آيات ومواقف – {ونبلو أخباركم}


ما أكثر عيوبك التي لا تريدها أن تنكشف لأحد أيها الإنسان، وما أكثر الأسرار التي تعمل جاهدا في إخفائها عن الآخرين، كل الآخرين!! بل إن لك عيوبا وأسرارا وأخبارا لو استطعت أن تخفيها عن نفسك لفعلت! منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي.

فهلا وقفت وقفة تأمل أيها الغافل عن اللقاء، وسألت نفسك بكل صدق وصراحة : ماذا لو انكشفت عيوبي واطلع عليها الناس؟ ماذا لو ظهرت للعلن أسراري ورآها الآخرون؟ ماذا لو تسربت أخباري وعلمها من اجتهد في إخفائها عنهم؟

إنه لموقف صعب جدا، وأنا أعلم أن خبراً واحدا من أخباري المخفية وسرا واحدا من أسراري المطوية إن ظهر دمر حياتي كلها!

ولكل منا عيوبه وأخباره، وإن كنا نشترك في بعضها، فإننا نفترق في بعض آخر، خصوصا ما تعلق بأخبار عصياننا لله، وتمردنا على دين الله، وارتكابنا لما يغضب الله، -وربما لا نشعر بذلك في أحيان كثيرة- ولو افتضح حالنالكان من أمرنا أسوأ ما يمكن أن يتخيل!!

وهنا دعني أسألك : هل فكرت جيدا في من يستر عليك عيوبك، ويحفظ عليك أخبارك وأسرارك؟

ستدرك -قطعا- أن الذي يفعل ذلك هو الستار الحليم، المنان الكريم، الذي يعلم سرك وعلانيتك، ولا يخفى عليه شيء من أمرك {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} فهلا استحييت منه، وقد أمرك الحبيب المصطفى  بذلك في قوله : >استحيوا من الله حق الحياء<!.

ثم دعني أسألك مرة ثانية : تذكر أن ما يستر عليك اليوم سينكشف غدا؟ وأن ما تخفيه من أخبارك وأسرارك الآن سيبديه الله تعالى يوم العرض عليه {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}؟

ستدرك -إذن- أن يوم القيامة يوم تنكشف فيه عيوبك، وتظهر أخبارك، ويرفع الغطاء عن أسرارك!.

ستنشر السجلات وقد دوِّنت فيها كل العيوب، وستتطاير الصحف وقد كتبت فيها جيمع الأخبار، ويأتي أمر الواحد القهار {اِقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} ويقولمن يقول {يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}.

وقبل أن تقف هذا الموقف الصعب، وأقفه معك، أذكرك وأذكر نفسي قبل ذلك بأن الله تعالى نبهنا إلى أنه جل وعلا سيكشف ما نستره، ويبدي ما نخفيه من أخبار وأسرار بقوله {ونبلو أخباركم}.

وقد فقه هذا المعنى، وفهم هذه الإشارة العارف الشهير الفضيل بن عياض رحمه الله فاجتهد في تقليل الأخبار التي لا تسره يوم القيامة، وتكثير ما ينفعه حينذاك. وكان له مع هذه الآية هذا الموقف العجيب :

قال ابراهيم بن الأشعث : كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال : “اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا”(1).

اللهم لا تبتلينا، ولا تفضحنا ولا تكشف عيوبنا، ولا تهتك أستارنا لا في الدنيا ولا في الآخرة يا أرحم الراحمين.

د. امحمد العمراوي

1- الجامع لأحكام القرآن 254/16.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *