الانتخابات التشريعية المغربية 2007 أية دلالات وأية إشكالات ؟


انتهى اقتراع 7شتنبر 2007 الذي اعتبر اقتراعا مصيريا واستحقاقا ديموقراطيا ، لذلك فقد استدعي للتباري في حلبة الصراع والتنافس -على أجرة وامتيازات مقاعده- 33 حزبا و5 لوائح مستقلة مما طبع العملية فعلا بكونها رهانا حقيقيا، وتجربة سياسية جديرة بالتوقف عندها بعد ظهور النتائج وفوز من فاز وفشل من فشل، فأي دلالات تحملها هذه الانتخابات  ونتائجها؟ وما الإشكالات التي يمكن أن تثيرها وتستدعي الالتفات إليها بالدراسة والتحليل العميق؟

أولا : على مستوى برامج الأحزاب :

لاحظ الناخب المغربي  ومن له اهتمام بهذا الأمر أن برامج الأحزاب يطبعها مجموعة من الصفات السلبية منها :

* التماثل والتشابه وكأنما اتفق عليها من طرف الأحزاب المتبارية على طاولة واحدة وأسند لكل حزب أن يصوغها بأسلوبه الخاص في مكتبه الخاص!! فهل التشابه والتماثل في هذه البرامج محض صدفة وقدر؟! أم أن هموم المغاربة واحدة والنخبة السياسية كلها على وعي بها فجاءت حلولها متقاربة أيضا؟!  أم أن ذلك تدبير مبيت وحيلة دأبت الأحزاب على استغلالها لعقود ؟!

* التركيز في برامج الأحزاب على وعود وأمنيات تدغدغ أحلام المواطنين بتعابير معسولة وعامة من قبيل “النضال من أجل تشغيل الجميع” وهي عبارة وردت عند أحزاب اليمين واليسار معا !!فأي نضال عند اليمين؟ وأي قدرة اليوم لليسار على النضال بعد أن باع كل شيء وأصبح هو واليمين يتسابقان على اقتسام غنائم الاقتراع؟! ثم أليست أزمة التشغيل من نتائج سياسة هذه الأحزاب التي شاركت في الحكومات السابقة يمينية ويسارية؟! هذا مثال واحد والأمثلة كثيرة والأسئلة عليها أكثر مما تساءلنا عنه وهي حاضرة في ذهن كل مواطن غيور.

* تمركز برامج الأحزاب في دائرة الوعود الخبزية البطنية الاستهلاكية التي تشكل اهتمام الشرائح الاجتماعية العريضة التي تم تهميشها وتفقيرها إلى حد أصبحت لا تتمنى إلا حاجتها اليومية الآنية للحفاظ على الحد الأدنى من الوجود!! أليست هذه الوضعية الاجتماعية من صنع الأحزاب المتعاقبة على تدبير الشأن العام منذ فترات طويلة دون أن تفكر -في السابق- في مشاريع تنموية كبرى تكفل للمواطنين عزهم وكرامتهم المادية والمعنوية؟! أليست هذه الأحزاب هي التي أغرقت البلاد في سيول جارفة من القروض الدولية من غير استثمار حقيقي ثم انبطحت في الأخير لإملاءات البنوك الدولية ؟!وهنا طبيعي أن تتوجه كل الأحزاب نحو الدق على الوتر الحساس عند المواطن وهو الخبز والسكن والعمل ..دون الالتفات إلى العناية بتكوين مشاريع وبرامج استراتيجية كبرى تتسم بالشمولية والتوازن والفعالية والواقعية .

ثانيا على مستوى تدني نسبة المشاركة:

إذ لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية تنزل نسبة المشاركة إلى حوالي 34%. فأية دلالة يحمل هذا الرقم؟ وهل هو عزوف عفوي أم إرادي أم هو “عصيان مدني” و”جريمة لا تغتفر” كما حاول البعض وصفها وتضخيمها؟ وفي جميع الأحوال فإنها نسبة تعكس حالة تستدعي التفكير في إيجاد حلول جذرية وشمولية للظاهرة وليست حلولا آنية ومستعجلة وأحادية ، ولست هنا معنيا بذلك بقدر ما أنني معني بمحاولة استكناه بعض دلالات وإشكالات الظاهرة ومن جملة هذه الدلالات ما يلي :

– إنه لأول مرة تقريبا منذ الاستقلال إلى الآن يقرر الناخبون المغاربة بحرية وإرادة ذاتية بالتصويت أو عدم التصويت بدون إكراه أو خوف من متابعة أو محاسبة كما كان الحال سابقا ؛ ولعل هذا الجو من الحرية يمكن عده مكسبا سياسيا إيجابيا ينبغي الدفاع عنه والمحافظة عليه لكن مع ضرورة معالجة جوانبه السلبية وتعزيز جوانبه الإيجابية وتنميتها وتدعيمها.

– إن تدني نسبة التصويت قد تعكس النضج السياسي للمواطن المغربي الذي أصبحت فيه نسبة الفئات المتعلمة والمثقفة مرتفعة نسبيا بالمقارنة مع السابق ، وقد ولد هذا النضج وعيا عاما بهشاشة البرامج الحزبية وضعف مصداقيتها الأمر الذي يمكن عده رسالة موجهة للأحزاب السياسية وعقابا لها يستدعي من هذه الأحزاب مراجعة ذاتها على مستوى برامجها وأساليبها التقليدية في التحايل على المواطن بالكذب والغش واستغلال ظروفه المأزومة للتلاعب بعواطفه وشراء الضمائر اليائسة والضعيفة واستغلال الفئات الأمية استغلالا فاحشا. أما آن الأوان لهذه الأحزاب أن تعيد بناء ذاتها بناء تتصارح فيه مع الشعب وتتصالح معه وتتعاهد على طي صفحة الماضي الأليم؟!

– إن تدني المشاركة راجع في واحد من جوانبه إلى تشتت المشهد السياسي المغربي وتشظي الأحزاب ، إذ كلما صغرت الشظايا وضعفت حركتها عجزت عن جذب الأجسام إليها ، كما أنه أمام هذه الشظايا يعجز المواطن عن اختيار الشظية الكفيلة بإنقاذ نفسه من الظلمة والضياع بل إن الشظية /الحزب غير قادرة عن دفع الضر عن نفسها أو جلب الخير فكيف بأن تدفع عن غيرها شرا أو أن تجلبه له . وهنا وبهذا الصدد يتساءل الجميع: ما الفائدة من هذه التعددية الحزبية إلى هذه الدرجة من التشظي والضعف والصورية ؟ هل هو تعبير قوي عن الديموقراطية وإرادة في تعزيز مظاهرها ومؤسساتها؟! أم أنه رغبة في إتاحة الفرصة لأكبر شريحة اجتماعية سياسية في المشاركة في تدبير الشأن العام أم أنه تفتيت للمشهد السياسي وبلقنة مقصودة لإضعاف القوى السياسية الحية والفاعلة وامتصاص الأصوات منها باسم شعار “الديموقراطية للجميع”؟ ولمصلحة من هذة البلقنة وهذا التشظي والانقسام والتقسيم ؟

ثالثا على مستوى نتائج الاقتراع :

أفرزت نتائج الاقتراع مشهدا سياسيا حزبيا جديرا بالتأمل والدراسة ، ومن جملة ما يمكن ملاحظته ما يلي :

– “فوز” ستة أحزاب بأكثر من 20 مقعدا وهي نسبة ترشحها قانونيا للمساهمة في تكوين الحكومة المقبلة عن طريق التحالفات، أما قسم آخر من الأحزاب فلم يحظ إلا بنسبة أقل من 1% من الأصوات المعبر عنها!! فيما أخفقت كثير من الأحزاب الصغرى والجديدة/” الشظايا ” من الحصول على ثقة الناخبين ولو بمقعد واحد في البرلمان المقبل!! فهل يمكن في هذا الوضع الحديث عن حزب قوي ؟ أو عن كتلة وأغلبية منسجمة وقوية ؟ وهل الحزب الذي سيختار المعارضة قادر على ذلك؟ وبأية أساليب وأية جماهير؟ وبأي حجم؟ إن هذه التساؤلات وغيرها تدفعنا في اتجاه الدلالات التالية :

– إنه لا أحد من الأحزاب يحق له النصر ولا الفرحة به ما دام لم يحقق الأغلبية المطلقة أو القريبة من ذلك على الأقل، لأنه لن يستطيع الوفاء بوعوده كاملة ولا يستطيع تطبيق “برنامجه الحزبي” كاملا بالنظر إلى تضارب المصالح ووجود “لوبيات” داخل كل مؤسسة مهمتها الفسادوالإفساد وعرقلة المشاريع الجادة.

– لا أحد من الأحزاب “الفائزة” يملك قاعدة شعبية عريضة ومؤطرة تسنده وتدعم مشروعه الإصلاحي وتحمي البلاد من الانزلاقات والانحرافات.وكثير منها لا يرغب في ذلك ويفضل أن يبقى حزبا فوق الشعب ومدعوما من فوق ، ويفضل الراحة على العمل ويؤْثر عدم الظهور إلا في الحملات الانتخابية لجرف الأصوات التي ألقتها على الأرض أزمة التدبير التي تسببت فيها هذه الأحزاب المتقاعسة عن مصالح البلاد والعباد .

– إن هذه التعددية المفرطة من غير برامج صادقة ولا جماهير مؤطرة على المبادئ الوطنية والهوية الإسلامية للمغرب هي حالة مَرَضية مضعفة للأحزاب والبلاد والعباد ومضيعة للجهود والمصالح نذكر سببين هما :

–  تراجع أحزاب اليسار عن الحفاظ على ثقة المواطنين فيها ، ولعل من أسباب هذا التراجع :

ü خطاب المعارضة الذي تبنته هذه الأحزاب وعملها التعبوي الذي نهجته طيلة مسيرتها “النضالية” سرعان ما تخلت عنه بمجرد ما لاح لها بريق الكراسي الوزارية وأخذ لعابها يسيل على فتات الامتيازات والمكاسب فنسيت الوعود وتنكرت للطبقات الشعبية التي اعتبرت عند بعضهم “قوات شعبية” لا يمكن ” الاتحاد” أو إحراز “التقدم والاشتراكية” أو أن يكون المغرب في “الطليعة” إلا بها.

ü اتخاذ هذه الأحزاب لمرجعية يسارية اشتراكية علمانية سافرة وادعائها تمثيل الشعب المغربي المسلم لهو من أكبر الأكاذيب والافتراءات ، وباسم العلمانية والحداثة والديمقراطية … واجهت هذه الأحزاب الإسلام واسْتَعْدَت الشعب المغربي بعضه على بعض، كما حاولت استعداء الأجنبي على البلاد، وفتحت عيون المخابرات الأجنبية لمزيد من التحكم والمراقبة والتوجيه ومتابعة الحراك الاجتماعي والثقافي والتحكم فيه عن قرب وعن بعد على حد سواء.

هذا التراجع لأحزاب اليسار هل يعني أن الشعب المغربي لم يفهم الأحزاب “التقدمية الحداثية” ولم يرق بعد إلى مستوى العلمانية والحداثة المطلوب منه اعتناقها طوعاً أو كرها؟

أم أن الأحزاب “التقدمية” المغربية ما زالت لم تع درس الهزائم التي لقيتها نظيراتها في العالم الإسلامي؟

ألا تحتاج الأحزاب اليسارية إلى مصالحة صريحة مع ذاتها ومع أوطانها الإسلامية وإلى مراجعة لمرجعياتها الكلاسيكية التي اندحرت في مصادرها الأصلية؟.

في ظل هذه الملاحظات -التي ركزت على الدلالات المحلية دون الإقليمية والدولية- يمكن القول إن الإصلاحات السياسية رهينة بالصدق والالتزام بالمبادئ العليا للإنسان التي أكدها الإسلام، ورهينة بتعاهد الجميع مواطنين وأحزاباً على الإصلاح الفعلي، وعلى الغيرة الحقيقية على المقدسات العليا للبلاد، وثوابتها الحضارية، وأن التربية على القيم الإسلامية والوطنية هو الكفيل بإنتاج مواطنين وأحزاب في المستوى الراقي الذي يشرف بلدنا المغرب.

د. الطيب الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *