بلاغ للعالم في شهر القرآن: الإسلام غير قابل للنفي والاجتثاث


ننطلق من الظرف الزمني الذي يظلنا الآن لكي نلتقي- لقيا عقل ومعرفة وحب- بأمتع وأسعد وأبهى لحظة في التاريخ البشري والوجود الانساني: لحظة نزول القرآن في غار حراء بمكة على النبي العربي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ..

فلقد ابتدأ نزول القرآن في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، او في عام 610 للميلاد. فرمضان- من ثم- موسم جليل وجميل لتوثيق الصلة وتجديدها بالقرآن..

وإذ يقبل المسلمون على تلاوة القرآن في شهر رمضان- بوجه خاص- فإن هذا الاقبال ينبغي ان يستضيء ويسمو ويزكو بالحكمة العظمى من التلاوة وهي (تدبر) آيات هذا الكتاب المجيد وفهمها: ببصر ذكي وبصيرة مجلوّة. إنما نزل القرآن للتفكر فيه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}(سورة النحل).. ونزل القرآن للتدبر في آياته: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}.

ومن الآيات العظام التي يلزم تدبرها -بتفتح عقلاني وفكري، وبوعي تاريخي، وبفطنة معرفية-: آية المائدة التي تتحدث عن (كمال الدين) و(تمام النعمة)، وهما كمالٌ وتمامٌ اقترنا بـ (تيئيس) الشانئين من النيل من الاسلام: تيئيسهم من نفْيه من الكوكب، او اجتثاثه والقضاء عليه.

وهذه المفاهيم الرئيسة الثلاثة هي محور هذا المقال: مفهوم كمال الاسلام.. ومفهوم تمام النعمة.. ومفهوم صب اليأس في نفوس الذين يحاولون مكافحة الاسلام: بعد ان كمل منهجه.. وتم بلاغه للناس.

والآية المقصودة هي الآية الثالثة من سورة المائدة: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع.. روى البخاري ومسلم: أنه جاء رجل من اليهود الى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت، معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.. قال (أي عمر): وأي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. فقال عمر: >إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت على رسول الله  بعرفة في يوم جمعة<.

هذا هو العام الذي ودَّع فيه النبي هذه الحياة، وودَّع فيه أمته.. وهذا العام نفسه هو عام (النجاح التام) و(النصر الكامل) وهما نجاحٌ ونصرٌ يُلْقيان اليأس المطلق في نفوس الذين كانت أمنيتهم: القضاءَ على الإسلام، واجتثاثَه من  فوق الأرض..

وهذه الأمنية لم تكن مجرد رغبة مكنونة في النفس، بل تمثلت أمنيتهم في صور كيدية عدوانية تطبيقية عديدة منها: صورة الشتم والقذف بأسوأ الأوصاف: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}(سورة الحجر). وصورة الاستهزاء والضحك الساخر والتغامز في المؤمنين: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون}.. وصورة (التشويش) على الرسالة لئلا تصل إلى السامع صافية نقية واضحة: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}(سورة فصلت).. وصورة (الصد عن الإسلام) ورصد ميزانيات مالية لبلوغ هذا الهدف: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله}(سورة الأنفال).. وصورة الاستهداف الشخصي للنبي: بالسجن أو الاغتيال أو النفي: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}(سورة الأنفال).. وصورة الحرب الشاملة في بدر وأحد وغيرهما: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون}(سورة النساء).

نعم.. بيَّت خصوم الإسلام النية على اجتثاثه، وأخرجوا نيتهم هذه في الصور العملية الآنفة. وكانوا يعلقون آمالاً كبارا على تحقيق أهدافهم وغاياتهم هذه.

أمّا وقد خابت محاولاتهم كلها، فإن (المكسب الوحيد) الذي حصل عليه الكفرة الذين كرهوا الاسلام وحاربوه بضراوة.. المكسب الوحيد (!!!) هو (اليأس التام).. {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}.. أو الانتحار بشنق أنفسهم بالحبال مثلا: {من كان يظن أن لن ينصُرَه الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظُر هل يٌذهبنَّ كَيْدَه ما يغيظ}(سورة الحج).

والدرس المستخلص من ذلك هو: أن استعصاء الإسلام على النفي والكبت والاجتثاث والالغاء: (حقيقة كبرى) وثَّقها الواقع التاريخي، والواقع الراهن.

أولاً: توثيق الواقع التاريخي.. فمن هذا التاريخ الموثق: الوقائع الحاسمة التي ذكرت قبل ثوان.. يضاف إليها:

إن خصوم الإسلام شنوا عليه حروبا ضارية ساخنة دامية منها: الحروب الصليبية.. والاجتياح التتري.. ثم حملات الاستعمار.. ثم أداروا ضده (الحروب الباردة): الفكرية والثقافية عبر قرون متعاقبة وهيحروب ابتدرتْها وقادتْها جيوش الاستشراق التي تخصصت في هدم كل شيء ذي علاقة بالإسلام والقرآن والسنة: من العقيدة إلى النحو.

شهادة التاريخ الموثق تقول: إن ذلك كله قد سقط واندحر، وإن الإسلام عاش وبقي وواصل مسيرته بثبات.

ثانياً: توثيق الواقع الراهن.

كم عقود من الزمن مرت على محاولة (سلخ) تركيا -بالإكراه- من الإسلام: سلخاً تناول الأصول والفروع، وشمل المضامين والمظاهر والرموز؟

مر على ذلك اكثر من ثمانين عاما.. فماذا كانت الحصيلة بعد هذه العقود المتطاولة؟..

الحصيلة هي (عودة) الشعب التركي الى ربه، والى اسلامه: باقتناع حر.. واختيار حر وثَّقَتْه صناديق الاقتراع: في متوالية متصاعدة النسبة، وخَطٍّ بياني متجه الى أعلى دوما.

وقد تنشأ -ها هنا-  شبهتان، او ينشأ سؤالان هما: لماذا الاستشهاد بـ (الحالة التركية) وهي حالة (ناقصة) بمعنى: ان الاسلام فيها (اسلام شعب)، لا (إسلام دولة)..

والجواب هو: ان هذا المعنى المعترض هو ذات المعنى الحجة في المسألة، ذلك ان الأمر المستشهد به هو عودة الشعب التركي الى إسلامه، الى (تطبيع) علاقته بممارساته الدينية في غير ما سرّية، ودون حرج، ولا خجل، ولا اتهام.. اما الدولة فلها حساباتها وظروفها، وعليها قيودها المفهومة..

والشبهة الثانية هي: ان الشعب التركي ما كان ليعود الى الاسلام، لو كانت هناك جدية في إبعاده نهائيا عن الاسلام.. وعماد هذه الشبهة هو ان (التقصير الفادح) في (نشر الالحاد وتأصيله) أدى الى حنين الاتراك إلى الايمان فكان ما كان.. وهذه شبهة متهافتة لا تكاد تظهر حتى تخنس وتسقط..

فهناك (تجربة إلحادية كاملة): نظَّر لها ومارسها الاتحاد السوفيتي- سابقا-: تجربة رسمية ذات اولوية مطلقة في استراتيجية الدولة السوفيتية وهي استراتيجية ترتكز على مسلمة يقينية لا جدال فيها عندهم: مُسَلَّمة: أن الإلحاد شرط موضوعيٌّمن شروط (الاشتراكية العلمية).. وبناء على هذا: صبّت مفاهيم الالحاد صبًّا هائلا في مناهج التعليم -من رياض الاطفال الى الدكتوراه-.. وفي برامج الثقافة والفلسفة والفكر والاعلام والتوجيه، بما في ذلك (ثقافة راقصي الباليه وراقصاته).. إن هذه استراتيجية (إلحادٍ منظم) فرُضت على شعوب الاتحاد السوفيتي بقوة القانون والدستور والحزب والجيش واجهزة البوليس السري.. فماذا كانت الحصيلة؟..

الحصيلة هي عودة المسلمين الى إسلامهم بشغف وجدٍّ وهمّة.. فتَسْبِيب العودة الى الايمان: بالتقصير في نشر الإلحاد وتأصيله، انما هو تسْبيبٌ غيْر علميٍّ وغير واقعي بدليل ان الاتحاد السوفيتي لم يقَصِّر قط في ذلك، بل بالغ فيه أيَّما مبالغة.

وعلى الرغم من ذلك: عاد المسلمون هنالك الى إسلامهم وظهر أن فيهم من كان يحفظ القرآن، او أجزاءً منه: في ظل الاتحاد السوفيتي نفسه!!..

وهنا ينفسح المجال للتدبر العميق من جديد في آية المائدة: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخْشَوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا}(المائدة : 3).

ماذا عسى ان يفعل خصوم الاسلام: بعد أن بلغ المنهج كماله.. وبلغت النعمةُ تمامها؟.. ماذا عساهم ان يفعلوا بعد ان بلّغ النبي الرسالة بلاغا كما أمر أن يبلغها؟ وأدى الامانة الاداء الاوفى؟! وبعد أن أشهد الله تعالى وأشهد امته- في حجة الوداع- على اداء البلاغ: تماما على الوجه الأحسن؟.. ماذا عساهم ان يفعلوا بعد ان عصم الله نبيه من أن يُقْتَل أو يغتال: {والله يعصمك من الناس} حتى لحق بالرفيق الاعلى بسلام؟!

كلا. ليس في إمكانهم ان يفعلوا شيئا من ذلك، بل الواقع انهم عجزوا- بإطلاق- عن ان يفعلوا شيئا من ذلك.

لقد فات- الى الابد- وقْتُ وأْد الاسلام، والغاء وجوده. ولم يبق لشانئيه ومحاربيه الا (اليأس) الدائم الذي لا سقف له، حيث إن كمال الدين، وتمام النعمة قد اطَّردا في الزمن الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حصحص الحق وعلمنا- بيقين- ان الاسلام دينٌ غيرُ قابل للنَّفْي والاجتثاث والإبادة.

وإذْ يسْطع سنا هذه الحقيقة الكبرى- المعرفية والتاريخية والواقعية- سُطوعًا موصول التألق، فإن ناسا من الناس لا يزالون يتوهّمون انه يمكن القضاء على الاسلام، أو إطفاء نوره.

فماذا وراء هذه (الغباوة) العجيبة؟

وراءها عوامل وأسباب كثيرة منها:

1- أن من البشر- في كل زمان ومكان- من يهْوى التلذُّذَ بـ (الوهم)، ولا يريد ان يرى الحقائق التي تحْرِمُه من هذه اللذة الوهمية.. وهذه (علة نفسية) يتطلب علاجُها: أطباءَ نفسيين مهرة.

2- قياسُ الإسلام على الاتحاد السوفيتي.. فبعْد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط (الآيديولوجية الشيوعية) التي كان يرتكز عليها: عقديا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا. بعد ان وقع هذا: طفِقَ أقوامٌ يبشِّرون بـ (انهيار الاسلام): قياسا على ما جرى للشيوعية.. وهذا قياس خُرافيٌّ أو مجنون (لعل هذا الوصف ألْطف من وصف اللؤم والخبث والتعصب المريض)..

فالاسلام دينٌ وليس آيديولوجية -بمعناها الموسوعي أو مفهومها الفلسفي-.. وهذه الآيديولوجية الشيوعية التي أدبَرَتْ كانت تحْمل في أحشائها عوامل فنائها.. على حين أن الإسلام يحْمِل عوامل بقائه وخلوده في صميم منهجه المصدري والعقدي والتشريعي والأخلاقي..

والدليل على هذه المفارقة: ان الآيديولوجية الماركسية اندحَرَتْ خلال عقود سبعة فحسب (1917- 1985) بينما بقي الاسلام حَيًّا على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، ولا يزال يتقدم: بإقبال أهله عليه من جديد، وبدخول ألوف المسلمين الجدد فيه..

يُضَمُّ الى ذلك ملْحظ جدّ مهم، وهو على عكس ما يتوقعه المتعجلون بنعْي الاسلام: ملحظ : أن سُقوط الايديولجيات المتهافتة يتضمّن فرصة حقيقيّة لتقدم الاسلام.

فالشك العاصف في أصول الكفر والإلحاد: مقدمة منهجيّة للايمان الحق الذي هتف به منهج الاسلام.

3- ان قياس الاسلام على الاتحاد السوفيتي أصبح- على فساده- نظريات واستراتيجية تفرض نفسها كخيار وحيد للتعامل مع الاسلام.. ومن ذلك: نظرية الصهيوني المتعصب ناتان شارانسكي الذي دعا بصراحة الى تطبيق الحرْب الباردة التي كانت مُسلطة على الاتحاد السوفيتي: تطبيقها على الاسلام..

كذلك فإن تقرير مؤسسة (راند) الامريكية لعام 2007 صاغ استراتيجية حرب باردة تنزع الى تقويض الاسلام -من الداخل- في أصوله الثابتة: العقيدة والشريعة.. والمصادر الخ.

إن هذه الأماني والنظريات والاستراتيجيات محكومٌ عليها -كلها- بـ (الخيبة التامة المطلقة).

لماذا؟

أ- لأن الله جل ثناؤه قال: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا}. واذا قال الله، فلا رادَّ لقوله، واذا اراد فلا معقِّب على ارادته، لأنه {فعال لما يريد}، ولأنه {يحكم ما يريد}: لا إله إلا هو}.

ب- لأن كمال الدين ارتبط في هذه الآية بـ (تيئيس) أعداء الاسلام من النيل منه. ومن المفاهيم المهمة هنا: ان اعداء الاسلام ربما كان عندهم (أمل) قَبْل كمال الاسلام. أما بعد أن كمل، فإن أملهم قد انقطع الى الأبد (من معاني اليأس في اللغة: انقطاع الأمل).

جـ- ان الواقع التاريخي يُصدق مضمون الآية ويوثقه.

د- ان الواقع الراهن يصدق -كذلك- مضمون الآية ويوثقه.

نقول هذا: لعل بقايا عَقْلٍ لدى خصوم الاسلام تُقنعهم بأَنهم يخوضون معركة خاسرة، أو لعل عقلاء من أقوامهم ينصحونهم من باب المنفعة الذاتية التي تحُضُّ صاحبها على عدم إهدار طاقاته في سبيل أمَانٍ وأوهام لن تتحقق قط.

ثم ان النصح مبذول لأقوام في أمتنا يحاولون تكرار التجارب الخائبة، وكأنهم لا يقرؤون ولايشاهدون ولا يسمعون ولا يشعرون ولا يعقلون!!!

ذ. زين العابدين الركابي

> الشرق الأوسط ع 2007/9/15 (10518)

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *