الـمسؤولية بين الفهم السائد والفهم الغائب


1- ملاحظة في المنهج : بضدها تعرف الأشياء :

اتفق واضعو مناهج التعليم الحديثة على أن أفضل الطرق لتعريف مفهوم ما البدء بعرض الفهوم الخاطئة والمتداولة عن هذا المفهوم من أجل تصحيحها في العقول وإزالة تشويشها عن الأذهان وذلك قبل تثبيت المعنى الصحيح.

والحقيقة أن هذا المنهج منهج إسلامي أصيل، إذ كثيرة هي الآيات والأحاديث التي لا تكتفي -لتحديد المعنى الشرعي للفظة ما- بتقديم التعريف وإنما يسبق ذلك تصحيح للتصورات الخاطئة حول المفهوم على قاعدة “التخلية قبل التحلية”؛ تخلية العقول من الفهم الخاطئ وتحليتها بالفهم الصحيح.

ومن الآيات التي يمكن ذكرها على سبيل المثال لا الحصر والتي تؤكد هذا المنهج قوله تعالى : {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر..}(البقرة : 177).

وردا على نوح عليه السلام الذي قال : {رب إن ابني من أهلي}(هود : 45) قال عز وجل : {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}(هود : 46).

وفي الحديث، قال رسول الله  مصححا المعنى الخاطئ الذي كان سائدا في الجاهلية لمفهوم القوة : >ليس الشديد بالصرعة، إنما الشّديد الذي يملك نفسه عند الغضب<(رواه البخاري). وقال  كذلك في معرض تصحيحه لمفهوم الإفلاس قال رسول الله  : >هل تدرون من المفلس قالوا : المفلس فينا يا رسول الله من لا دِرهم له ولا متاع، قال : إن المُفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصيامٍ وصلاةٍ وزكاة ويأتي قد شَتَم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا فيُقْعد فيقْتَصّ هذا من حسناته وهذا من حسناتِه فإن فنِيت حسناتُه قبْل أن يقْضِيَ ما عليه من الخطايا أُخِذ من خطاياهُم فطُرِحت عليه ثم طُرح في النار<(رواه أحمد).

والمسؤولية من المفاهيم التي سيء فهمها كثيرا إلى درجة أصبح معها المعنى السائد عكس المعنى الحقيقي تماما لذلك صار اعتماد منهج “التخلية قبل التحلية” ضروريا لمعالجة هذا المفهوم وما يتعلق به.

2- الـمســؤولية : ذلـك الـمفهـوم الضـائـع :

لقد أصبح اليوم ينظر إلى الوصول إلى سدة المسؤولية عند أغلب الناس على أنه مدخل ووسيلة لتحقيق الطموحات والمآرب الشخصية والعائلية والقبلية، والحال أن المسؤولية وسيلة لخدمة الناس والمشي في حاجاتهم وتحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية. والمسؤولية بهذا المعنى تكليف لا تشريف، وتضحية في النهار وهم بالليل، إنها تكليف يعظم معه العبء، وتزداد معه التبعات والابتلاءات وتثقل معه المحاسبة أمام الله عز وجل، قال رسول الله  : >من ولي أمر عشرة من أمتي جاء يوم القيامة يداه مغلولتان إلى عنقه حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور<.

كما أصبحت المسؤولية عند البعض سيفا يتسلطون به على رقاب الناس، والأصل أن المسؤول يكون أرحم الناس بمن جعل الشرع له سلطانا عليه. فالمسلم عموما والمسؤول المسلم خصوصا يجب أن يقبس حظا وافرًا من تلك الرحمة التي بُعث بها رسول الله  للعالمين عامة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 107) وللمومنين خاصة {بالمومنين رؤوف رحيم}(التوبة : 128). واستشعار هذا الأمر هو الذي جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ] يقول : >والذي بعث محمدا بالحق لو أن بغلة عثرت في العراق لسألني الله عنها : لم لم تصلح لها الطريق يا عمر؟<.

وعند البعض الآخر صارت المسؤولية فرصة وباباً يتسللون من خلاله لزعزعة عقائد الناس وافساد أخلاقهم وإبعادهم عن طاعة ربهم بإصدار القوانين الفاسدة واعتماد المناهج والبرامج التربوية والتعليمية والإعلامية المنحرفة ووضع سياسة ثقافية مضلة من خلال المهرجانات المنحلة والمسابقات الماجنة.

والأصل أن المسؤولية فرصة فعلا ولكن لهداية الناس إلى صراط الله المستقيم، وربطهم بخالقهم، فإذا كان عمر ] يحمل هم بغلة عثرت في العراق ويخشى أن يسأله الله عنها يوم القيامة فما بال من يضع القوانين والمخططات والبرامج والسياسات لا ليعثر الناس والشباب خصوصا ولكن ليسقطوا مكبين على وجوههم في براثين الانحراف العقدي والانحلال الأخلاقي، فيكون بذلك سببا في شقائهم في الدنيا وخسرانهم في الآخرة، قال رسول الله  : >ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة<(رواه البخاري) وهل هناك غش أعظم من إضلال الناس وإفساد عقائدهم وأخلاقهم تحت شعار بناء “المجتمع الحداثي”؟!.

كما أصبحت المسؤولية عند بعضهم أقصر طريق للاغتناء الحرام باختلاس أموال الدولة والشعب وتهريبها  إلى البنوك الأجنبية التي تعيدها لنا ولكن على شكل قروض ذات معدلات ربوية عالية تثقل ميزانية الدولة وكاهل أبناء الشعب وتدخلنا في حرب مع الله ورسوله نتيجتها محسومة مسبقا بل إننا نرى تلك النتائج رأي العين ونمر عليها {مصبحين وبالليل} ولكن لا عقل لنا.

3- ثــم أمــا بعد… :

لقد اطلعتنا بعض وسائل الإعلام الوطنية في الأيام الأخيرة عن أخبار مفادها أن المآت من أعضاء الأحزاب المرشحة لتشكيل الحكومة المقبلة قد اقترحوا أنفسهم للحصول على حقيبة وزارية. وذكرت نفس المصادر أن الحكومة المقبلة قد تكون حكومة عائلية بامتياز بالنظر إلى كثرة الأسماء المستوزرة بناء على العلاقات العائلية والمصاهرة.

وهذا يستلزم التذكير ببعض الثوابت {فإن الذكرى تنفع المومنين} :

– أن المسؤولية في الإسلام أمانة وجب إسنادها للأقوياء الأمناء والعلماء الأكفاء لا إلى الخونة والضعفاء، ومن أعظم الذنوب عند الله أن يرشح المرء شخصا لحمل أمانة وهو يعلم ضعفه وعدم قدرته على حملها، فهذا أبو ذر الغفاري ] وهو من هو يقول قلت لرسول الله  : >ألا تستعملني؟ -يعني يجعلني أميرا أو واليا على أحد الأمصار- قال :  فضرب بيده على منكبي ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها<(رواه مسلم).

– ومن أخطر الذنوب عند الله كذلك أن يسند المرء أمانة لشخص محاباة للأقرباء والأصهار أو إرضاء للأتباع والأنصار وهو يعلم أن في الأمة من هو أقدر منه على حملها وأقوى منه على أدائها، قال رسول الله  : >إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال : كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر السّاعة<(رواه البخاري)، وفي حديث آخر قال رسول الله  : >من استعمل رجلا على عصابة من المسلمين وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المومنين<.

– وفي الختام، إن من واجب المسؤولين أن يتحروا في الاصطفاء لوظائف الدولة الهامة بأن يختاروا أحسن من يظنون فيهم القيام بها، خبرة وأمانة واخلاصا، كما يُحضّ كل مسؤول على اختيار الأصلح للوظائف التي تحت مسؤوليته بعيدا عن الاعتبارات العائلية والقبلية بل إن المسلم الكيس الذي يعرف قيمة المسؤولية وخطورتها لَيتفادى الزج بأقاربه وأحبائه في غياهب المسؤولية يكبلهم بها ويعسر حسابهم يوم القيامة، قال رسول الله  : >من ولى أمر عشرة من أمتي جاء يوم القيامة يداه مغلولة إلى عُنقه حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور<، ولعل هذا ما جعل عمر بن الخطاب ] يقول عندما جاءته المنية وأراد بعض جلسائه أن يعهد بالخلافة لابنه عبد الله : >يكفي آل عمر أن يحاسب منهم عن المسلمين واحد< رضي الله عن عمر وهدانا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

 د. عبد العزيز بن ديدي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *