كيف نستقبل رمضان


الخطبة الأولى

إخوة الإسلام : لا شك أن الإنسان إذا عمل عملا أوزار مكانا أو اجتمع إلى شخص واستشعر أثناء ذلك أنه لن يعود إليه مرة أخرى فإن هذا الشعور يضاعف في نفسه شعورا آخر بضرورة اغتنام تلك الفرصة التي قد لا تتكرر، ولهذا فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما استمعوا من النبي  إلى موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، واستشعروا عمقها وشمولها قالوا : “كأنها موعظة مودع فأوصنا، فاغتنموا لحظة الوداع لاستجماع وصية قد لا تتكرر مناسبتها، ولما حج النبي  حجة الوداع، وأحس أنه لن يلقى أمته في مثل ذلك الجمع في الدنيا مرة أخرى، جمع لهم من النصيحة في كلمات ما تفرق خلال دعوته في عقود وسنوات “قائلا : لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا”.

إن هذا يدل على أن استشعار لحظة الوداع يعطي دافعا قد لا يتوافر في عدمه، ومن هنا ندرك السر في نصيحته   لأحد  أصحابه عندما قال له : إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع.

تصورا معي أيها المؤمنون رجلا مخلصا يصلي ركعات يعلم أنه يودع الدنيا بها، كيف ستكون هذه الركعات في تمامها وفي خشوعها وفي شدة إخلاصها وصدق دعائها؟

إن الرسول  يعلمنا بهذا الهدي  ـ والله أعلم ـ كيف نتخلص من آفة تحول العبادة إلى عادة، فلماذا إذا لا نستحضر روح الوداع في عباداتنا كلها، خاصة وأننا ننتظر لحظة الوداع في كل حال.

إن شهر رمضان الكريم سيحل علينا ضيفا مضيافا، يكرمنا إذا أكرمناه تحل بحلوله البركات والخيرات، يُقدم علينا فيقدم إلينا أصنافا من الاتحافات والنفحات ضيف لكنه مضيف، ربما يكون الواحد منا في ضيافته للمرة الأخيرة، فهلا أكرمنا ضيفنا وهلا تعرضنا لنفحات ضيفنا؟ إن استقبالنا لرمضان استقبال المودعين المغتنمين لا ينافي استقبالنا له ونحن فرحون مستبشرون، كما ثبت عن النبي  أنه كان إذا رأى هلال شهر رمضان يقول : اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي ربك الله هلال خير ورشد” كم يبشر أصحابه بشرى التشوق لبركاته والتشوق لرحمات الله في كل ساعاته وأوقاته، كما أخرج في ذلك الإمام النسائي عن أبي هريرة ] قال : كان النبي  يبشر أصحابه فيقول : قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، قال بعض العلماء : هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بحلول شهر رمضان.

وقالوا : كيف لا يبشر المؤمن بفتح ابواب الجنان وكيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، وكيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمان زمان، وفي حديث آخر وإن كان فيه ضعف “أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا”.

أيها المؤمنون : لقد كان سلفنا الكرام يترقبون الشهر متمنين تمامه لإتمام صيامه وقيامه متقلبين في أيامه بين الطاعات والعبادات، وقدروى عن النبي  أنه كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب، يقول : اللهم بارك لنا وفي رجب وشعبان وبلغنا رمضان”(أخرجه الطبراني وغيره)

من حديث أنس ] ، وقال يحيى بن أبي كثير : كان من دعائهم : الله سلمنا إلى  رمضان وسلم لنا رمضان وتسلمه منا متقبلا”.

إن هذا الاستعداد الهادف لاستقبال هذا الشهر وحسن ضيافته يدل على قلوب حية تعي وتفقه عن الله كلماته في تعظيم الشهر، وتَحمِلُ عن الرسول  هديه فيه.

قال الإمام ا بن رجب رحمه الله : بلوغ شهر رمضان وصيامُه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، يدل عليه حديث الثلاثة الذي استشهد إثنان منهم، ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤى  في المنام سابقا لهما فقال النبي   “أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة وأدرك رمضان فصامه فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض” (أخرجه الإمام أحمد في المسند وابن حبان وابن ماجة).

أيها المؤمنون : من رُحم في شهر رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود فيه لمعاده فهو ملوم.  ورحم الله من قال :

أتى رمضان مزرعة العباد

لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولا وفعلا

وزادَك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها

تأوه نادما يوم الحصاد

فيا من طالت غيبته عن مولاه مثلي ها هي أيام المصالحة قد قربت، يا من دامت خسارته ها هي أيام التجارة الرابحة قد أزفت، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح من لم يتقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.

كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله وتبخر رجاؤه فصار قبله إلى ظلمة القبر، كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومؤمل غدا لا يدركه.

روى أن الحسن البصري رحمه الله مر بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال : إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

أيها المؤمنون : هذا موسم الربح فاجتهدوا أن تكونوا فيه من السابقين ولا  تكونوا من الخائبين في شهر شرفه رب العالمين واصرفوا ضيفكم رمضان بالكرامة، واحرصوا فيه على طلب طريق الاستقامة إلى أن يقضي بكم إلى دار الكرامة والخلد والمقامة وينجيكم مولاكم من هول يوم القيامة.

اللهم بارك لنا في رمضان تقبل منا حسن استقبالنا له، وأعنا على صيامه وقيامه واجعلنا فيه من الأتقياء الأنقياء العتقاء من النار.

آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة  الثانية

إخوة الإيمان : يا من ولدتم على لا إله إلا الله ويا من شببتم على لا إله إلا الله  جاءكم شهر رمضان وأصبح منكم قاب قوسين أو أدنى، فالله الله، لا يخرجرمضان عنكم وقد خاب الكثير وخسر الكثير، اغتنموا أن يعتق الله رقابكم فيه من النار، وخذوه فرصة لا تعوض فإنه التوبة وإنه القبول من الله، أكثروا فيه من الذكر والتهليل، والتسبيح والتحميد وتدارسوا فيه القرآن وأحيوا بيوتكم بآيات الله البينات، واهجروا فيه الأغاني الماجنات والمسلسلات الخليعات، فإن شياطين الإنس قد هيأوا لكم ما يفسد صيامكم بالنهار وما يخرب قيامكم بالليل، وهانتم تسمعون إشهاراتهم في القنوات وما أعدوه لكم من كل ما هو سخيف وسافل فالحذر الحذر، فإن هؤلاء أعوان للشيطان على هدم كل عبادة وصد الناس عن كل إنابة.

أيها المؤمنون : اغتنموا هذا الشهر بعتق رقابكم من النار، وتبيض وجوهكم يوم تعرضون على الواحد القهار، فطوبى لبطون جاعت في سبيل الله وهنيئا لأكباد ظمئت لمرضاة الله، وهنيئا لعيون بكت من خشية الله.

نسأله تعالى أن يجعلنا جميعا ممن سيصوم هذا الشهر إيمانا واحتسابا، فتغفر ذنوبهم وتكفر سيآتهم، ويدخلون من باب الريان الذي أعده الملك الديان لمن صامه وقلبه مطمئن بالإيمان.

اللهم اجعلنا ممن شملتهم رحمتك ونالهم عفوك في هذا الشهر المبارك الكريم.

اللهم فكما مننت علينا بالستر والعافية في حال الذنب والمعصية فلا تحرمنا المغفرة والرحمة في حال التضرع والاستكانة.

اللهم يا مولانا ارحم في هذه الدنيا غربتنا، وارحم عند الموت صرعتنا وآنس في اللحود وحشتنا، وارحم بين يديك ذل موقفنا، واغفر لنا ما خفي على الناس من أعمالنا.

اللهم لا تجعلنا ممن صرفت عنهم وجهك وأغلقت دونهم باب التوبة، وقطعت من أيديهم أسباب العصمة وطبعت على قلوبهم وتركتهم لذنوبهم وأوكلتهم إلى نفوسهم، إنك على كل شيء قدير.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واخذل أعداءك أعداء الدين من اليهود الغاصبين والصليبيين الحاقدين ومن شابههم من المنافقين المندسين.

اللهم من أرادلهذا الدين خيرا فوفقه لما أراد ومن أراد لهذا الدين غير ذلك فاكفنا فيه بما شئت وكيف شئت واجعل تدميره في تدبيره يا حي يا قيوم.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة.

ذ. محمد الريحاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *