الدراسة البنكية للتمويل الإسلامي


سبق وأن تعرفنا من خلال مقالاتنا السابقة على أصول وصيغ و ضوابط ومتطلبات تطبيق التمويل الإسلامي المنتظر في بلادنا ونظرا لأهمية جانب الدراسة البنكية في هذا المجال لا بد من التطرق كذلك لهذا الموضوع. وقبل ذلك نشير إلى بعض مشاكل الدراسة البنكية التقليدية…

مشاكل وعيوب الدراسة البنكية التقليدية

من المعلوم أن البنوك تعاني من تعثر المتعاملين معها في سداد ما عليهم من ديون، وهناك أسباب عديدة تؤدي إلى ظهور مشكلة عدم السداد ويمكن تقسيمها إجمالا إلى نوعين من الأسباب، وهما أسباب متعلقة بطالبي التمويل وأسباب ناتجة عن قصور الدراسة البنكية…

>أسباب متعلقة بطالبي التمويل :

1- تأثير الترويج للقروض والسعي الدائم وراء الاقتراض وتراكم الديون وأحيانا بدون أسباب معقولة وغالبا بدون دراسة العواقب…

2- عدم الصدق والأمانة في المعلومات المقدمة من المتعامل، حيث يتضمن طلب التمويل ما يفيد قدرته على السداد، بينما الحقيقة غير ذلك، وهذا يدخل في باب الكذب والغش والتدليس، وكلها أمور منهي عنها شرعا.

3- إخفاء المعلومات التي تظهر عدم القدرة على السداد، بعدم ذكر الديون الأخرى المترتبة بذمة طالب التمويل أو المبالغة في قيمة الضمانات المقدمة منه وكل ذلك محرم شرعا، لأنه من باب التدليس.

4- عدم وجود الرغبة في السداد عند طالب التمويل.

5- التواطؤ بين طالب التمويل و بعض مكاتب المحاسبة والاستشارات على اعتماد بيانات وقوائم مالية تتضمن معلومات غير صحيحة…

>أسبـاب ناتجة عن قصور الدراسة البنكية :

1- عدم كفاءة الاستعلام عن طالب التمويل للتأكد من خلقه وجدارته الائتمانية مما يعرض البنك لمخاطر عدم السداد، وهذا يدخل في باب التقصير في العمل من جانب لجنة التمويل بالبنك وعدم قيامها بواجبها، وهذا أمر ممنوع شرعا وغير مقبول.

2- قصور دراسة الجدوى للمشروعات المطلوب تمويلها والتلاعب في هذه الدراسة لإظهار أن المشروع سوف يحقق عائدا يمكن من سداد التمويل، وقد يتم ذلك باللجوء إلى مكاتب غير خبيرة، وهو من باب التقصير في العمل، والتدليس، لأن مكتب المحاسبة الذي يقوم بإعداد دراسة الجدوى، وهو غير قادر على إتمامها بكفاءة شأنه شأن الأجير الذي يتعاقد على عمل لا يحسنه، وبالتالي فهو غاش ومدلس.

3- التواطؤ بين طالب التمويل و بعض مكاتب المحاسبة على إظهار دراسة الجدوى غير الحقيقية، هو من باب شهادة الزور، وكلها أعمال محرمة شرعا.

> عيوب الطريقة التقليدية لدراسة طلبات التمويل :

تعتمد البنوك في الغالب على أسس تقليدية تظل غير كافية في تحليلـها لطلبـات التمويل المقدمة لها وأهم هـذه الأسس:

1- القدرة الإدارية لطالب التمويل دون مراعاة خلقه

2- رأسمالـــه دون التأكد من حيازته الفعلية

3- المبلـغ المطلـوب دون معرفة مدى حاجته وكفايته

4- الغاية من التمويل دون مراعاة نتائجها وهل هي مباحة شرعا

5- مصادر تسديد التمويل والتي قد تكون لا علاقة لها بالمشروع الممول

6- الضمانة لتسديد التمويل والتي في الغالب تكون غير مرتبطة بالمشروع

وأهم العيوب الأخرى للطريقة التقليدية لدراسة التمويل يمكن إجمالها فيما يلي:

1-القدرة الإدارية غير كافية في حالة انعدام الخلق لدى مدير المقاولة بما في ذلك انعدام الوفاء بالالتزامات و غياب الرغبة في التسديد

2- القدرة على إنتاج سلعة جيدة أو تقديم خدمة جيدة غير كافية في الوقت الذي تجهل فيه إدارة المقاولة الأمور المالية التي قـد تؤدي إلى إحراجها مع البنك الذي تتعامل معه أو مع الموردين…

3- عدم القدرة على متابعة كيفية استعمال المقاولة لأموال البنك.

4- بخصوص الضمانة، فمن المعروف أن الضمانة الجيدة لا تجعل من التمويل السيئ تمويلا جيـدا.

> عيوب المستندات المالية التقليدية المستعملة في التحليل المالي

أما بخصوص القوائـم المالية والتي تشكل الأداة الأهم في التحليل المالي بالنسبة للبنوك عند دراسة طلبات التمويل فعيوبها كثيرة منها:

1- أرقام القوائم المالية المطلوبة والتي ترجع عادة لثلاث سنوات الأخيرة، تظهر الماضي وليس المستقبل ورغم أهمية نتائج الماضي في توقع المستقبل إلا أنه يظل الاعتماد على أرقام الماضي في تقييم طلب التمويل يشبه من يقود سيارة على المرآة الخلفية.

2- القوائم المالية تظهر القيمة الدفترية للموجودات والمطلوبات وهي تختلف تماما عن القيمة السوقية.

3- لا يوجد لكفاءة الإدارة أي أثر في الميزانيـة.

4- معظم الميزانيات تـقـدم لأغراض ضرائبية وخاصة ميزانيات المشاريع الفردية أو مقاولات الأشخاص.

5- الميزانية هي صورة للوضع المالي للشركة في لحظة من الزمن وبالتالي تعمل المقاولات على إظهار ميزانياتها في نهاية الفترة المحاسبية في أفضل صورها

(وهذا ما يعرف بتجميل الميزانية) .

أساسيات الدراسة البنكية للتمويل الإسلامي

من المفروض على من يرغب في التمويل الإسلامي والقائم بدراسة الطلبات المتعلقة به استيعاب بعض القواعد الشرعية للمعاملات و العمل على تجميع المعلومات الضرورية ودراسة مخاطر المشاريع المطلوب تمويلها ومعرفة تقنيات التنبؤ المالي وجوانب القوة والضعف للمشاريع قبل تمويلها…

ومن البديهي قبل كل شيء معرفة الضوابط الشرعية لصيغ التمويل الإسلامي(المرابحة والمشاركة والإجارة) وتفادي عيوب الدراسة التقليدية السالفة الذكر…

> أهمية استيعاب بعض القواعد الشرعية لاشك أن من يرغب في التمويل الإسلامي والعامل في هذا المجال، يفترض فيه استيعاب الحد الأدنى من القواعد الشرعية في مجال المعاملات والتي من جملتها:

1- عدم مخالفة مقاصد الشريعة: حيث فيها مصالح العباد في الدنيا والآخرةوهى : حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

2- الأصل فى المعاملات الحل ما لم يرد بشأنه نص صريح من القرآن والسنة والإجمـاع.

3- التراضى التام بين المتعاملين، والمؤمنون عند شروطهم إلا شرطآ أحل حراما أو حرم حلالا

4- المعروف عرفا كالمشروط شرطا في ما لم يرد به نص من القرآن والسنة الإجماع

5- النظر فى العقود والمعاملات إلى المقاصد والمعانى ، لا إلى الألفاظ والمبانى

6- لا تحايل على شرع الله والعبرة بالمقاصد وليس بالسبل والوسائل، والالتزام بشرع الله عبادة .

7- لا ضرر ولا ضرار ،والأصل فى المضار الحظر والتحريم

8- التوثيق ضروري لحفظ الأموال والمعاملات

9- تقوم المعاملات على القيم الإيمانية والأخلاقية .

10- تجديد النيّة بأن المعاملات عبادة ، وأن الدين المعاملة .

>  ضرورة الحــرص على توفير الـمعلومات :

من الواجب على من يقوم بدراسة ملف التمويل سواء بالمشاركة أو المرابحة أو الإجارة أن يعمل على توفير كافة المعلومات الضرورية حسب صيغة التمويل المطلوبة وحسب طالب التمويل (شخص ذاتي أو معنوي) ومن جملة هاته المعلومات:

1- المعرفة الجيدة لطالب التمويل من حيث الخلق والالتزام والقدرة والمهارات على تسيير عمله بطريقة ناجحة.

2- معرفة مبلغ التمويل والتحقق من كفايته لسد الحاجة المالية.

3- التأكد من وجود توازن بين الربح المحتمل للتمويل والمخاطرة .

4- التأكد من أن التمويل المطلوب من أجل غرض مبرر وغير محرم شرعا.

5- التأكد من وجود مصدر للتسديد وينتج عن المشروع بالنسبة للمقاولة.

> ضرورة دراسة المخاطر وأثرها على المقاولة :

تعتبر عملية تقييم المخاطر وإدارتها أحد العناصر المهمة لنجاح المشاريع الممولة بصيغ التمويل الإسلامي حيث تضمن سلامة عملية التمويل من المشاكل وفيما يلي جدول بأنواع المخاطر وبعض الأمثلة مع نتائجها التي من المفروض أن تشملها الدراسة البنكية…

جدول لدراسة المخاطر

> أهمية التنبؤ المالي بالنسبة للمقاولة والبنك :

1- إن المقصود بالتنبؤ المالي هو تقدير الأوضاع المالية للمقاولة استنادا إلى المتغيرات التي تؤثر في هذه الأوضاع والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

ـ القرارات الإدارية للمقاولة

ـ العوامل والمتغيرات الكلية المحيطة بها

ـ الأداء المالي السابق لها

ـ الأداء المالي للمقاولات المماثلة

2- الأدوات الأساسية المستخدمة في التنبؤ المالي هي القوائم المالية المتوقعة:

ـ قائمة التدفق النقدي المتوقعة

ـ قائمة الدخل المتوقعة

ـ الميزانية العمومية المتوقعة

3- لابد من توفير كافة المعلومات المالية والكمية والنوعية حتى يمكن الاعتماد على نتائج التنبؤ المالي في اتخاذ القرارات.

4- من المفروض أن تقوم المقاولة بعملية التنبؤ المالي واستخراج القوائم المالية المتوقعة

(مع بيان الأسس والفرضيات التي تم الاستناد إليها) وأن يقوم البنك بتحليل القوائم والحكم على مصداقيتها و على سلامة الفرضيات والأسس وتحديد المتغيرات الأساسية.

5- يوفر التنبؤ المالي للمقاولة والبنك على السواء، المعرفة المعمقة للمقاولة وبالتالي يساعد في اتخاذ القرار الجيد في إطار تعاوني بين البنك والمقاولة.

> أهمية التحليل الإستراتيجي الرباعي: SWOT :

يسمى التحليل الرباعي الإستراتيجي بهذا الإسم لأنه يعتمد على دراسة أربع مجموعات من العوامل التي تؤثر في الموقف الكلي للمقاولة وهي كما يلي:

ـ جوانب القوة:     Strenghts

ـ جوانب الضعف : Weaknesses

ـ الفرص المتاحة : Opportunities

ـ التهديدات: Threats

وينتج عن تحليل SWOT تحديد الجوانب الإيجابية للمقاولة (جوانب القوة والفرص)

مقابل الجوانب السلبية لها (جوانب الضعف والتهديدات) ولكي تزداد قيمة التحليل يجب معرفة أي من هذه الجوانب يتغلب على الآخر وأيها أكثرأهمية بالنسبة للمقاولة والبنك

ويجب أن ينظر إلى تحليل SWOT على أنه تحليل مرن حيث يمكن أن تتغير عناصره بتغير الظروف المحيطة بالمقاولة والذي يترتب عليها تغير نتائج التحليل…

وهناك تقنيات وأساليب أخرى للدراسة البنكية والتحليل المالي ودراسة الجدوى للمشاريع، لا مجال للتطرق إليها في هذا المقال…

جدول بأمثلة عن العوامل التي تظه

في تحليل SWOT

وفي الختام، نرى أن الطريقة التقليدية الجاري بها العمل غالبا لتحضير ودراسة ملفات التمويل من أهم أسباب الفشل الذي تتعرض إليه المقاولات الممولة حيث ينتج عنها تراكم الديون غير المسددة من جهة، ومن جهة أخرى تعتبر أحد العوامل التي تؤدي إلى تعثر التمويل البنكي وما ينتج عن ذلك من منازعات ولجوء إلى القضاء…

وبالتالي فلا بد من إعادة النظر في هاته الطريقة عند إعداد ودراسة ملفات التمويل بالصيغ الإسلامية الجديدة ببلادنا والبديلة للقروض والتي لها خصوصيتها لضمان نجاحها والحرص على أن تخدم الدراسة مصالح طالب التمويل والبنك على السواء في إطار الشراكة الحقيقية والتزام الجانبين بالقواعد الشرعية للمعاملات والتقنيات الحديثة لدراسة تمويل الأشخاص والمشاريع…

ذ. مصطفى حادق

خبير بنكي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *