النظام الأسري في الإسلام بين التشكيك والتفكيك


ما هو النظام الأسري؟ وما موقعه داخل النظام الاجتماعي العام؟ ولماذا محاولات التشكيك والتفكيك متجهة صوب النظام الأسري الإسلامي؟ وأين تتجلى هذه المحاولات؟ وإلى أي حد استطاعت النيل من هذا النظام؟

1- مفهوم النظام الأسري:  يعني مجموعة القيم والضوابط التي تحدد طبيعة الأسرة ومكوناتها ووظائفها وعلاقاتها وأشكال تكوينها وتنظيمها، ويكون النظام الأسري النواة الأولى للنظام الاجتماعي والثقافي و جزءاً لايتجزأ عنه.

2- أهمية النظام الأسري : يعتبر النظام الأسري واحدا من الأنظمة الاجتماعية والثقافية داخل أي مجتمع، مثله مثل النظام السياسي واللغوي، والاقتصادي لكن النظام الأسري يعتبر أهم هذه الأنظمة لكونه هو الأساس لما بعده وهو الأصل وما دونه مجرد فروع ونواتج، فالأسرة هي النواة الأولى التي ينشأ منها المجتمع وتتأسس سائر التنظيمات الاجتماعية الأخرى، كما أن النظام الأسري هو الإطار الذي يضمن للمجتمع البقاء والاستمرار على المستوى البيولوجي (التناسل والتوالد) وعلى المستوى الثقافي (نمط التفكير والتعبير والتدبير).. ولما كانت الأنظمة الأسرية ليست واحدة في المجتمعات الإنسانية بل هي متعددة ومتباينة لتباين ثقافات هذه المجتمعات وعاداتها وتقاليدها وأنماط التدين والاعتقاد فيها فقد لحق الفساد كثيرا من الأنظمة لفساد أشكال تدينها وانحراف معتقداتها.

ولهذا السبب جاء الوحي الإلهي لتسديد العقل البشري لتنظيم حياته الأسرية وتشريع ما يصلحها ويصلح المجتمع، بدءا من نظام الزواج إلى نظام العلاقات الزوجية والعلاقات مع مكونات الأسرة إلى نظام الملكية داخل الأسرة وكيفية انتقالها إلى الورثة، إلى نظام التربية وأصولها ووسائلها.

ويقوم النظام الأسري في الإسلام أساساً على القيم الخلقية الفاضلة التي أقرتها الشرائع السماوية الصحيحة وتلقتها بالقبول العقول الصريحة كما أنه نظام يستجيب للفطرة السليمة ويتماشى مع القيم الإنسانية المثلى.

وقد ساعد احترام هذا النظام في تاريخ المسلمين في استقرار أوضاعهم وصلاح أحوالهم، فقلت الأمراض الاجتماعية، وضعفت مظاهر الانحراف عن القيم الإنسانية المثلى، ونما الخير في كل جوانب الحياة الاجتماعية نمواً سليما كان من أبرزثماره الحفاظ على الوحدة الفكرية للأمة، ونقاء الأعراق، والحفاظ على استمرار الدين الإسلامي وإنجاب أفراد قوة في الذكاء والفطنة والجد والاجتهاد هم الذين كانوا القنوات السليمة في الإبداع، في الفكر والثقافة الإسلاميين وفي نقلها بأمانة وصدق وحرص إلى من يليهم من الأجيال.

لكن هذه الأسس الشرعية للنظام الأسري الإسلامي، وهذه الجهود الإنسانية الصادقة في ترسيخها وتدعيمها سرعان ما تعرضت لحملات التشكيك المغرضة. ومحاولة تفكيك بنياتها وتحطيم أدواتها وهدم أعمدتها من قبل أصحاب الأهواء الفاسدة، ومهندسي الفوضى في العلم الإنساني، فما هي محاولات التشكيك والتفكيك؟ وما هي مظاهرها ونتائجها؟.

3- التشكيك في ثوابت النظام الأسري الإسلامي وأهمها :

أ- ثابت النظام الأسري في الإسلام هو كونه ذا مصدر رباني، والتشكيك في ربانيته معناه ربطه بالإنسان والمجتمع حتى يكون قابلا للطعن فيه ورفضه باعتبار بعده الزماني والتاريخي وكونه غير مقدس بل يمكن استبداله بأي نظام آخر يناسب الإنسان حسب عصره وطرق تدبيره لحياته!!

ب- التشكيك في كون النصوص الشرعية (القرآن -السنة -الإجماع) الواردة في شأن تنظيم الحياة الأسرية نصوصا غير قطعية بل هي نصوص تقبل الاجتهاد وفق النظر المصلحي!! وذلك بقصد فتح الباب أمام كل مغرض للي أعناق النصوص وفق الأهواء والمصالح.. وترتب عن هذا تشكيك ثالث هو :

ج- التشكيك في صلاحية النظام الأسري الإسلامي للتطبيق في كل زمان ومكان!!

4– التفكيك : وشمل تفكيك جميع بنى النظام الأسري من حيث أسسه العقدية وعلاقاته ووظائفه ونظام التنشئة والتربية الأسرية.

فمن حيث بنية النظام الأسري يلاحظ ما يلي :

– أن الأسرة المسلمة المعاصرة لم تعد قادرة على التوسع أفقيا (عدد الزوجات -الأعمام- الجد الجدة…) ولا عموديا (عدد الأبناء) كما كان الحال سابقا إذ كان مفهوم الأسرة يتجاوز الزوجين والأبناء إلى الأسرة الكبيرة التي يسيرها الجد بينما اليوم لم يعد إسم الأسرة يطلق إلا على الزوجين وابنين أو ثلاثة على الأكثر كما هو حال الأسرة المغربية!!

– أن الأسرة المسلمة أخذت تتقلص علاقاتها الحميمية مع مكوناتها.. بعد طرد الجد والجدة، والأعمام.. ومحاولة الاستقلال بذاتها منفردة، بل هذه العلاقات الحميمية بدأت تفقد قوتها بين الزوجين لدخول مفاهيم نظام الأسرة الغربية (كمفهوم الالتزام والشراكة، وتعدد الغريمات أو العكس..) مما جعل النظام الأسري أكثر هشاشة، كما بدأت العلاقات بين الآباء و الأبناء تفقد قوة رباطها بدعوى التقليد للغرب في حرية الأبناء واستقلالهم مبكراً في اتخاذ القرار والتصرف بدون رقابة الوالدين أو توجيههما..!

– ومن حيث الأسس العقدية فقَدْ فقدت الأسرة المسلمة المعاصرة كثيرا من خصائص التصور الإسلامي لنظام العلاقات الزوجية والأسرية وأصبح الطابع الإسلامي طابعا ظاهريا وسطحيا ليس  إلا سواء في مستوى التصور الإيماني أو في السلوكات الخارجية كاللباس، أو الآداب الإسلامية التي ينبغي للأسرة الالتزام بها وتربية نشئها عليها، وأصبحت هذه الحالة تزداد تفككا يوما عن يوم فأفرزت مظاهر سلبية كثيرة.

5– نتائج التشكيك والتفكيك :

ضعف التدين الأسري وتدني نسبة حضور الثقافة الإسلامية في التكوين الثقافي للأسرة فلم تعد الأسرة المسلمة المعاصرة معنية بتربية أبنائها ومحيطها بعناصر الثقافة الإسلامية (الأصول والفروع، والرموز، والتاريخ، والأهداف، والميولات…).

– ضعف التماسك الأسري والاجتماعي وضعف الرغبة في الالتزام بأسباب ذلك (الحب في الله والبغض فيه، التكافل، التعاون، الرحمة…) وأصبحت العلاقات بين أفراد الأسرة تكاد تكون علاقات مصلحية جافة وآنية تنحصر في ما هو دنيوي ومادي لا غير.

– ارتفاع نسبة الخلافات الأسرية (زوجية -صراع الأجيال – صراع الأعمام… الجيران) مما يهدد هذا النظام الأسري بالانقراض التام.

والخلاصة أن النظام الأسري الإسلامي المعاصر ومعه المجتمع والدولة والأمة أصبح أكثر تفككا وصراعا وبعداً عن جوهر الإسلام الحقيقي، وقد كان للاستعمار الأجنبي والجهل وغياب السياسة التربوية الإسلامية من قبل الجميع دورها في استفحال هذه الأزمة، وقد زاد الإعلام وضعف الرقابة، وهيمنة الإيديولوجيات العلمانية واليسارية والإباحية في تقويض المعالم الإسلامية للأسرة، كما أسهم التعليم في تغريب الأبناء والآباء معا وتكوين أجيال تائهة عن دينها الإسلامي مشوهة الهوية، لكن تباشير العودة إلى هذا النظام الرباني أخذت تلوح في الأفق مع ظهور فجر الصحوة الإسلامية التي أخذت تَيْنَعُ في بلاد المسلمين كما في بلاد الغرب وأصبح الغربيون اليوم أكثر وعيا بشرعية النظام الأسري الإسلامي، فمتى يحصل ذلك عندنا؟!

د. الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *