مع كتاب الله تعالى – قبسات تربوية من خلال سورة النور


تمهيد

القرآن الكريم هوالوحي الإلهي والدستور السماوي، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم، به تستقيم الحياة وبذكره تستنير البصائر، وبهداه توقظ الضمائر، وبالعمل به تطهر السرائر، فهوالذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ونقلهم من الباطل إلى الحق، ومن الضلالة إلى الهدى، قال تعالى : {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}(إبراهيم : 2)، ففي ديننا الحنيف يأخذ القرآن الكريم المنزلة العظيمة ومرتبة الصدارة لأن به يكون إصلاح الفرد والمجتمع، وبه نتصدى للأفكار الهدامة..

وسورة النور قبس من هذا النور، لما تحمله في طياتها من معانٍ تربوية أصيلة وقيم نبيلة ودروس مؤثرة. ولعل أول شيء يستوقفنا في هذه السورة المباركة قول الله تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات…}(النور : 1)، واستهلال السورة بهذه الآية يجلي لنا عظمة هذه السورة وما تضمنته من توجيهات ربانية، وأحكام نورانية، تبين للمسلم منهج الحياة الصحيح، وترفع مكانته في الدنيا والآخرة. وهي بهذه المقدمة تنبه إلى ثقل ما جاء فيها من أوامر ونواهٍ..

نحاول بعون الله تعالى في هذه الورقة تناول بعض الدروس والعبر المتضمنة في سورة النور منها :

1- التربية على وجوب التثبت قبل قذف المحصنات المومنات الغافلات:

قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون}(النور : 4)..

فمن الآداب التربوية التي أمرنا بها القرآن الكريم حسن الظن بالمسلم، والحرص على سمعته، فليس من شيم المسلم الحق أن يقذف المحصنات المومنات، ولنا في رسول الله  ثم في صحابته الكرام أسوة حسنة، فما علينا إلا أن نستحضر ما فعلته الصحابية الجليلة أم أيوب وزوجها رضوان الله عليهما، حين سمعا بحادثة الإفك التي قذفت فيها العفيفة عائشة رضي الله عنها مع الرجل الذي شهد له الرسول  بالصلاح والفضيلة والطهر، فقالت أم أيوب: >أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة خير منك، وصفوان خير مني<. هذه شهادة من قرأ القرآن وتدبره وعمل بما فيه.

فالمطلوب منا هوالتثبت من الأمور قبل الغوص فيها حتى نصون أعراض الناس، ونحفظ سمعة أفراد المجتمع المسلم، ونضع حداً للإشاعات القاتلة التي تفرق الأحباب، وتزيد من حدة الاضطراب.

وقد جاءت الآية 15 من السورة لتبرز عتاب الله تعالى لمن يسارعون بنقل الأخبار دون تثبت وذلك بـ:

– التلقي بالألسنة دون التأكد منه والسؤال عنه.

– التكلم به ونشره بين المسلمين على العلة السابقة.

– استصغار الذنب.

قال تعالى: {إذ تَلْقَوْنَه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهوعند الله عظيم}(النور : 15)..

2- التربية على تجنب التسبب في إشاعة الفساد:

قال تعالى : {الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هوخير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}(النور : 11).

وقال أيضاً: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون}(النور : 19).

من خلال هذه الآيات يتبين لنا تغليظ العقوبة بمن أشاعوا الفاحشة بين المسلمين، وعملوا على زعزعة الثقة في صفوف الجماعة المسلمة، وفي مقدمة هؤلاء، رأس النفاق أبي ابن سلول الذي عمل على المساس بشرف البيت النبوي الشريف، فلهم عذاب مؤلم وموجع في الدنيا وذلك بإقامة الحد عليهم، وفي الآخرة بعذاب أليم جزاء وفاقا على فعلتهم الشنيعة هذه..

فالمطلوب من المسلم الحق أن يمسك لسانه عن الخوض فيما لا يعنيه حتى لا يؤذي إخوانه المسلمين، وألا يصيب قوما بجهالة وهولا يعلم، وفي الحديث: >من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه<..

3- التربية على تجنب تتبع خطوات الشيطان:

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يامر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم}(النور : 21).

من تعاليم الإسلام السامية أنه نهانا عن اتباع خطوات الشيطان لأنه من اقتفى آثاره  واتبع وسوسته ضل وغوى ووقع في المعاصي والهلاك.

وإنها لصورة مستنكرة أن يخطوالشيطان خطوات،  فيتبع المسلمون خطاه، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقاً غير طريقه المشؤوم.. إنها بحق صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن النقي والصافي، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر لها خياله، ورسم هذه الصورة ومواجهة المومنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية(1).

4- التربية على السماحة والعفو والصفح :

قال تعالى: {ولا يَاتَلِ أولوا الفضل منكم والسعة أن يوتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}(النور : 22)..

ذهب العلماء إلى أن سبب نزول هذه الآية هوأن أبوبكر الصديق ] كان ينفق على (مسطح بن أثاثة) لمسكنته وقرابته فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال أقسم أبوبكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه أبداً.

وهنا نقف أمام أفق عال من آفاق النفوس الزكية التي تطهرت بنور الله تعالى، أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق ]، كيف مسه حديث الإفك في أعماق قلبه، واحتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه، فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو، وما يكاد يلامس وجدانه ذلك السؤال العلوي الموحى : {ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟} حتى يرتفع عن الآلام وعن مشاعر الإنسان، ويرتفع عن منطق البيئة، وتشف روحه وترف وتشرق بنور الله سبحانه، فإذا هويلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول ملبيا نداء ربه : >بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي<، ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه، ويثبت ذلك العمل باليمين التي لا تحنث: >والله لا أنزعها منه أبداً<(2).

5- تربية الإسلام على الاستئذان عند دخول البيوت:

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون}(النور : 27)..

يعتبر أدب الاستئذان من الآداب الشرعية التي أمرنا الله بها، فلا بدمن أن نستأذن قبل الدخول والتسليم، لأن ذلك قد يسبب مصائب عظيمة بسبب اختلاط الرجال بالنساء.

ذلك أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان، يجعل أعينهم تقع على عورات، وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات،

وتهيئ الفرصة للغواية الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الطائرة، التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة..(3). وقد أمرنا الرسول  ألا ننظر إلى داخل البيت قبل الإذن بل يجب الوقوف إلى جانب الباب ويستأذن، قال عليه الصلاة والسلام: >إنما جعل الاستئذان من أجل البصر<، ويجب عدم التضجر إذا منع الرجل من الدخول لأن هذا تربية إسلامية ربى الله بها المومنين قال تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هوأزكى لكم}

6- التربية على غض البصر وحفظ الفرج :  

قال تعالى : {قل للمومنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون}(النور : 30)… يتبين لنا من خلال هذه الآية أن الله تعالى ربط بين غض البصر وحفظ الفرج وذلك لما لزيغ الأبصار من علاقة بزيغ الفروج وبالتالي الوقوع في الزنا.

قال ابن تيمية رحمه الله : >المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل، ولهذا خصت بالحجاب وترك إبداء الزينة، وترك التبرج، فواجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت؛.

وقد قيل في هذا الصدد: من حفظ الأربعة أحرز دينه “اللحظات – والخطرات- واللفظات – والخطوات”.

وصدق الشاعر حين قال:

كل الحوادث مبداها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت من قلب صاحبها

كمبلغ السـهم بلا قوس ولا وتر

والعبد مادام ذا طرف يقَلبُـه

في أعين الغِيد موقوف على الخطر

يسر مقلته ما ضر مُهْجتـه

لا مرحباً بسرور عاد بالضـرر

7- التربية والعفة والترغيب في الإحصان :

قال تعالى : {وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم}(النور : 32)، في هذه الآية دعوة صريحة إلى مواجهة هذه المسألة بحلول واقعية وإيجابية وهذه الحلول تتمثل في تيسير الزواج، باعتباره السبيل الوحيد والشرعي لمواجهة الميولات الجنسية الفطرية، والطريقة المثلى التي تساعد على ذلك هي إصلاح الأوضاع الاقتصادية حتى يستغني كل فرد بدخله.

8- التربية على آداب الاستئذان وأوقاته داخل البيت:

قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم، بعضكم على بعض، كذلك يبين الله لكم الآيات، والله عليم حكيم}(النور : 56)..

لقد سبقت في السورة أحكام الاستئذان على البيوت، وفي هذه الآية يبين لنا الله تبارك وتعالى آداب الاستئذان في داخل البيوت وجعل لذلك أوقاتاً ثلاثة باعتبارها مظنة انكشاف العورات، فالخدم من الرقيق والأطفال المميزون الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان، إلا في ثلاثة أوقات تنكشف فيها العورات عادة، فالواجب عليهم أن يستأذنوا فيها، هذه الأوقات هي:

– الوقت قبل صلاة الفجر حيث يكون الناس في ثياب النوم عادة أوأنهم يغيرونها ويلبسون ثياب الخروج.

– وقت الظهيرة عند القيلولة حيث يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب النوم للراحة.

– وبعد صلاة العشاء حين يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب الليل(4)..

أما لمن بلغوا سن البلوغ فيدخلون في حكم الأجانب كما رأينا في الآية 28 من سورة النور..

9- تـربية الـمسلمين على احتــــــرام النبي  :

قال تعالى : {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن يصيبهم عذاب أليم}(النور : 61)..

تحتوي هذه الآية على دعوة صريحة لتعظيم وتوقير الرسول  باعتباره خاتم الأنبياء، وقائد الأمة إلى الخير، ومخرجها من الضلالة، قال سيد قطب رحمه الله في ظلاله: >فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة..<، فواجب على المسلمين أن يرفعوا منزلته، ويقدروا قدره، ويعملوا على نصرته، والوقوف أمام الهجمات البربرية الشرسة، ثم يسلكوا سبل النجاة التي رسمها لهم  في حياته..

وفي الآية أيضاً تحذير للذين يتبعون نهجاً غير نهجه، ويتسللون من الصف ابتغاء منفعة واتقاء مضرة.

 مستفادات من سورة النور

بعد هذه القبسات النورانية من سورة النور، ارتأيت أنه من الواجب استنباط بعض النقط العملية من هذه الدروس النيرة أسأل الله تعالى أن يجعل فيها الفائدة والعمل النافع، ومن ذلك:

– ضرورة إحياء أدب الاستئذان داخل بيوتنا وتعليم ذلك لأبنائنا.

– التمسك بخصلة غض البصر، ففي ذلك حفظ الفرج، وتزكية النفوس.

– ارتداء الحجاب من منطلق أنه فريضة شرعية، ومن كونه مظهر الحشمة والحياء الذي هوسمة المجتمع المسلم.

– لباس التقوى خير، فالأكرمون يوم القيامة هم المتقون.

– إزالة العقبات وتسهيل الزواج للشباب ففي ذلك تحصين المجتمع من الفتن.

– منع البغاء، ومنع إشاعة الفواحش بإظهار خطورة انتشارها..

ذ. رشيد والجكلي

Oujjra1963@hotmail.com

—-

(1) (2) (3) (4) في ظلال القرآن .سيد قطب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *