مرحلة الجهر بالدعوة -8- تعقيبات وتوضيحات


الابتلاء سنة ربانية

1) قال الله تعالى : {ولنَبْلُوَنَّكُم حتَّى نعْلَم المُجَاهِدين منكُم والصّابِرِين ونَبْلُوَ أخْبَارَكُم}(محمد : 32) وقال : {أمْ حَسِبْتُم أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّة ولَمَّا ياتِكُم مَثَلُ الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مسَّتْهُم البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ والذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إنّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب}(البقرة : 212).

وقال : {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُومِنِين على مَا أنْتُم عَلَيْه حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِن الطَّيِّبِ ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُم علَى الغَيْبِ}(آل عمران : 179).

2) جاء في الصحيح أن النبي  قال : >أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنْبِيَاءُ، ثُمّ الصّالِحُون، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ علَى حَسَبِ دينِهِ، فإن كَانَ في دِينِه صَلاَبَةٌ زِيدَ لَهُ فِي البَلاءِ<.

وجاء خبابُ بنُ الأرَث إلى رسول الله  وهو متوسدٌ بُرْدةً له في ظل الكعبة، فقال له : ألا تستنصر لنا؟! ألا تدْعُوا الله لنا؟ فقعد الرسول  وهو مُحْمَرٌّ وجهُهُ فقال : >كَان الرَّجُلُ فيمَنْ قبْلَكُم يُحْفَرُ له في الأرض، فيُجْعَلُ فِيه، فَيُجَاءُ بالمِنْشَار فيُوضَعُ على رأسه، فيُشَقُّ باثْنَتَيْن، وما يَصُدُّه ذَلِك عَن دِينِه، ويُمْشَطُ بِأمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُون لحْمِه مِن عظْم أو عَصَبٍ وما يَصُدُّه ذَلك عن دينه، والله لَيَتِمَنَّ هَذَا الأمْرُ حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صنْعَاءَ إلى حَضْر مَوْتَ لا يَخَافُ إلاَّ الله والذِّئْبَ علَى غَنَمِه. ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون<(رواه البخاري).

3) أمثلة حَيَّة :

أ- خباب بن الأرث ] كان من الذين يعذَّبُون ويُفتَنون بمكة لكيْ يَرْتَدَّ عن دينه، حيث وصَلَ به العذاب بأن ألْصَق المشركُون ظهْرَه بالأرض على الحجارة المُحْمَاة، حتى ذهبَ ماءُ مَتْنِهِ، أيْ ذَهَبَ لحْمُ ظهْرِه(1).

وكانت مولاتُه أمُّ أنمار الخزاعية تُحْمي حديدة فتضَعُها على رأسه، فكان ذلك سَبَبَ شكايته إلى الرسول .

ب- وكان مصعب بن عمير ] أنعَمَ غلام بمكة وأجودَه حُلَّةً، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمُّهُ مليئة كثيرة المال، تكسوه أرَقَّ الثياب وأليْنَها، وكان أعْطر أهْل مكَّة، وبَلَغ من كَلَف أمِّه به أنه يَبِيتُ وقَعْبُ الحَيْس(2) عند رأسه فإذا استيقظ أكل.

فلما أسلم بَصَر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر أمّه وقومه، فأخذوه وحَبَسُوه فلم يزل محبوساً حتى خرج إلى الحبشة في الهجرة الأولى.

قال سعد بن أبي وقاص ] : لقد رأيته جَهِد في الإسلام جُهداً شديداً حتى لقد رأيتُ جِلده يتحَشّف -أي يتطاير- تحَشُّفَ جِلْد الحيّة عنها.

ولقد استشهد بأحُد ] فكان في ثوبٍ، إن غُطِّي رأسُه ظهرت رجلاه، وإن غُطيت رجلاه ظهر رأسه، فأمر رسول الله  الصحابة بأن يُغطوا رأسه، ويضَعُوا على رجله نباتَ الإدْخر فتأثَّر ، ونبَّه الصحابةَ إلى ما يفْعَلُه الإيمانُ في نفوس أصحابه، فقال : >ما رَأَيْتُ بمكَّةَ أحداً أحْسَن لمَّةً، ولا أرَقَّ حُلّة، ولا أنْعَم نِعْمة مِن مُصْعَب بن عُمَيْر، وهَا هُو لَيْس له ثوبٌ يُغَطّىهِ<(3).

الفــوائــد

1) حكمة الإبتلاء : الدين أمانةٌ ذاتُ تكاليف، أمانة ذات أعباءٍ، أمانةٌ ذات جُهْد وجهاد وتحمُّل تحتاج إلى صبْر عظيم، إنها أمانة الاستخلاف في الأرض، أمانةُ ترْسية مبادئ العَدْل والمساواة والكرامة للإنسان ولكل كائن حيٍّ، أمانة إزاحَةِ الباطل والمبطلين، أمانة تشطيب الأرض وتنظيفها من الظلمة المجرمين… وأمانة مثل هذه لا يقدر على حَمْلها إلا المخلصون المتجردون الذين يوثرونها على الراحة والدّعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع القريب والإغراءالرخيص، لا يقْدِر على حمْلها إلا الذين شَقُّوا لأنفسهم طريق الآخرة، واختطوا لأنفسهم طريق الفوز بالرضا والرضوان من الرحيم الرحمان.

لذلك كانت حكمة الابتلاء تصفيةًَ للنفوس من كُلّ العوائق والشهوات، وتجريدَها من كل المثبِّطات الدافعة للإخلاد إلى الأرض، فكما لا يقْبَل الله تعالى شريكاً معه في العبادة فكذلك الآخرة لا تقبل شريكا في القَصْد والتوجُّه والغاية، قال  : >مَنْ أصْبَح والآخِرةُ أكْبرُ هِمِّه جَمَع اللَّه شمْلَهُ، وجَعلَ غِنَاهُ في قلْبِه، وأتتْهُ الدُّنْىا وهِي راغِمةُ، ومَنْ أصْبَحَ والدُّنْيا أكْبَرُ هَمِّه جَمَع اللّه شمْلَه، وجَعَل غِنَاهُ في قَلْبِه، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهِيَ رَاغِمةٌ، ومَنْ أصْبَحَ والدُّنْيا أكْبَرُ هِمِّه فَرَّقَ اللَّه عَلَيْه شمْلَه، وجَعَل فقْرهُ بَيْن عَيْنَىْه، ولمْ يَأتِه مَن الدُّنْىا إلاّ ما كُتِب لَهُ<(رواه الترمذي).

2) أنواع الفِتن : الفتن التي تعرض لها الصحابة هي فِتنةٌ الإذاية والتعذيب، وفتنة الحصار والتجويع، وفتنة الاستهزاء والتسفيه، وهي فتنةٌ نفسيةٌ وإعلامية، وفتنةُ التفليس التجاري والمالي لإيقاع العجز بالطاقة الاقتصادية، وفتنة انعدام النصير والمنَعة، وانعدام القدرة على مواجهة الطغيان الطاغي.. وهذه الفتن وغيرها كلُّها واجهَهَها الصحابة بصَبْرٍ وجَلَد، وصمود وثبات.

إلا أن أبواب الفتن لا حصر لها.

> فهناك فتنة الأهْل  والأقرباء والأولاد و الجيران الذين يخشون البأس فيضغطون لنشدان السلامة، وإيثار العافية والراحة والدّعة مقابل الاستسلام لمخططات الجهل والكفران.

> وهناك فتنةُ إقبال الدنيا على من امتَطَى ظهْر الدّعوة حتى اغْتَنَى فَاسْتَغْنَى، وأدْبر فتولَّى نسأل الله عز وجل الثبات والسلامة.

> وهناك فتنة رؤية أهل الباطل منتفشين ظاهرين، ورؤية أهل الحق مُهمَلين منكَرين لا يشعربهمأحَدٌ، ولا يُبالَى بهم.

> وهناك فتنة الانقسامات داخل التيارات الدّعوية لأسباب لا تَعْدُوا أن تكون تضخيماً لحظوظ النفس، وتعذية لروح العصبية المنتنة(4).

3) آفة الاستعجال : للاستعجال آفات كثيرة منها :

> القنوط وعدم الرضا التام بما قدرهُ الله تعالى : وقد شعر الرسول  بما اعترى خباباً من التبرُّم والتضجُّر لكثرة ما لقي من العذاب، ولذلك قام وهو محمر الوجه، وقال ما قال، ليبيّن له طول الطريق وفداحة الثمن.

> الارتداد : فالكثير من الشباب المتحمس بدون فقه ولا ضوابط يُصاب بالاحباط عندما تطول الطريق، فينقلب رأساً على عقب والعياذ بالله.

> شق الصفوف :  للتنفيس عن أهواء مكبوتة، ونوازع مبطنة بالشبهات.

> الجهل بسنن الله تعالى : حيث قضى الله تعالى ألا يتنزل النصر إلا وقد صَفَتْ النفوس من كل نوازع الهوى، ونوازع المصالح الذاتية، ولا سبيل لذلك إلا بشدة الابتلاء، التي تخرج الدعاة{للذِين لا يُرِيدُون عُلوّاً في الأرْض ولا فسَاداً}(القصص : 83).

أ.ذ. الفضل الفلواتي

—-

1- محنة المسلمين في العهد المكي 95 نقلا عن السيرة النبوية للصّلاّبي 269/1.

2- القعب : القدح الغليظ مثل الكأس الكبير، والحيْس، تمر وأقِط أي جُبْن وسمْن، كُلَّ ذلك يُخلط ويُعجن.

3- السيرة النبوية للصلابي 268/1.

4- انظر الظلال 2720/5.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *