من أوراق شاهدة – ذهـنية القابلية للمهانة المتجددة


(الوقت لا ينحني أمامنا ولكن نحن من ينحني أمام الوقت)، مثل روسي وجدت نفسي أمعن تدبيرا في معانيه، وأسوق نفسي سوقا في دروبه العميقة المثقلة بالصور والرسائل القوية،ونزغات المتربصين تنهال على جسد الأمة مناوشة تلوالمناوشة..

وحقا، ألسنا على المستوى البيولوجي نحن من ننحني إذ تشيخ أعضاؤنا وتفقد مرونتها وحذقها وبهلوانيتها أمام صروف الحياة، وتميل بالنتيجة إلى التقلص والانحسار والبطء المفضي أحيانا إلى الشلل، وبشكل مؤكد إلى الموت؟.. المغاربة في سياقاتهم اللغوية الفطرية والعفوية يقولون في معرض تعقيبهم على حدث ما، حول موت أوعيد سرعان ما رحل : (إلا مشا عيد كايجي عيد، اعمارنا اللي غاديين)..

إذن نحن من ننحني، بعد صلف وغرور، وضرب للأرض المستكينة بأرجلنا المعاندة لرؤوسنا، الشامخة المطاولة للسماء، ويظل الوقت أوالزمن، سمه ما شئت، بيد الخالق الجبار، يقلبه كيف يشاء، ولا حق لنا في الزج بالوقت في خانة الخيانة لدلالنا المستهتر بالوقت وقيمته التي لا تحابي أحدا.. غير أن هناك نوعا آخر من الانحناء، غير عضوي، بل هومعنوي، ويغطي زمن وتاريخ تخلفنا وانحنائنا الحضاري. ومخلفات هذا الانحناء أكثر كلفة ومشقة! ولنا في القصص القرآني كل الدروس والعبر بهذا الخصوص…

يضرب لنا سبحانه الأمثال البليغة في مشوار ومسيرة الأمم التي سبقتنا والسائرة دورتها في فلك سنة ربانية لا تتخلف، يمثلها قوله تعالى : {ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}(الأعراف : 34). ولا يزال سبحانه وتعالى في وخزات وخلخلات متواصلة، عبر محكم تنزيله، سبحانه وتعالى يدعونا إلى الاستعبار والتبصر واستخلاص التذكرة من حقب وعروش وحكام وعمران وقصور مشيدة، جاءها أمره تعالى فأصبحت هشيما تذروه الرياح، وذلك في اتجاه جعل الجرس والمنبه الحضاري بدواخلنا يظل يقرع مذكرا إيانا بأن الإنسان في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأن أعمار الأمم محدودة بحيز زمني حاسم في خسرانها أوفلاحها، وليس للشعوب من عزة إلا بإيمانها بقوله تعالى : {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.

وخارج هذا التصور وخارطة الطريق الربانية هذه، فإن الغافل والمحروم من الدوران في هذه الدائرة، قد ينظم وقته بشكل مذهل الدقة وبصرامة وانضباط الساعة الحائطية.. فلا عبث ولا لهو، ولكن، ركض وتخطيط ومشاوير ومواعيد، وانهماك واشتغال، بيد أن مجموع هذه الحركات تظل حركات للدنيا وزينتها ومطبوعة بالنقصان والفناء، والمحاسبة يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا صاحبة ولا ولد ، ويصدق في صاحبها قوله تعالى : {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}(الكهف : 103- 104).

إن الرسالية أنفس وأقدس تفكير يقود عربة الوقت إلى مآربها الجليلة والراشدة وعلى رأسها العزة والتمكين الذي يساوي التمدن والتحضر والتوازن والأمان والحب والتضامن والتواصل وما شئت من ألفاظ، تتشدق بشكلها الأمم المتحضرة ويظل مضمونها أبعد عن مجراتها المغرقة في التيه والظلال، وقد صاغ المعلم محمد تفاصيل هذه الرسالية التي تتدفق نورا على عين الله وبمشيئته وفق صراط مستقيم لا يزيغ عنه إلا هالك، ولا هالك إلا الذي يفصل الأرض عن السماء ويمضي سحابة يومه في عبادة الأرض، يكدح لها ويشقى، معتبرا الوقت غنيمة لا مسؤولية جسيمة، وإذا قلت له : اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل أدار لك بالدهر وقال لك بجفاء : (كل واحد غادي ينعس في قبرووحدو)!!

وبصيغة أخرى، فإن المدرسة الأولى المدرسة المحمدية عمرت وقتها بالإيمان والأعمال الصالحة وكان أهلها فرسانا بالنهار ورهبانا بالليل، فخضعت لهم الرقاب، ودلت لهم الأمم وانحنت لهم جباه القياصرة والأكاسرة، وجاءتنا انتصاراتهم على طبق من ذهب مرغناه في الوحل، وفعلنا فعل الشاعر الجاهلي امرؤ القيس حين أتاه خبر مقتل أبيه فقال قولته الشهيرة : (اليوم خمر وغدا أمر)!! ولازال الأمر كما هوعليه في مسلسل دوخات بلا عد ولا حساب، وللكثير من غافلينا، خمرتهم المجافية للوقت وللزمن، فإذا أفاقوا من سكرتهم رددوا المقولات العامية الشهيرة : (ما بقات بركة فالوقت، الوقت كا يطير الله يحضر السلامة، خزيت علا وقت). ثم عادوا إلى شخيرهم وإلى تنكبهم للمهمة السامية التي أناطنا الله بها، مهمة الاستخلاف.. فحقت علينا سنة الانحدار، وصدق فينا قوله تعالى : {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا عليهم السماء مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين}(الأنعام : 6)، وإن من أشد تجليات وتداعيات الانحدار إيلاما على سبيل المثال، تلك التي شهدنا فصولها في الأسابيع الأخيرة، حين تابعنا بكل رضوخ ومهانة، الزيارة الملكية للعاهل الإسباني وعقيلته إلى الديار المغربية السليبة سبتة ومليلية حيث رأينا في الملكة صوفيا بضحكتها الصفراء المتحدية وهي تحيي جماهير أرضنا المحتلة في سبتة، إيزابيلا الكاثوليكية التي نكلت بمغاربة الأندلس بالأمس، وتعود اليوم إلى مستعمرة لم يتغير في واقع خنوعها للمحتل شيئ يذكر، والأنكى من ذلك، رؤيتنا لمغربيات متحجبات يرفعن العلم الإسباني!!!، وبالتالي حق للملكة صوفيا أن تدوس كرامتنا وتخرق هدنة هشة بين مملكتين صديقتين، فقد خلخل قومها كرامتنا منذ زفرتنا الأخيرة وخروجنا من الفردوس الأندلسي المفقود في عدة محطات، وتلقوا كل شارات الضوء الأخضر التي تجعلهم يواصلون تغذية أمسهم الاستعماري تجاه المغرب..

لقد اختبروا بوصلاتنا الحضارية ووجدوها معطلة وقد تجمدت عدستها على ماض لا نفتأ نلوك عبقريته، دون أن نكلف نفسنا عناء التنقيب عن حصتنا في انبعاث هذه العبقرية..

وطالما ظلت القطيعة قائمة بين الأرض والسماء وظل المواطن المسلم مستعذبا خدره، وركضه وراء الزمن بمفهومه البهائمي ستتواصل حملات إذلالنا، وسيصدق فينا قول الشاعر : ما لجرح بميت إيلام.

ذة. فوزية حجبـي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *