رسالة إلى قبة البرلمان


-يا أيها البرلماني اتق الله-

إنها إرادة الله تعالى وسنته في خلقه حيث يقول : {وتلك الأيام نداولها بين الناس}(آل عمران : 140).

لا يمكن أن يدوم عز لأحد إلا بإذنه، كما لا يمكن أن يدوم ذل إلا بإ ذنه سبحانه، فهو يوتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.

بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات النيابية التي تقود من شاء الله من عباده إلى الجلوس تحت قبة البرلمان أصِيب المراقبون والمحللون والمتوقعون والخبراء والباحثون بصدمة أربكت كل الحسابات إلا حسابات رب الكون فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولن يكون.

وككل الألعاب فإن العملية الانتخابية في اللعبة الديمقراطية  لابد أن تسفر في النهاية عن منتصر ومهزوم، وهذا أمر طبيعي لأن المنافسة هذه المرة كانت بين 33 حزباً منهم العتيد، ومنهم الجديد، ومنهم المتهم بأنه حزب إداري (أي صنع على عين السلطة) كهذا تصفه الأحزاب (الكبرى) ومنهم من لا يملك من الحزبية إلا إسم الحزب فلم يحرز ولو صوتاً واحداً من أصوات المغاربة (أقصد المقاعد) ومن خلال هذا الخليط من الأحزاب لابد أن يصعد نجم أناس ويأفل نجم آخرين، لأن قانون اللعبة يقتضي ذلك.

لقد انهزم أكثر المرشحين وفاز القليل منهم لأن عدد المقاعد في القبة (المشرفة) محدود.

وإذا كانت الهزيمة أمراً عاديا جداً  فإنه عند البعض كان كارثيا، خصوصاً عند أولئك الذين ارتفع عندهم مستوى الثقة في النفس إلى الحد الذي يجزمون معه بالفوز وتحقيق المفاجأة لأنهم في حزب كذا وأجرك على الله.

الصدمة الكبرى هي أن رموزاً وزعماء اندحروا في هذا الامتحان ومنهم وزراء!!

لكن السؤال المطروح، هو : ماذا يمكن أن يستفيد الخاسرون من هذا الدرس؟

وماذا يمكن أن يستفيد الصاعدون إلى قبة البرلمان؟

أما الخاسرون فعليهم أن يستفيدوا أن عطاءهم في المرحلة السابقة لم ينل رضى الشعب المغربي وأن ما قاموا به حتى ولو كان في نظرهم إنجازات مهمة فإن عدم اختيارهم لولاية جديدة من قبل الشعب المغربي دليل على أنهم يحملون تصورات لا تمت بصلة لِهوية الشعب، ولا لتقاليد الشعب، ولا لأعراف الشعب المغربي الأصيل. فكانت الهزيمة المرة وغادر كل من وزير الثقافة ووزير الاتصال قبة لطالما عشقوها وتعلقت بها قلوبهم. واستنتجت شخصياً أن الثقافة التي سهر على بثها في نفوس المغاربة هي التي أردته صريعاً في حلبة السباق نحو البرلمان.

كما استنتجت أيضاً أن الإعلام الهابط والبرامج المائعة التي تعرض على شاشة التلفزة والتي يؤدي الناخبون ثمنها ممزوجاً في فاتورة الكهرباء هي التي أطاحت بأكبر شخصية في السلم الإداري لوزارة الاتصال وجعلته خارج سرب نواب الأمة.

أما زعماء الأحزاب (المگردعون) كما سماهم الصحفي البارز رشيد نيني فإن فشلهم في استمالة الناخبين أو بالأحرى أصواتهم لأنه كثيراً ما يُصوِّتُ الناخب تحت ضغط العلاقات العائلية أو العصبية القبلية أو المالية أو الحقدية لقطع الطريق على مرشح آخر، يصدق فيهم قوله عز وجل {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}(النحل : 106) كما يجب أن لا نتجاهل تلك النسبة الضعيفة التي لم تتجاوز 37% من عدد النا خبين وأن أزيد من مليون صوت ملغى وبذلك تتدنى نسبة التصويت إلى أقل من 37% بكثير وهذا دليل على أن الغضب وفقدان الثقة في ازدياد مفرط.

وأما زعماء الأحزاب التي ليست لها شعبية وليس لها نفوذ في وسط الشعب المغربي فإن الفائدة التي يجب أن يخرجوا بها من هذه التجربة هي أن الشعب المغربي قال لهم بلسان الحال : كفانا تشردما وتمزقا وتفرقاً، كفانا أحزاباً وألواناً لا تفيد الأمة ولكن تزيدها ضعفا وهواناً في الوقت الذي نجد أمريكا التي تهيمن على العالم وتصدر برامج الديمقراطية إلى العالمكله لا يتبارى في لعبتها إلا حزبان فإلى أين سيصل عدد الأحزاب في الدورة القادمة، أم أن المغاربة يريدون أن يسجلوا أنفسهم في (كتاب دنيس للأرقام القياسية)؟!.

أما الصاعدون إلى البرلمان فعليهم كذلك أن يستفيدوا من الدرس بأن غداً لناظره قريب وأن أصوات الشعب المغربي بعد خمس سنوات ستكون إما لهم وإما عليهم، وأن عليهم أن يقدموا للمغاربة ثقافة تنسجم مع ثقافتهم وإعلاماً يحفظ للأسرة حشمتها ووقارها. وللأطفال فطرتهم، وتعليماً ينبع من كتاب ربهم، واقتصاداً إسلامياً يجدون فيه راحتهم ورفاهيتهم، وطرقاً تُعَبَّد لِفَكّ العزلة عن قراهم وباديتهم، وتشغيلاً يساوى فيه ابن الوزير والمدير والرئيس والجنرال مع ابن الفقير والمسكين والمعوز واليتيم، وأسعاراً تناسب دخل الفرد في كل بقاع المملكة من طنجة إلى الگويرة.

كما على البرلمانيين أن يقفوا صفاً واحداً من أجل قطع الطريق على أعداء الوحدة الترابية ودعاة التقسيم القبلي والعرقي.

كما يجب على نواب الأمة هذه المرة إن كانوا يعتبرون أنفسهم فعلا نواباً للأمة أن يسهروا على أن تمر الحملات الانتخابية القادمة في غير الأجواء التي مرت بها الآن حيث اتضح وبجلاء ذلك التبذير المفرط في وسائل الدعاية مما يخالف الشرع والدين والمروءة، إنها أموال الشعب تضيع وبسخاء بلا حسيب ولا رقيب، وإنها لغة القرآن يداس عليها وإنها أسماء الله الحسنى تدكها أرجل المارة وعجلات السيارات الممزوجة بالنجاسات، في الوقت الذي يعتنى بحروف اللغة العربية في تركيا ولا يتركها المواطن التركي تسقط على الأرض.

فيا أيها البرلماني اتق الله واعلم أن الحصانة التي تحميك الآن سوف تنزع عنك يوم القيامة يوم لا ينفع حزب ولا وزارة ولا منصب وأنك سوف تبعث من قبرك كيوم ولدتك أمك عريانا،{يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس: 34) واعلم أن رسول الله  يخبرك قائلا : >إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع< وأن الله تعالى قال : {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}(التكاثر : 8).

ثم إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة.

اللهم من أراد المغاربة وديارهم وأمنهم وإيمانهم بخير فوفقه لكل خير ومن أراد المغاربة وديارهم وأمنهم وإيمانهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره.

والحمد لله رب العالمين.

عبد الحميد الرازي

hamid.razi@gmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *