مــن أفضـال رمضـان على الأمــة 2/2 نماذج الانتصارات


ج- شهر الجهاد والتضحية :

على كل مسلم أن يكون جنديا لدينه، صبوراً على تحمل الشدائد لأجله، وذلك من بين ما تدل عليه مبايعة الصحابة للرسول  على السمع والطاعة في المنشط والمكره، بل على الموت كما في الحديث : عن يزيد بن أبي عبيد قال : >قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم النبي  يوم الحديبية؟ قال : على الموت<(رواه البخاري في الأحكام).

إن الجندية تتطلب إعداداً روحيا وماديا، وصيام رمضان إعداد للتحمل والصبر والجهاد، سمـاه رسول الله  بشهر الصبــر :

عن أبي عثمان أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله  يقول : >شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر<(رواه النسائى في الصيام).

وذهب بعض المفسرين إلى أن الصائمين هم الصابرون المذكورون في قوله تعالى : {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر : 10) وقد قال علي كرم الله وجهه : >كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا”(1).

إن أولئك الصائمين (الصابرين) ثم الذين انتصروا :

1- في غزوة بدر الكبرى : عن عبد الله بن مسعود ] قال في ليلة القدر : تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم غزوة بدر<(أخرجه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين).

وعنه أيضا قال : >التمسوا ليلة القدر لتسع عشرة صبيحة يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان<(أخرجه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين).

2- في فتح مكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد -وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا<(أخرجه البخاري في المغازي).

3- في عين جالوت على التتار (258 هـ)، في العشر الأواخر من رمضان، انتصر المسلمون، بعد أن يئست القلوب من النصرة، على قوم “ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه” كما قيل عنهم(2). ودور “سلطان العلماء وبائع الأمراء” -العز بن عبد السلام رحمه الله- في هذه المعركة معروف ومشهور.

4- في وقعة شقحب ضد التتار أيضا يوم السبت 2 رمضان إلى يوم الأحد 3 رمضان 702 هـ. “وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة(3) إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر، وفيه دخل الشيخ تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير..”(4).

وقد عرف الإعداد للمعركة صورا للتضحية تندر إلا في مثل المواطن الجهادية، تكفي الإشارة إلى الأمير سيف الدين الشمسي القشاش، وكان يعذب الناس تعذيبا وحشيا. فقد “خرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال لبس سلاحه وركب فرسه وهو في غاية الألم. فقيل له : أنت لا تقدر تقاتل، فقال : والله لمثل هذا اليوم أنتظر، وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا؟! وحمل على العدو وقاتل حتى قتل، ورئي فيه -بعد أن مات- ستة جراحات”(5).

5- في فتح جزيرة رودس في رمضان سنة 63 هـ، حيث أقام فيها المسلمون سبع سنين، ومعهم المفسر الشهير مجاهد بن جبر، يغزون الكفار في البحر ويقطعون سبيلهم، وكانت سنوات شديدة على الكفار.

6- في ابتداء غزو الأندلس سنة 91 هـ، بإغارة طريف بن مالك على الجزيرة الخضراء بأربعة مراكب في شهر رمضان، وعاد سالما غانما غنائم كثيرة.

7- في فتح أكثر الأندلس في رمضان سنة 92 هـ على يد طارق بن زياد رحمه الله..

وغير ذلك من الانتصارات الجليلة.

فانظر كيف أن أَهلَ الصيام -وهو صبر بضع ساعات فقط- سلف هذه الأمة إلى الصبر والتحمل عند بارقة السيوف.

أما المنهزمون في أنفسهم، اللاهثون -حتى وهم في رمضان- وراء المال الحرام والمتعة الحرام، فإنهم سيكونون أكثر انهزاما أمام أعداء الأمة “عنتحمل قسوة الكفاح والنضال أياما وشهورا وأعواما… إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلا لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير، ومن أعلن استسلامه في معركة نفسية تدوم ساعات، فقد حكم على نفسه بفقدان أول خلق من أخلاق المكافحين وهو الرجولة. ومن عز عليه أن يعيش في جو الرجال، فقد أخرج نفسه من معارك الشهداء والأبطال”(6). ومنها معركة الأمة ضد “إخوان القردة والخنازير”(7) وقتلة الأنبياء وعبدة الطاغوت… والذين ندعو الله سبحانه أن يرينا فيهم، في هذا الشهر المبارك يوما أسوداً يذكرهم بيوم خيبر.

د- شهر الاعتراف بالحاجة للخالق سبحانه :

إن هذا الشهر المبارك هو شهر الإحساس بقيمة نعم الله عز وجل علينا، يتساوى طوعا أو كرها، كل الأقوياء والملوك والأغنياء.. مع الباقين من عباد الله في الحاجة إلى نعمه سبحانه وطعامه وشرابه. “فلماذا يمنعون عن الشعب طعامه وغذاءه؟ لماذا يمنعون حقه، ولومنعهم الله أسباب القوة لكانوا مستضعفين في الأرض أذلة صاغرين”(8).

هـ- شهر للشعور بحرمان المحرومين ولوعة الجياع والمحتاجين :

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : >كان النبي  أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي  القرآن، فإذا لقيه جبريل \ كان أجود بالخير من الريح المرسلة<(أخرجه البخاري في الصوم).

فلماذا لا نجعل من رمضان مناسبة لإعلان الحرب على الظلم والفساد، والثورة على الخرافة والجهل، والتضامن من أجل قضايا الأمة وخاصة فلسطين؟

اللهم أهل علينا رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، آمين.

ذ. حسن لمعنقش

—-

1- القرطبي، مصدر سابق، ص 241/4.

2- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبع وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر، ص 78/7.

3- الكسوة : قريةهي أول منزل تنزله إذا خرجت من دمشق إلى مصر (انظر معجم البلدان لياقوت الحموي).

4- ابن كثير، البداية والنهاية، ص 25/14.

5- ابن تغري بردي، مصدر سابق، ص 205/8.

6- د. مصطفى السباعي رحمه الله، أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة، ص 32.

7- من كلام لأمنا عائشة رضي الله عنها في حديث أخرجه أحمد.

8- السبــــاعي رحمه الله، مــــرجع ســـــابق، ص 42/41.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *