فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!


بمرور الوقت أخذت المذاهب والنظريات الغربية الوضعية تتكشف عن جملة من الأخطاء الحادة، والخطأ -كما يقول السياسي الفرنسي العجوز تاليران- أكبر من الجريمة..

تكشفت عن عوارها وتهافتها وعدم قدرتها على الاستجابة لمطالب الإنسان بعد أن ذبحت أجيالاً بكاملها من الأوربيين وغير الأوربيين، لكي ما تلبث أن تذبح المنتمين إليها وتدين صنّاعها وأربابها.

ومن عجب أن الأرباب أنفسهم تخلّوا عن نظرياتهم -أحياناً- قبل أن ينسلّ منها الأتباع، فيما يذكرنا بحواريات الشيطان وأتباعه في العديد من المقاطع القرآنية : {وقال الشيطان لما قضي الأمر : إن الله قد وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب اليم}.

والحديث عن الموضوع يطول ولذا سأكتفي بالوقوف عند حلقة منه فحسب.

يقول المفكر والأديب المجري المعروف (أرثر كوسلتر) متحدثا عن إحدى خبراته أيام كان منتميا للحزب الشيوعي الألماني في الثلاثينيات من القرن الماضي : “كان الدافع الجنسي مقرراً ومعترفاً به، إلاّ أننا كنا في حيرة بشأنه كان الاقتصار على زوجة واحدة، بل كان نظام الأسرة كلّه عندنا أثراً  من آثار النظام البورجوازي ينبغي نبذه لأنه لا ينمّي الاّ الفردية والنفاق والاتجاه إلى اعتزال الصراع الطبقي، بينما الزواج البورجوازي لم يكن في نظرنا الاّ شكلاً من أشكال البغاء يحظى برضاء المجتمع وموافقته، إلاّ أن الِسفاح والاتصال الجنسي العابر كان يعتبر أيضاً شيئاً غير مقبول وكان هذا النوع الأخير قد شاع وانتشر داخل الحزب سواء في روسيا أو خارجها إلى أن أعلن (لينين) تصريحه الشهير الذي يهاجم فيه نظرية (كأس الماء)، تلك التي تزعم أن العملية الجنسية ليست أكثر خطراً وأثراً من عملية إطفاء العطش بكأس من الماء. وكان الدكتور (ولهلم رايخ)، وهو رجل ماركسي من اتباع (فرويّد)، ومؤسس معهد ( السياسة الجنسية ) قد أصدر تحت تأثير (مالينوفسكي) كتابا سماه (وظيفة الشهوة الجنسية) شرح فيه النظرية التي تزعم أن الفشل الجنسي يسبب تعطيل الوعي السياسي لدى الطبقة العاملة، وأن هذه الطبقة لن تتمكن من تحقيق امكانياتها الثورية ورسالتها التاريخية إلاّ بإطلاق الحافز الجنسي دون حدود أو قيود. وهو كلام يبدو الآن ـ كما يقول كوسلتر نفسه ـ أكثر اعوجاجاً وسخفاً مما كان يبدو لنا في ذلك الحين”.

وهذه النظرية التي يصوغها الدكتور الماركسي ـ الفرويدي: (رايخ)، والتي تمثل امتداداً ميكانيكياً لمقولة (ماركس) و(انغلز) في (المنشور الشيوعي) المعروف، يجيء (لينين) الزعيم الماركسي لكي يقلبها رأساً على عقب وهو بصدد مهاجمة نظرية (كأس الماء) خشية أن يتحول أبناء الروس والسوفيات عموماً إلى “أولاد حرام”؟

ومن ثم فأننا لا ندهش إذا قرأنا في (حدود العلم) (لسوليفان) أن علم النفس ما زال في الوقت الحاضر في مرحلة بدائية جداً ! بل إن البعض ينكر وجود أي علم من هذا القبيل !! وأنه ليس هناك بالتأكيد نظام من المعارف النفسية الثابتة التي جرى إقرارها بصورة عامة، بل هناك عدد من النظريات، لكل منها مجال محدود للتطبيق، وهي تختلف عن بعضها اختلافات عميقة حينما تتناول الظاهرة نفسها.

وهكذا، وفي ضوء استنتاج سوليفان هذا، فإنه إذا كان لنظريتين في علم النفس رأيان مختلفان تماماً إزاء ظاهرة من الظواهر، فكيف يتاح لنا أن نحكم على صدق المنهج النفسي، وعلميته، ويقينيّته ؟ فإذا ما تأكد أن إحدى النظريتين مصيبة، بشكل أو آخر، كانت الأخرى بالتأكيد خاطئة. وليس لنا من ثمّ أن نعتقد بأن علم النفس يتكئ على دعائم ثابتة، كما يحدث في الفيزياء والكيمياء، رغم أن هاتين تتعرضان ـ أيضاً ـ ولكن بنسبة أقل، لتغيرات أسياسية في صميم مقولاتهما.

وقد يقول قائل : إن كلاّ من النظريتين النفسيتين تتضمن قدراً من الخطأ وقدراً من الصواب، وفي هذه الحالة أيضا لا يمكن الاطمئنان إلى سلامة المنهج الذي يعتمده علماء النفس في صياغة نظرياتهم، لأنه ـ في أغلب الأحيان ـ يعتمد التعميم، ومن ثم تختلف النظريات النفسية أحيانا، اختلاف النقيض مع النقيض، دون أن يكون هناك قاسم مشترك. ذلك أن “التعميم” هو الضربة القاتلة لمناهج البحث العلمي الرصين.

 أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *