب هذا البلد الجريح لا يزال يعاني من جراح الاستعمار في سبتة ومليلية وكذلك من القلاقل في الصحراء المغربية من خبث الاستخراب الإسباني اسألوا الذين عمروا المقاهي ليلة الزيارة المشؤومة لملك إسبانيا إلى المدينين المحتلتين كيف كانوا يصفقون ويطبلون للفريق الإسباني، في حين كان المغاربة الأحرار الذين لا يرضون بالذل والهوان يحتجون ويتظاهرون وينددون على الحدود وفي كل أنحاء الوطن العزيز لهذا الخرق السافر والاستهزاء المفضوح لكرامة المغاربة وعزتهم، اسألوا شركة “فيفاندي الفرنسية” عن شركة اتصالات المغرب كم تدر عليها من الأرباح وكم  عوضت لها من الخسائر المادية في فرنسا أليس المغرب والمغاربة أحق بها من المستعمر الغاشم؟!

اسألوا مدينة مكناس عن “مهرجان تذوق الخمور” الذي شارك في تنظيمه كل من المجلس الجهوي للمدينة والقنصلية الفرنسية تحت شعار “مكناس مدينة الخمور” أما رئيس المجلس الجهوي للسياحة فقد صرح لجريدة المساء عدد 364 أن تنظيم هذا الحفل لتذوق الخمور جاء باقتراح من القنصل العام الفرنسي وهو الاقتراح الذي استحسناه لأنه سيعطي دفعة قوية لقطاع السياحة بهذه المدينة التي شاء الله أن يخصها بنعم ثلاث وهي : العنب والثمور والزيتون.

وإذا كان ملك إسبانيا قد اختار عيد المسيرة الخضراء للقيام بزيارته فإن القنصل الفرنسي قد اختار الزمان ليقول للمغاربة بأن تعاليمه هي التي تسري فكان يوم عيد المؤمنين وعند أداء صلاة الاستسقاء وفي أيام عيد الاستقلال وفي ذكرى عودة محمد الخامس عليه رحمة الله من المنفى. عذرهم الوحيد هو أن يوم الجمعة يناسب أجندة السفراء المدعويين.

– اسألوا باريس لماذا حرمت طنجة والمغرب والمغاربة من معرض 2012 الدولي.

– اسألوا مدينة القصر الكبير عن فضيحة قوم لوط.

ثم اسألوا التاريخ عن أجدادنا كيف كانوا يوم كانوا يقاومون الاستعمار من أجل الاستقلال، عرف عنهم الاستعمار وعرف عنهم العالم كله أنهم أباة الضيم، أحفاد طارق وعقبة ويوسف بن تاشفين، وقبلهم أتباع محمد ، وعرف عنهم أنهم لا يرضون بالهون، فكان الاستقلال وكانت هذه الأعياد التي نفخر بها لأنها حصيلة جهاد طويل مع مستعمر غاشم وظالم.

وبعد هذا ألا يمكن أن نقول ونحن نحتفل بأعياد الاستقلال بأن استقلالنا يحتاج إلى استقلال؟ لأن أعياد الاستقلال التي نستقبلها بفرح وسرور واعتزاز لا يمكن أن تمر دون أن نتذكـر تلك التضحيات : فهذا الملك وولي عهده وأسرته يفضلون المنفى والسجن على أن يكونوا سجيني مُلْكِ بلا غاية ولا رسالة، وحبيسي قصور مع الذل والمهانة.

وهؤلاء المجاهدون الأشاوس الذين قدموا دماءهم في تلك المرحلة من مراحل التاريخ المغربي وأثبتوا فيها للدنيا أنهم لا يصبرون على الذل ولا يستكينون للظلمة و”المستعمرين”.

إن أعياد الاستقلال يجب أن تذكرنا بتلك الحوادث القاسية التي تعرض لها أجدادنا ملكاً وشعبا من شراسة المستعمر الدخيل وظلمه والتي لو سلطت على المهزومين من بني جلدتنا الآن لغدوا خبراً مطويا من أخبار التاريخ. ولكن للروح الجبارة والعزم العتيد ميزات عصمت أجدادنا وصانتهم من التخاذل والتراجع لأن الإسلام علمهم فنون الثبات والصبر حتى النصر ولأن الإسلام علمهم ألا يهنوا ولا يحزنوا ماداموا على الحق وماداموا يجاهدون من أجل نصرة الحق، شعارهم قول الله تعالى : {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين النــاس وليعلم الله الــذين آمنـــوا ويتخذ منكــــم شهداء}(آل عمران : 140).

– واسألوا إن شئتم جبال الريف وجبال الأطلس،

– اسألوا السهول والوديان اسألوا المساجد والزوايا،

– اسألوا الغابات والكهوف،

– اسألوا دماء الشهداء،

– اسألوا اليتامى والأرامل واسألوا المسجونين والمعذبين، والفدائيين والوطنيين.

واسألوا الحجر والشجر :

> هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

> هل جزاء المجاهد ذل وهوان؟

> هل جزاء القتل والتشريد انبطاح وانصياع؟

وصدق الشاعر إذ يقول :

هذا التراب دم بالدمع ممتزج

تهب منه على الأجيال أنسام

لو تنطق الأرض قالت : إنني جدث

فِيّ الميامين آساد الحمى ناموا

وبعد هذا أقول للمهزومين والله ثم والله لو كان المغرب يساوي عندكم شيئاً ولو كانت دماء المجاهدين عندكم لها اعتبار لما سمحتم للمستعمر أن يصول أو يجول أو يقترح أو يملي. ورحمة الله على الشيخ عبد الحميد ابن باديس الذي قال : والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ما قبلتها منها، لأني أخدتها من عند خير خلق الله محمد .

ثم إ نا لنرجو من الله العلي القدير أن تكون مناسبات الاستقلال فرصة خير وأداة قوة تجمع كلمة المغاربة كلهم تحت راية واحدة من أجل تحرير سبتة ومليلية وتقضي على الفتنة في الصحراء المغربية.

كما نسأل الله تعالى أن يحرر فلسطين ويطهر الأراضي المقدسة من رجس الصهيونية وأعوانها وأن يحرر العراق وأفغانستان والصومال وكل أراضي المسلمين وبذلك يتم للمسلمين عزهم ويعود لهم مجدهم وتكون أعياد المسلمين جميعاً مبعث فخر واعتزاز {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}(الروم : 4- 5).

عبد الحميد الرازي

1-2- مجلة المساء المغربية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *