الـمسؤولية والـمحاسبة


يتألف هذا العنوان مــن كلمتين أولاهما : >المسؤولية< وهي مصدر صناعي مصوغ من اسم مفعول : >مسؤول<. والثانية : >المحاسبة< على وزن >مفاعلة< وهي >هنا< للدلالة على معاودة الفعل وتكراره بكيف معين يقول القرطبي : قوله تعالى : {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه}(يوسف : 23) وهي امرأة العزيز… وأصل المراودة : الإرادة والطلب برفق ولين. وعليه يكون أصل >المسؤولية< >مسؤول< وهو اسم >مفعول< وزنا ومعنى، وهو في قواعد اللغة العربية >اسم مصوغ من مصدر الفعل المبني للمجهول للدلالة على ما وقع عليه الفعل< وعليه يتضح لغوياً أن حمولة العنوان ثقيلة، لأن الشطر الأول منه >المسؤولية< أصلها >مسؤول< وهو مفعول يتحمل أثر الفعل الواقع عليه الذي هو ثقل الأمانة. والشطر الثاني هو >المحاسبة< على وزن مفاعلة التي هي معاودة الفعل باستمرار لكن مع شيء من اللطف واللين. وهذا يدل على صعوبة استجابة >المحاسَب< بفتح السين للفعل الذي أريد منه أن يتقبله بسهولة وهو نفس الانسان وعليه لابد من معاودة الفعل برفق ولين لأجل ترويض النفس على قبول الحق.

وعليه فما هي المسؤولية المطلوبة في هذا السياق؟ وكيف يكون الإخلال بها؟ وماذا يترتب عن ذلك الاخلال مما يمكن تسميته المحاسبة لأجل معالجة الموقف؟!

1- المسؤولية العظمى وهي المسؤولية الأصل :

يقول الحق سبحانه وتعالى : {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون}(الصافات : 24). ومهما تنوعت تفسيرات المفسرين لأسباب حشر المعنيين في هذه الآية في الجحيم هم وأزواجهم التي هي أمثالهم ونظائرهم أو المصاحبون لهم في حياتهم الإلْحادِيّة كالزوجات، فإن صفة الشرك تبقى أقوى سبب بدليل قوله تعالى : {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..}(النساء : 28) وقوله : {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}(المائدة : 74).

فصفة الاشراك بالله ملازمة لهؤلاء الذين يامر الحق سبحانه بسوقهم إلى الجحيم، وهم ظالمون على كل حال، وظلمهم من أقبح أنواع الظلم الذي يستوجب أقسى أنواع العذاب، قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم..}(لقمان : 13).

والخطاب في قوله تعالى : {احشروا..< خطاب من الله للملائكة، أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض، أي اجمعوا الظالمين، ونساءهم الكافرات، وأنواعهم وأشباههم من العصاة.. فاهدوهم وقودوهم إلى طريق النار حتى يصلوها. >|إنهم مسؤولون عن لا إله إلا الله وعن أعمالهم، ويوقفون على قبحها..<(البحر المحيط بتصرف 97/9) إنها المسؤولية العظمى مسؤولية لا إله إلا الله فمن قام بها كان أقدر على القيام بغيرها ومن ضيعها كان لما سواها أضيع، لأنها مسؤولية العهد الذي أمر الله الإنسان بأن يوفيَ به، قال تعالى : {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}(الإسراء : 34) يقول القرطبي في هذه الآية : >قوله تعالى {وأوفوا بالعهد} قد مضى الكلام فيه في غير موضع (ويشير بهذا إلى قوله تعالى {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}(الأنعام : 153) (قال) : عام في جميع ما عهده الله إلى عباده.. وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به<(137/7) قال الزجاج : كل ما أمر الله به  ونهى عنه فهو من العهد، {إن العهد كان مسؤولا} أي مسؤولا عنه..<(256/10).

2- المسؤوليات الفرعية :

نلاحظ من خلال النص الذي أورده القرطبي أعلاه للزجاح أن المسؤولية تشمل كل ما أمر الله به، ونهى عنه وذلك ما يؤكده السياق الذي ورد فيه قوله تعالى : {إن العهد كان مسؤولا} يقول أبو حيان >لما نهى عن قتل الأولاد وعن إيجادهم من طريق غير مشروعة ({ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}) (و) ({ولا تقربوا الزنا}) نهى عن قتل النفس ({ولا تقتلوا النفس التي حرم الله}) فانتقل من الخاص إلى العام.. (و) لما نهى عن إتلاف النفوس، نهى عن أخذ الأموال كما قال  : >فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم< ولمّا كان اليتيم ضعيفاً عن أن يدافع عن ماله لصغره نص على النهي عن قربان ماله.. (>ولا تقربوا مال اليتيم..}).. بعد كل هذه الأمور المنهي عنها مما ذكر، وما لم يذكر جاء قوله تعالى : {إن العهد كان مسؤولا}(البحر 44/7 بتصرف).

وعليه تكون المسؤولية في الإسلام شاملة لجميع أعمال المكلف التي كلفه الله تعالى بها، فهو مسؤول أمام الله عن الشاذة والفاذة، كما يقال : كل حسب موقعه في المجتمع المسلم >عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال : >كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدها، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته<(متفق عليه).

>وقد أكد الإسلام على الوفاء بالعهد وشدد، لأن هذا الوفاء مناط الاستقامة، والثقة، والنظافة، في ضمير الفرد، وفي حياة الجماعة، ولقد تكرر الحديث عن الوفاء بالعهد في صور شتى في القرآن والحديث سواء في ذلك عهد الله، وعهد الناس، وعهد الفرد، وعهد الجماعة، وعهد الدولة، عهد الحاكم، وعهد المحكوم…<(الظلال 2226/4) قال تعالى : {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم.. ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون..}(النحل : 91). وعليه فالذي يعد بما لا يفي به منبوذ ممقوت عند الله والناس قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون}(الصف : 3) إنها المسؤولية أمام الله أولا، وأمام التاريخ ثانيا، وأمام المجتمع أخيراً، ولذا قلنا سابقا : إن حمولة العنوان ثقيلة!.

وما دام الأمر على هذا المستوى من الخطورة بالنسبة للمسؤولية أية مسؤولية بالنسبة لكل من يقدرها ويحترم نفسه، فكيف يمكن معالجة الموقف، أي التخفيف من ثقل المسؤولية، والتقليل مما يمكن أن ينتج عن ذلك من سلبيات الجزاء؟! وهنا يأتي دور المحاسبة قبل فوات الأوان.

3- المحاسبة :

رأينا في حديثنا عن العنوان أن >المحاسبة< على وزن مفاعلة، وأصلها حاسب، وتدل هذه الصيغة في اللغة العربية على المشاركة بين اثنين في فعل مّا، مثل المسابقة، والمخاصمة، والمشاركة والمزاحمة..الخ هذه هي دلالة الأسماء المصوغة على هذا الوزن (غالبا) في اللغة العربية، لكن دلالتها في هذا السياق الذي نحن بصدده ليست كذلك >محاسبة< بل هي كما سبقت الإشارة دالة على معاودة الفعل وتكريره مع شيء من الرفق واللين، وعند تأملنا للسياق الذي ورد فيه المثال الذي قدمناه في القرآن الكريم {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب}(يوسف : 23) نلاحظ أن الفعل >راود< على وزن >فاعل< يعطينا اسم >المراودة< تماماً مثل >المحاسبة< وعليه إذا كان الذي مورس عليه الفعل أي فعل المراودة في القرآن الكريم وهو >يوسف عليه السلام< يمانع من الوقوع في المعصية خوفا من غضب الله بدليل قوله تعالى على لسان امرأة العزيز : {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم}(يوسف : 32) إذا كان فعل المراودة كذلك فإن الذي يُمَارَسُ عليه فعل المحاسبة هو النفس، نفس الإنسان، التي تهفو وراء الشهوات والملذات، ذلك الكائن الذي يسكن أجسامنا ولا نعرفه فضلا عن أن نعطيه ما يستحقه من الغذاء، بل نهتم بأجسامنا على حسابه مع العلم أن اصلاح الأنفس هو أساس الإصلاح الحقيقي لأمورنا الدنيوية والأخروية {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}(الرعد : 11) وهذه النفس التي هي أساس التغيير أنواع : >مطمئنة< و>لوّامة< و>أمّارة بالسوء< وخطاب الحق سبحانه لنا منصب على نفوسنا لا على أجسامنا، كقوله تعالى : {أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله.}(الزمر : 56) وقوله : {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}(ق : 21) وقوله : {وما أصابك من سيئة فمن نفسك}(النساء : 79) وقوله : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله.}(البقرة : 207) ولقد صدق من قال :

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنفس لا بالجسم انسان

لأجل ما سبق تأتي المحاسبة التي تفيد أن علاج النفس ينبغي أن يكون بمعاودة الفعل مرات دون ملل أو كلل على أن تكون هذه المعاودة بما يليق من الحكمة واللين.

إن الاهتداء إلى أسلوب محاسبة الإنسان نفسه يوجب التسليم بالنقطتين الأوليين في الموضوع >المسؤولية العظمى أو المسؤولية الأصل< ثم حظه من >المسؤوليات الفرعية< حيث يسلم بإيمانه بالله، أو بضميره الحي بالإيمان أنه مسؤول أمام الله وأنه سيعطي الحساب في يوم ما، ومسؤول أمام التاريخ والمجتمع، وبين المسؤوليتين علاقة عموم وخصوص، فالمسؤولية أمام الله عامة، وأمام الناس خاصة، لأن حقوق العباد لا تخلو من حق الله، وذلك بموجب تقوى الله تعالى إذ على المومن أن يتقي الله تعالى في جميع تصرفاته قال عليه الصلاة والسلام : >اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن<(رواه الترمذي) حيث جمع الرسول  في هذا الحديث بين حق الله، وحقوق العباد، أما حق الله فهو أن يتقى حق تقاته، أما حقوق العباد فهي أن يستحضر العبد خوف الله وهو يقوم بواجبه.

ومن علم أن الله مطلع عليه حيثما كان يرى ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك الاستقامة في سلوكه وتصرفاته، وهكذا يضمن حق الله عند الاعتراف به حق العباد بامتياز، قال تعالى : {إن الله كان عليكم رقيبا}(النساء : 1).

يقول جمال الدين القاسمي تحت عنوان : >بيان لزوم المحاسبة< قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليومالقيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}(الأنبياء : 47) وقال تعالى : {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}(الكهف : 49)، وقال تعالى : {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحَذِّركم الله نفسه..}(آل عمران : 30).

قال  القاسمي بعد هذه الآيات وغيرها : >استدل بذلك أرباب البصائر أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذّر من الخطوات واللحظات، فتحققوا أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطوات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسُن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته، فحتْمٌ على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها، وخطراتها وخطواتها، فإن كل نَفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنزاً من كنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعةً أو مصروفةً إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل<(موعظة المومنين : 287).

إن النظرة إلى الحياة والكون بعين واحدة عين الحس المجرد، والنظرة الآنية تقود صاحبها إلى الهلاك، وتذكي جذوة مشاكل الإنسان في الحياة، في حين أن قوة الإيمان والإيمان بيوم الحساب تجعل كل فرد من الناس يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، وفي ذلك -لو تحقق- ما فيه من التهييء للعيش الرغيد، والحياة السعيدة السوية في الدنيا قبل الآخرة. من أجل هذا يدعونا  إلى محاسبة أنفسنا حيث يقول : >لا تشغلكم دنياكم عن آخرتكم، ولا تؤثروا أهواءكم عن طاعة ربكم، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهّدوا قبل أن تعذبوا وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدلٍ، واقتضاء حق، وسؤال عن واجب، ولقد بالغ في الإعذار من تقدم بالإنذار<(خطب الرسول : محمد خليل الخضيب).

د. حسين گنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *