افـتـتـاحـيـة – {وقِفُوهُم إنّهُم مَسْؤُولُون}(الصافات: 24)


إنّه الخطابُ الرّبانيّ الصارم، الذي يُصْدِره الله عز وجل للملائكة بإحْضار المجرمين إلى محكمة العَدْل الربّانيّة يوم الفَصْل والقضاء، ويَوْم الثواب والعقاب.

يأمر الله تعالى بإيقاف الظالمين المجرمين المسَلْسَلين والمَخْزِيِّىن للْمُساءلة والمحاسَبة على ما ارتكَبوا في الأيام الخوالي :

> مِن تخْريب للأوطان والشعوب، وتخريب للأسر والأفراد والبيوت.

> من تدمير للأخلاق، وتضليل للعقول، وغَزْو للأفكار والعواطف والمشاعر.

> من كَبْتٍ للحريات، وتكْبيل للإرادات، وتعطيل للطاقات.

> من استبدادٍ بالرّأي، واستبدادٍ بالسياسة، واستبداد بالتوجيه.

> من تعْليم لبعض قشور العِلم المادِّي الناقص والمتحكّم فيه، وحَجْبٍ للعِلم الرافع لقَدْر الإنسان في الدنيا والآخرة.

> من استئثار بكل التروات والامتيازات، واحتكارها للأقرباء والأصهار والأصدقاء والمنتمين للجوقات المُصفِّقة، والهَيْآتِ المُصدِّقة، بل ونهْب للمقدرات، وإفقار للبِنْيات، وعدم ترشيد للنفقات، وتوفير للحاجات.

> من انتهاكٍ للحرمات، وبَيْع للأعْراض، ودوْسٍ بالأقدام على حقوق الضعفاء والمحرومين.

ومن، ومن، ومن… والقائمة تطول، لا يُحصيها إلا الذي عنده مفاتح الغَيْب لا يعلمها إلا هو، ولا يحصيها إلا الذي أحصى كل شيء عدَداً في كتاب لا يُغَادِرُ صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصَاها، وقَدَّمَها لكل مُجْرم مَوْقوف للحساب والسؤال عنها، في الوقت الذي يكون كُلُّ مجرم من المجرمين الموقوفين معزولا تماماً عن النصير والمُؤيِّد والمصفِّق والمصدِّق والوسيط والشفيع!!!

انتهت الدنيا، وانتهت زخارفها، وانتهى لعِبُها ولهْوُها، وانتهى متاعُها ومالُها، وانتهت مظاهرها الكذابة، ومناصبها الجذابة، وانتهى التحالُف والتناصُر بين الهيآت والأحزابلاقتسام المناصب والمنافع، انتهى كل ذلك، وانتهت لذَّاتُ كُلِّ ذلك، وانتهى الفرحُ بكل ذلك، وخَرِسَتْ الألْسُن والأجْواقُ والزغاريدُ التي كانت فرحةً بكل ذلك… وحضر إعطاءُ الحساب عن كل ذلك، فَيَاوَيْلتا من لمْ يسْتَعِدّ لكل ذلك، ولم يضعْ في حِسابِه ذلك!!

فمن هُمْ الموقُوفون هذا الموْقِف الخاسِئَ الذليل؟!

< إنهم كبارُ العَالم من المتكبِّرين الذين يحْكمُون العالم بدون حسيب، ولا رقيب، إنهم المتألِّهون من دون الله يسْألون ولا يُسْألون، يُعاقِبُون ولا يعاقَبون، يأخذون ولا يُعْطون، يُحاسِبُون ولا يُحَاسَبُون، يحْكُمُون ولا يُحكَمُون، يستَعْبِدون ولا يتعبَّدُون، هُمْ فَوْق كلِّ شيء وليس فوقهم شيء!!

هؤلاء هم أوَّلُ من يُلَقَّنُون دُرُوس الذُّلِّ والهوان لتكبُّرهم على الكبير المتعال.

< ثم يأتي بعد الكبار أذيالُهم وأتباعُهم من المنتمين -بالأخص- للإسلام، فهؤلاء قرآنهم الذي بَيْن أيديهم يقول لهم :

> {أطِيعُوا الله وأطِيعوا الرّسُول} وأسيادُهم يقولون لهم >الشَّرْعيةُ الدّوْليّة هِيَ المرجعيّة العُلْيا<.

> ويقول لهم قرآنهم كونوا كالذين {قَالُوا رَبُّنا اللّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا} وأسيادهم يقولون لهم قولوا : >رَبُّنا النّظام الدّوْلِيّ ثم اعْوَجُّوا<.

< وقرآنهم يقول لهم {ولاَ تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها ومَا بَطَن} وهوى أسيادهم يقول لهم : >اغْرَقُوا في الفَوَاحِشَ الظّاهِرةِ والبَاطِنَة<.

< قرآنهم يقول لهم {ولا تَقربُوا الزّنا إنّه كان فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاَ} وهوى أسيادهم يقول لهم >ممارسة الزّنا مُمَارسَةُ حقٍّ من الحُقُوقِ الجِنسيّةِ لا مُؤَاخَذَة علَيْه ولا عِقاب<.

< قرآنهم يقول لهم {الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ} وهوى أسيادهم يقول لهم >أيُّما امرأةٍ ورَجُلٍ مارسا الفاحشةً بِرضاهُما ولو في الطريق العام فالقَلَم مرفوع عنهما<.

< قرآنهم يقول لهم {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنُّذُرِ إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِم حاصِباً إلاَّ آل لُوطٍ نجَّيْناهُم بِسَحر} وهوى أسيادهم يقول لهم >أُعطوا للشواذ حقوقَهم واتركوهم يتزوجون فيما بينهم، ويؤسسون لأنفسهم جمعياتٍ وأحزاباً يعلنون من خلالها عن بضاعتهم الخسيسة، فذلك حق من حقوقهم<.

< قرآنهم يقول لهم {وقُلِ للْمُومِناتِ يغْضُضْنَ من أبْصاَرِهِنّ ويحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ ولا يُبْدِين زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَر مِنْها ولْيَضْرِبْن بخُمُرهِنّ على جُيُوبِهِنّ} وهوى أسيادهم يقول لهم >عرُّوا المرأة في الشوارع والمدارس والملاعب والكليات والحافلات والقطارات وفي الشواطئ والمسابح فذلك هو حقُّهُنّ، وذلك هو التقدّمُ، وتلك هي الحداثَةُ والعصْرَنَةُ<.

< قرآنهم  يقول لهم {إنّما جَزَاءُ الذِين يُحَارِبُون الله ورسُولَهُ ويسْعَوْن في الأرضِ فَسَادِ أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعٍ أيْديهِمْ وأرْجُلُهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرْض ذَلِك لهُم خِزْيٌ في الدُّنْيا..} وهوى أسيادهم يقول لهم >اكْفُرُوا بالله ورُسُلِه وشجِّعُوا الكُفْر والنِّفَاقَ، وأعْطُوا الجوائزَ والمناصِبَ لمن يكْتُبُ طاعِناً في الإسلام، ورجال الإسلام، وشريعة الإسلام<…

إنّ دهاقِنَة الكُفر، وعُتاة التجبُّر والطغيان ومن وَالاَهُم، ولَعِقَ أحْذِيتَهُم، والتقط فتاتهم، إن هؤلاء كلهم سيكتشفون -يوم يوقَفُون- أن الدُّنْيا التي عاشُوا لها، ومِنْ أجْلِها، لَنْ تُغْني عنهم من الله شيْئاً، ولوْ أرادُوا أن يَفْدُوا أنفسهم بمِلْئِها ذهباً ما قُبِلَ منهم شيء من ذلك {إنّ الذِين كَفَرُوا وماتُوا وهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِم مِلْءُ الأرْضِ ذَهباً ولَوِ افْتَدَى به أُولئِك لهُمْ عَذَابٌ ألِيم، وما لَهُممن نَاصِرِين}(آل عمران : 90).

آنذاك سيقولون {ربّنَا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نعْمَلْ صَالِحاً إنّاً مُوقِنُون}(ألم السجدة : 12).

ويقولون : {يا حَسْرَتَا عَلَى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}(الزمر : 53).

أما عابد المال ومؤلهُه فسيقول : {مَا أغْنَى عنِّى مالِيَه}(الحاقة : 28).

وأمّا عابد الحُكْم والسلطان ومؤلِّهُهما فسيقول {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيّة}(الحاقة : 29).

فيا من يذبح الأبقار والعجول والخرفان والدجاج فرحاً بنجاحه في تمثيل من انتخبوه عليه أن يعلم أن كُلّ الذين اختاروه سيكونون خصومه يوم القيامة، وسيوقف لإعطاء الحساب لكل واحِدٍ خان أمانته، وخان ثقته، وآنذاك يدرك أن خصومه ذبَحُوه حين قدموه ليخدم مصلحتهم فخدم مصلحته..

ويا من يفرح ويُهَنّأ بتقليده مناصب التحكم في الرقاب، وأقوات الجائعين والمحرومين عليه أن يعلم أن كل جائع لم يُطعم، وكل جاهل لم يعلم، وكل مظلوم لم يُنصف، وكل منكر لم يُغير، وكل فساد لم يُصلح، وكل اعوجاج لم يُقَوّم كُلّ ذلك سيأخذ بتلابيبه حتى يوردَه مورد الهلاك.. عندما يقول الله تعالى {احْشُروا الذِين ظَلَمُوا وأزْواجهُم وما كَانُوا يَعْبُدُون مِن دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُم إلى صِراطِ الجحِيم وقِفُوهُم إنّهُم مسْؤُولُون}(الصافات : 24).

ذ. المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *