الصوم.. وتربية الأمة على النصر 2/1


الهزيمة الداخلية.. والخوف من البشر يحولان دون تحقيق العبودية لله

فكرت كثيراً في أسباب الانتصارات العظيمة التي تحققت في شهر رمضان المبارك بدءاً بغزوة بدر الكبرى، مروراً بفتح مكة المكرمة وانتصار طارق بن زياد في الأندلس، ومعركة عين جالوت ضد المغول والتتر إلى معركة العاشر من رمضان وتحطيم خط بارليف أمام صيحات الله أكبر، حتى إن عدد الانتصارات في هذا الشهر زادت على 185 انتصاراً وفتحاً غيرت مجرى التاريخ.

وتدبرت في الربط بين هذه الانتصارات وبين الشهر الفضيل فوصلت إلى الآتي:

 أولاً: رمضان هو شهر الصبر

والنصر دائماً مع الصبر، والإعداد الجيد، والتخطيط الهادف، وليس مع التعجُّل والتسرُّع اللذين يضيعان كل شيء على مستوى الأفراد، والشعوب والأمم، فلم يعرف النصرَ من استعجل الشيء قبل أوانه، بل عوقب بحرمانه، ولم يعرف النصرَ من استجاب للإثارة، وسُحبت رجله إلى ساحة الوغى قبل أن يستكمل جوانب الإعداد، بل نالته شر الهزائم.

ولم يعرف النصرَ من لم يخلص النية، ولم يتبع سنن الله تعالى في النصر، بل اعتمد على الإثارة والشهرة والدعاية والتضحيم، بل انكشف أمره في ساحة القتال فلم ينفعه كل ذلك، وأصابته مصائبُ الفشل الذريع وآثارُه الخطيرة.

من هنا فإن شهر الصبر له علاقة بالنصر.

ولذلك ربط الله تعالى بينه وبين نصر الله ونزول ملائكته فقال تعالى: {بلَى إنْ تصْبِرُوا وتتَّقوا ويأتُوكم من فوْرِهِم هذا يُمْدِدْكُم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. وما جعله الله إلا بُشْرى لكُم ولتَطْمَئِنّ قلوبُكم به وما النَّصْر إلا من عِنْد الله العَزِيز الحَكيم}( آل عمران : 125)؛ حيث إن الصوم صبْرٌ على شهوتي البطن والفرج، فالصائم يمتنع عن الأكل والشرب والمعاشرة الجنسية طوال نهار شهر كامل، مع الامتناع عن المحرمات : من الكذب والغيبة والسَّبِّ وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك من جميع المحرمات !

بل الصبر حسب ما يريده الإسلام يفرض على الصائم ألا يرُدَّ على من سبه، أو شتمه أو قاتله: ( وإن امرؤ قاتله أو سابه أو شتمه فليقل إني صائم، إني صائم، إني صائم ) .

وبهذا الامتناع الإيجابي يروض الصوم الصائم خلال شهر كامل على الصبر والتحمل، كما يروضه على تحدي شهواته وملذاته، فتصبح إرادته قوية بالله تعالى، غير خاضعة لأهوائه، ولا أهواء أحد.

وهذا هو الارتباط الثاني، وذلك لأن المعارك لا تحسم في ساحة القتال فقط، بل تحسم في ساحة الصدور، وميدان النفس، فالنفوس المنهزمة داخلياً هي التي تنهزم في ساحة القتال، بل قد لا تجرؤ على الدخول في الساحة أصلاً، وتضحي بكل شيء في سبيل أهوائها وشهواتها ومصالحها.

ثانياً: الصبر يعلم الأمة التضحية بالشهوات في سبيل إرضاء الله تعالى

ويعودها تجويع أنفسها في سبيل كرامتها، ومن هنا تسقط أمامها أكبر التحديات المتمثلة في التحدي الاقتصادي.

هنا يتدخل الصوم فينادي: لا وألفُ لا، فلن نخضعَ لشهوات البطن ونضيِّعَ كرامتنا وحقوقَنا، فأنا أروض المسلم على أن يصوم ثلاثين يوماً، أي يوفر 50% من الغذاء بل أكثر من ذلك لو التزمت الأمة بمنهج الإسلام في الإنفاق (دون إسراف ولا تبذير).

ولكن مع الأسف، ضاع هذا الهدف النبيل في خضم تباهي المسلمين بالأكلات والمشروبات في شهر رمضان الفضيل، حيث يصرف الفرد على الغذاء ونحوه في هذا الشهر أضعاف ما يصرفه في بقية الشهور!.

الطريق إلى النصر

الآيات التي تحدثت عن الصوم حملت في طياتها برنامجاً كاملاً ومنهجاً متكاملاً للتربية الصحيحة للوصول بالأمة إلى النصر المبين، وهو ما يأتي:

أولاً : الإصلاح الداخلي :

ركزت آيات الصوم على إصلاح الإنسان من داخله، إصلاح نفسه، وقلبه وروحه من خلال ما يأتي:

أ- بيان أن المقصد الأساسي من الصوم هو “التقوى” فقال تعالى: {كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}( البقرة : 183).

والتقوى محلها الصدر والنفس، كما قال الرسول  : >التقوى ههنا، التقوى ههنا<، وأشار إلى صدره المبارك .

فالتقوى هي استشعار رقابة الله على الإنسان في السر والعلن وفي جميع التصرفات والحركات والسكنات، وذلك هو الإحسان الذي هو قِمّة الدين، كما ورد في حديث جبريل الصحيح المتفق عليه:  >الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك<، وهو أن يصل الإنسان إلى إحدى المرحلتين الآتيتين، وهما:

1- مرحلة القرب من الله تعالى (كأنك تراه) :

وحينئذ لا يجرؤ المسلم أن يقترب من أي ذنب، لأنه يستحي من الله حق الحياء، هذه هي مرتبة الأنبياء والصالحين، كما كان جواب يوسف عليه السلام، حينما قالت المرأة : { هيت لك } قال: { معاذ الله إنه ربِّيَ أحْسَن مثواي إنه لا يُفْلِح الظَّالمُون}( يوسف : 23).

2- مرحلة الإيمان الجازم واليقين الراسخ :

بأن الله تعالى يرى الإنسان في جميع أحواله وتصرفاته وحركاته وسكناته، وحينئذ يستحي من الله تعالى أيضاً، فيمتنع عن المعاصي والذنوب.

ومن المعلوم أن نصر الله لا يُهْدى لعاصٍ، بل لم ينزل على رسوله  في البداية يوم حنين بسبب إعجاب بعض صحابته كما سجل القرآن ذلك ليكون عبرة لأولي الألباب حيث قال: {ويوم حُنين إذ أعجبتكُم كثرتُكُم فلم تغن عنكم شيئا وضاقَتْ عليكُم الأرض بما رحُبَتْ ثم وليتم مدبرين}(التوبة : 25).

ب – بيان أن هناك هدفاً آخر من الصيام هو :

> الوصول إلى عبادة الله وحده، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته وفي تكبيره وشكره وتعظيمه قال تعالى: {ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}( البقرة : 185).

> والإكثار من الدعاء من خلال القرب من الله تعالى، والاستجابة له: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يَرْشُدون}( البقرة : 186).

وهذا يعني أن الصوم الحقيقي يصل بالصائم إلى مرحلة عظيمة من الارتقاء الإيجابي حتى يكون تعظيمُه لله وحده وليس لغيره، ولا يكون تعظيمه لبشر ولا لدولة ولا لسلطان، مهما كان، ويكون شكره لله تعالى، لا لغيره.

ومشكلة المسلمين اليوم في هذا الجانب أن نفوس معظمهم منهزمةٌ في الداخل، وجِلَةٌ من الأعداء، خائفةٌ على مصالحها الذاتية، ولذلك تعظِّم هؤلاء الأعداء وتخاف منهم. ومن ثم لم تحقق العبودية الكاملة التي يريدها الله تعالى من عباده، وذلك بأن يكُون سجودُهم وركوعُهم وخضوعهم له وحده، دون شرك ولا رياء ولا نفاق.

وكذلك تبين هذه الآيات أن هدف الصيام : هو الوصول بالإنسان إلى مرحلة الرشد { لعلهم يرشُدُون} وذلك من خلال ترويضهم على التعبد لله تعالى فقط، وليس للأهواء أو الشهوات والرغبات والعواطف.

د. علي محيي الدين القرة داغي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *