مرحلة الجهر بالدعوة


10- الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة تخلصا من العذاب والفتن   2/2

 إحضار النجاشي المهاجرين، وسؤاله لهم عن دينهم، وجوابهم عن ذلك :

قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله  فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضُهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جِئْتموه؟ قالوا : نقول : والله ما عَلِمْنا، وما أمرنا به نبيُّنا  كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا، -وقد دعا النجاشي أساقفتَه، فنشروا مَصاحفهم حوله- سألهم فقال لهم : ماهذا الدينُ الذي قد فارقتم فيه قومَكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلَّمه جعفرُ بن أبي طالب ]، فقال له :

>أيها الملك، كنَّا قوما أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار، ويأكل القوي منَّا الضعيفَ؛ فكنَّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقْه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبدَه، ونخلعَ ما كنَّا نعبد نحنُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرَنا بصِدْق الحَديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحُسن الجوار، والكَفِّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور وأكل مال اليتيم وقَذْف المُحْصنات؛ وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت : -فعدد عليه أمورَ الإسلام- فصدّقناه وآمنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرَّمنا ما حرّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردُونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنَّا نستحلُّ من الخبائث، فلمَّا قهرونا وظَلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك؛ ورَغِبْنا في جوارك، ورجوْنا أن لا نُظلم عندك أيها الملك<.

قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت : فقال له جعفر : نعم؛ فقال له النجاشي فاقرأه عليَّ؛ قالت : فقرأ عليه صدراً من : {كهيعص}. قالت : فبكى والله النجاشيُّ حتى اخضلَّت لحيتُه، وبكت أساقفتُه حتى أخْضلوا مَصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، انطلقا فلا والله لا أُسْلمهم إليكما، ولا يُكادون.

مكيدة أخرى

قالت : فلما خَرجا من عنده، قال عمرو بن العاص : والله لآتينَّه غداً عنهم بما أستأصل به خَضْراءهم. قالت : فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتْقى الرَّجلين فينا : لا تفعل، فإنَّ لهم أرحاماً، وإِنْ كانوا قد خالفونا؛ قال : والله لأخبرنَّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عَبْدٌ. قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له : أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مرْيم قولا عظيماً، فأرسِل إليهم فسَلْهم عما يقولون فيه. قالت فأرسل إليه ليسألهم عنه. قالت : ولم ينزل بنا مثلُها قطُّ. فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا : نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبيُّنا، كائنا في ذلك ما هو كائن. قالت : فلمَّا دخلوا عليه، قال لهم ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قالت فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبيُّنا ، يقول : هو عبدُ الله ورسولُه وروحه وكَلِمتُهُ ألْقاها إلى مريْم العذراء البَتول. قالت : فضرب النجاشيُّ بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال : والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العودَ، قالت فتناخَرَتْ بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال : وإن نَخَرْتُمْ والله، اذهبوا فأنتم شيومٌ بأرضي -والشيُّوم : الآمنون- من سبَّكم غرِم، ثم قال : من سَبَّكمْ غَرِم، ثم قال : من سبَّكم غرم. ما أُحبّ أن لي دَبراً من ذهب، وأنى آذيت رجلا منكم(6)، ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ اللّهُ مني الرشوة حين ردّ عليَّ مُلْكي، فآخذَ الرَّشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت : فخرجا من عنده مقْبوحَيْن مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار.

النجاشي يتعرض للتمرُّد عليه بسبب موقفه

قالت : فوالله إنَّا لعَلى ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلْكه. قالت : فوالله ما علمتَنا حَزِنَّا حزْنا قطُّ كان أشدَّ علينا من حُزْنٍ حزنَّاه عند ذلك، تَخَوُّفا أن يظْهَر ذلك الرجل على النجاشيّ، فيأتي رجلٌ لا يعرف من حقِّنا ما كان النَّجاشي يعْرف منه. قالت : وسار إليه النجاشيُّ، وبينهما عرضُ النيل، قالت : فقال أصحاب رسول الله  : مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضُر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت : فقال الزبير بن العوّام : أنا قالوا : فأنت وكان من أحدث القوم سنّاً. فنفخوا له قِربَةً فجعلها في صدره، ثم سبَحَ عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها مُلْتقَى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم قالت : فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوّه، والتمكين له في بلاده. قالت : فوالله إنَّا لعَلى ذلك متوقِّعون لما هو كائن، إذ طلع الزُّبير وهو يسعى، فلمع بثوْبه وهو يقول : ألا أبْشروا، فقد ظفر النجاشيّ، وأهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده. قالت : فوالله ما علمتنا فرِحْنا فرْحةً قطّ. مثلها قالت : ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوَّه ومكَّن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منْزل، حتى قدمنا على رسول الله  وهو بمكة.

قصة تملك النجاشي على الحبشة

قال ابن إسحاق بسنده عن عروة بن الزبير قال : هل تدري(7) ما قوله : ما أخذ الله مني الرّشوة حين ردّ علي مُلْكي، فآخذ الرّشوة فيه، وما أطاع النَّاس فيّ فأطيع الناسَ فيه؟ قال : قلت : لا؛ قال : فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلا النجاشيّ، وكان للنجاشي عمّ، له من صلبه اثنا عشَر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها : لو أنَّا قتلنا أبا النجاشيّ وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإنَّ لأخيه من صُلبه اثنى عشر رجلاً، فتوارثوا مُلْكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهراً؛ فغَدَوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملَّكوا أخاه فمكثوا على ذلك حينا.

النجاشي يغلب على أمر عمه بحُسْن سعيه وإدارته

ونشأ النجاشي مع عمِّه، وكان لبيبا حازما من الرجال فغلب على أمْر عمِّه، ونزل منه بكلّ منزلة؛ فلما رأت الحبشةُ مكانه منه قالت بينها : والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمِّه،  وإنا لنتخوّف أن يملِّكهُ علينا، وإن ملَّكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَف أنَّا نحن قتلنا أباه. فمَشَوْا إلى عمِّه فقالوا : إمَّا أنْ تقتل هذاالفتى، وإما أن تخرجه من بين  أظهرنا، فإنَّا قد خِفْناه على أنفسنا؛ قال : ويلكم! قتلتُ أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أُخْرِجه من بلادكم. قالت : فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجّار بستمائة درهم؛ فقذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشيّ من ذلك اليوم، هاجت سحابةٌ من  سحائب الخريف فخرج عمُّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته. قالت ففزعت الحبشة إلى ولده فاذا هو محمَّق، ليس في ولده خيرٌ، فمرج على الحبشة أمرهم -أي اختلط بعد طول مغيب النجاشي عنهم-.

النجاشي يتولى الملك برضا الحبشة

فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض : تعلَّموا والله أن ملِككم الذي لا يُقيم أمرَكم غيرُه للَّذي بِعْتُم غُدْوةً، فان كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن قال : فخرجوا في طلبه، وطلَبِ الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه؛ ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير المُلْك فملَّكوه.

حديث التاجر الذي ابتاع النجاشي :

فجاءهم التاجرُ الذي كانوا باعوه منه، فقال : إمَّا أن تُعطوني مالي، وإمَّا أن أكلِّمه في ذلك؟ قالوا : لا نُعْطيك شيئا، قال : إذن والله أُكلمه؛ قالوا : فدونك وإياه. قالت : فجاءه فجلس بين يديه، فقال : أيها الملك، ابتعتُ غلاما(8) من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسْلموا إليَّ غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سِرْتُ بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي : لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعنَّ غلامُه يده في يده فليذهبنَّ به حيث شاء؛ قالوا : بل نُعطيه دراهمه، فلذلك يقول : ما أخذ الله مني رشوةً حين ردَّ عليَّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت : وكان ذلك أوّل ما خُبر من صلابته في دينه، وعدْله في حكمه(9).

النجاشي يتعرض لثورة أخرى :

قال ابن اسحاق بسنده :  اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشيّ : إنك قد فارقتَ ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه،  فهيَّأ لهم سفنا، وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فان هُزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرتُ فاثبتوا ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبدهُ ورسولهُ، ويشهد أن عيسى بن مريم عبدُهُ ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم؛ ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفُّوا له، فقال : يامعشر الحبشة، ألستُ أحقَّ الناس بكم؟ قالوا : بلى؛ قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا : خَيْرَ سيرة؛ قال : فما بالُكم؟ قالوا : فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبدٌ؛ قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا : نقول هو ابن الله؛ فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهد أن عيسى بن مريم، لم يَزِد على هذا شيئا، وإنما يعني(10) ما كَتَب، فَرَضُوا وانصرفوا عنه. فبلغ ذلك النبي ؛ فلما مات النجاشيُّ صلى عليه واستغفر له.

أ.ذ. الفضل الفلواتي

——-

6- والدبر : بلسان الحبشة : الجبل.

7- الشارح للقصة هو عروة بن الزبير عن خالته عائشة.

8- المقصود بالغلام النجاشي الجالس على سرير الملك، ولكنه لم يقل له : ابتعتك ففي ذلك سوء أدب.

9- قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، قالت : لما مات النجَّاشي، كان يُتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نورٌ.

10- قال السهيلي في التعليق على هذا الكتاب : >وفيه من الفقه أنه لا ينبغي للمومن أن يكذب كذبا صُراحا.. وفي المعاريض مندوحة من الكذب< انظر هامش ابن هشام 341/1 بتحقيق السقا وزميليه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *