التمويل البنكي بصيغة المضاربة


أهمية العمل البنكي بصيغة المضاربة

لاشك أن المقاول المغربي الذي يبحث عن تمويل بديل شرعي لمشروعه، يحتاج للعديد من الصيغ التي تعوض بصورة كاملة القروض التقليدية القائمة والمعروفة لديه والتي كلها تقوم على أساس الفائدة…

وإن ما أصبحت بعض البنوك في بلادنا تقدمه حاليا من صيغ تمويل بديلة كالمرابحة والإجارة والمشاركة ما هو إلا خطوة صغيرة في مجال التمويل الإسلامي…

والمطلوب في الواقع هو تقديم مختلف الصيغ الأخرى البديلة المعروفة على الصعيد العالمي لتمويل شريحة كبيرة من المجتمع وخصوصا المقاولين الشباب، وأفضل صيغة تهم هاته الفئة والعديد من المتعاملين مع البنوك والذين يتوفرون على الأفكار المبدعة ويحتاجون لرأس المال لتنفيذها هي التمويل بالمضاربة…

ولن يتأتى ذلك في نظرنا إلا بتطبيق هاته الصيغة بصورتها الكاملة كصيغة لاستثمار أموال المودعين الرافضين للفوائد الدائنة وكأداة لتمويل مشاريع المضاربين…

والجدير بالذكر في هذا المجال أن المضاربة هي أصل العمل البنكي الإسلامي والركيزة الأساسية لانتشار البنوك الإسلامية…

وبدون تطبيق صيغة المضاربة في البنوك المغربية لن تكتمل صورة التمويل البنكي البديل بالمغرب…

تعريف التمويل بالمضاربة

المضاربة في الشريعة مأخوذة من الضرب في الأرض أي السعي فيها في طلب الرزق والمعاش. يقول الله عز وجل {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله}(المزمل : 20).

ونجد في السنة بخصوص المضاربة ما رواه البيهقي عن ابن عباس قال: (كان العباس إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به بطن واد ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك فهو ضامن، فرفع شروطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه.)

وقد أجمعت الأمة منذ عهد الصحابة والتابعين من بعدهم على مشروعية المضاربة.

وعقد المضاربة في الشريعة هو عقد بين طرفين أحدهما يملك المال ولا يملك الخبرة في تشغيله واستثماره وهذا يسمى (صاحب المال) والطرف الآخر لديه الخبرة في تشغيل المال للإنتاج ولكنه لا يملكه وهذا يسمى ( صاحب العمل) مضارب بعمله.

من خلال هذا المفهوم يتضح أن بإمكان البنوك أن تكون مضاربة وتشغل أموال المودعين الذين يرفضون أخذ الفوائد على ودائعهم… وهذا موضوع آخر يهم جانب استثمارالودائع البنكية بالمضاربة لصالح المودعين والتي هي في الحقيقة مصدر الأرباح الطائلة التي تحققها البنوك … بينما نتطرق في هذا المقال إلى جانب المضاربة كصيغة تمويلية بديلة للمتعاملين المحتاجين لرأس المال لتنفيذ مشاريعهم…

ومن الناحية التطبيقية كما ذكرنا سابقا لا بد من توفر الجانبين لتكتمل صورة المضاربة وهذا ما هو مطبق في البنوك الإسلامية…

وبخصوص المضاربة التمويلية التي تهمنا، فهي شركة في الربح بين البنك ومتعامل واحد أو أكثر من الأفراد أو الشركات يكون فيها البنك صاحب المال والمتعامل، المفروض أن يتقدم بمشروع ناجح، هو صاحب العمل…

ويتم التمييز بين نوعين من المضاربة :

المضاربة المقيدة: هي التي يقيدها البنك من خلال العقد بزمان أو مكان أو نشاط اقتصادي محدد.

المضاربة المطلقة: هي التي يطلق فيها البنك من خلال العقد يد المتعامل، المضارب ليعمل في رأس المال بما يراه مناسبا لتحقيق الربح لفائدة الطرفين.

و يتم اللجوء إلى صيغة المضاربة في البنوك الإسلامية بعد الدراسة المعمقة للملفات لتمويل الأنشطة المربحة سواء كانت تجارية أو صناعية أو عقارية أو فلاحية أو غيرها من الأنشطة الإنتاجية أو الخدمات  المباحة شرعاً …

عناصر التمويل البنكي بالمضاربة

لا شك أن الوقت قد حان للتعريف من خلال الإعلام الهادف بالمزيد من المصطلحات الجديدة للتمويل الإسلامي بالمغرب، خصوصا بعد أن أصبح المتعامل مع البنوك أخيرا يتحدث عن صيغ تمويل كالمرابحة والمشاركة والإجارة بعد أن كان لا يعرف سوى القرض بالفائدة…

وبعد أن تعرفنا في المقال السابق على مصطلحات التمويل بالإستصناع

جاء دور التعريف بمكونات وعناصر التمويل بالمضاربة وهي أول ما ظهر على مستوى العمل البنكي الإسلامي…

المضارب: هو المتعامل مع البنك، طالب التمويل بالمضاربة والذي يباشر العمل في رأس مال المضاربة بعد موافقة البنك على ملف التمويل بهاته الصيغة البديلة للقرض التقليدي المعروف كالحساب الجاري مدين وغيره…

صاحب المال:  هو البنك الذي يقدم رأس مال المضاربة بعد دراسة ملف مشروع المتعامل (المضارب) دراسة وافية من كافة النواحي سواء منها المتعلقة بشخصية المتعامل وخلقه أو بالجانب التقني والاقتصادي لملف التمويل وهنا تكمن بالأساس خصوصية التمويل بالمضاربة أي في الدراسة المعمقة لملف التمويل لتجنب المنازعات المحتملة فيما بعد…

وقد سبق لنا أن تطرقنا لأصول وخصوصية الدراسة البنكية للتمويل الإسلامي في مقال سابق…

رأس المال: هو المبلغ النقدي الذي يسلمه البنك للمضارب المتعامل معه بعد توقيع عقد المضاربة

الربح : هو المبلغ الزائد على رأس مال المضاربة بعد حسم نفقاتها ويعرف عن طريق التنضيض.

الخسارة : هي النقصان الذي يصيب رأس مال المضاربة ويعرف بعد التنضيض.

نفقات المضاربة: هي النفقات التي يتم الاتفاق في عقد المضاربة على حسمها من أموال المضاربة قبل القسمة.

القسمة: توزيع الربح بين البنك والمضارب وهذه هي الخصوصية الأساسية للتمويل بالمضاربة…

التنضيض : تحويل أصول المضاربة إلى نقود ، فعلياً أو محاسبياً عن طريق تقييم الأصول في تاريخ محدد .

ضوابط التمويل البنكي بالمضاربة

من الناحية العملية ، هناك عدة ضوابط للتمويل بالمضاربة، متعارف عليها في كافة البنوك الإسلامية التي تعمل بهاته الصيغة منذ نصف قرن تقريبا ، وما على البنوك المغربية سوى اقتباس العقود المتوفرة والعمل بها -كما فعلت بخصوص الصيغ المتوفرة حاليا- بعد أن تنبهت أخيرا لأهمية التمويل الإسلامي في بلادنا وهاته الضوابط هي كما يلي:

1- يجب أن يكون رأس مال المضاربة الذي يقدمه البنك مبلغاً معلومأً وبعملة محددة.

2- إذا قدم البنك للمضارب أصولاً عينية يجب أن تقوم بالنقود لتحديد رأس مال المضاربة.

3- على البنك أن يمكن المضارب من رأس المال بالطرق المتعارف عليها بما في ذلك منحه سقفاً يكون رأس المال فيه تحت تصرفه عند الطلب كما هو الحال حاليا بخصوص تسهيلات الصندوق التقليدية ولكن بدون فوائد مدينة بطبيعة الحال.

4- ينبغي عند التعاقد تحديد نسبة اقتسام الربح بين البنك والمضارب.

ولا مانع من الاتفاق في عقد المضاربة التمويلية على نسبة مختلفة لتوزيع الربح الذي يزيد على مبلغ معين، ويجوز للبنك التنازل عن نصيبه

من ذلك الربح الزائد للمضارب.

5- الخسارة في المضاربة التمويلية يتحملها البنك إلا في حالات التعدي والتقصير ومخالفة نصوص العقد.

6- يد المضارب على رأس مال المضاربة التمويلية يد أمانة فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير. ومن الممكن أن ينص العقد على طرق متفق عليها لإثبات وقوع التعدي أو التقصير

7- في المضاربة التمويلية المقيدة يكون المضارب ضامناً لرأس المال إذا لم يلتزم بالشروط التي ألزمه بها البنك.

8- ليس للمضارب أن يستدين على حساب المضاربة وإن فعل يعتبر متعدياً ويضمن رأس المال.

9- يجوز أن يحدد العقد في المضاربة التمويلية النفقات التي تتحملها المضاربة والأعمال التي يلتزم المضارب بأدائها.

10- يجب على المضارب رد رأس المال زائداً الربح (إن وجد) أو ناقصاً الخسارة (إن حدثت) بمجرد التنضيض ، وإذا تأخر عن ذلك دون موافقة

البنك يعتبر المضارب غاصباً.

وفي الختام، نرى أن التمويل بالمضاربة يقوم في الأساس على الكفاءة والأمانة والصدق من جهة المتعامل مع البنك والمضارب بعمله، وهي من الصفات الجديرة بتوفرها في المقاولين الشباب وغيرهم لتفادي المنازعات البنكية التي يعرفها نظام القروض التقليدية القائم على الفائدة…

كما أن صيغة المضاربة بالإضافة إلى ما ذكرناه في المقدمة هي صيغة استثمار وتمويل بديلة مهمة جدا للنشاط الاقتصادي في بلادنا حيث يوجد كثير من الناس لديهم الكفاءة والقدرة على الإنتاج والعطاء ولكنهم يحتاجون لرأس المال المتوفر لدى فئة أخرى لا تعرف تشغيله ولذلك يمكن أن تساهم صيغة المضاربة، المطلوب من البنوك المغربية توفيرها، في إقامة مشاريع العديد من المتعاملين مع البنوك و بالتالي التخفيف من حدة البطالة وإنعاش الاقتصاد…

 ذ. مصطفى حادق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *