من روائع التفسير: تفسير الشيخ عبد الحميد بن باديس


{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين }

الشيخ ابن باديس، رحمه الله ، (1307هـ1359هـ ـ 1889/ 1940م) من كبار رواد حركة الإصلاح والبعث الإسلامي المعاصر ، وقد كان من المؤسسين لجمعية العلماء  المسلمين التي كان لها الفضل في الحفاظ على عروبة الجزائر وإسلاميتها ، وصدق الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حين كتب في جريدة البصائر “يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوة تحرك، ورابطة تجمع ونوراً يهدي، وعطراً ينعش”.والمقال الذي نقدمه اليوم هو من مجالسه التذكيرية ، التي تعكس بجلاء الفهم الدعوي والإصلاحي للإسلام والدور المنوط بالمسلمين في الشهود الحضاري .

تمهيد

خلق الله محمدا  أكمل الناس، وجعله قدوتهم، وفرض عليهماتباعه والائتساء به (1)، فلا نجاة لهم من المهالك والمعاطب، ولا وصول لهم إلى السعادة في دنياهم وأخراهم، ومغفرة خالقهم ورضوانه إلا باقتفاء آثاره والسير في سبيله.

فلهذا أمر الله نبيه  أن يبين سبيله بيانا عاما للناس، لتتضح الحجة للمهتدين، وتقوم الحجة على الهالكين. أمره أن يبينها البيان الذي يصيرها مشاهدة بالعيان، ويشير إليها كما يشار إلى سائر المشاهدات، فقال له : {قل هذه سبيلي}. ثم بين سبيله بثلاثة أشياء:

الأولى :الدعوة إلى الله على بصيرة ، والثانية : تنزيه الله تعالى، والثالثة : البراءة من المشركين؛ فقال : {أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين}.

أولا :الدعوة إلى الله

وتتضمن عدة لوازم :

أولها : دوام الدعوة: فالنبي  من يوم بعثه الله إلى آخر لحظة من حياته، كان يدعوالناس كلهم إلى الله، بأقواله وأفعاله وتقريراته وجميع مواقفه فيسائر مشاهده.

وكانت دعوته هذه بوجوهها كلها واضحة جلية لا خفاء بها، كما قال  : >وأيم الله لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء<(2)، فكانت مشاهدة معينة، كما أشير إليها في الآية إشارة المعين المشاهد.

كان يدعوإلى دين الله، ويبين هوذلك الدين ويمثله :  يدعوإلى عبادة الله وتوحيده وطاعته، ويشاهد الناس تلك العبادة والتوحيد والطاعة، فكان  كله دعوة إلى الله.فما دعا إلى نفسه؛ فقد مات ودرعه مرهونة في دين. وما دعا إلى قومه، فقد كان يقول : >لا فضل لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بتقوى الله<.

 ثانيها : عموم الرسالة: كان يدعوالناس كلهم، إذ هورسول الله إلى الناس كلهم، فكتب الكتب وأرسل الرسل، فبلغت دعوته إلى الأمم وملوك الأمم.

كان يدعوا الكافرين كما يدعوالمؤمنين: يدعوأولئك إلى الدخول في دين الله ويدعوهؤلاء إلى القيام بدين الله، فلم ينقطع يوما عن الإنذار  والتبشير، والوعظ والتذكير.

ثالثا : الدعوة على بينة : كان يدعوإلى الله على بينة وحجة يحصل بها الإدراك التام للعقل، حتى يصير الأمر المدرك واضحا لديه كوضوح الأمر المشاهد بالبصر، فهوعلى بينة ويقين من كل ما يقول ويفعل، وفي كل ما يدعومن وجوه الدعوة إلى الله في حياته كلها، وفي جميع أحواله.

وكانت دعوته المبنية على الحجة والبرهان، مشتملة على الحق والبرهان، فكان يستشهد بالعقل، ويعتضد بالعلم، ويستنصر بالوجدان، ويحتج بأيام الله في الأمم الخالية، وما استفاض من أخبارها، وبقي من آثارها من أنباء الأولين، وما يمر الناس عليه مصبحين وبالليل (3).

 رابعا : المسلمون دعاة: على كل مسلم أن يكون داعيا إلى الله: لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله سبيل محمد  ما يفيد أن على اتباعه – وهوقدوتهم ولهم فيه الأسوة الحسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم.

ولكن لتأكيد هذا عليهم بيان أنه من مقتضى كونهمأتباعه وأن اتباعهم له لا يتم إلا به – جاء التصريح بذلك هكذا : {أدعوإلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.  فالمسلمون أفرادا وجماعات، عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله، وأن تكون دعوتهم على بينة وحجة وإيمان ويقين، وأن تكون دعوتهم وفقا لدعوة الرسول ، وتبعا لها(4).

 خامسا :ماهية الدعوة: بم تكون الدعوة؟ تكون الدعوة إلى الله بعدة أمور منها :

1- دروس العلوم كلها، ما يفقه في دين الله، ويعرف بعظمة الله وآثار قدرته، ويدل على رحمة الله وأنواع نعمته.فالفقيه الذي يبين حكم الله وحكمته، داع إلى الله والطبيب المشرح الذي يبين دقائق العضوومنفعته داع إلى الله ، ومثلهما كل مبين في كل علم وعمل.

2-  بيان حجج الإسلام، ودفع الشبه عنه، ونشر محاسنه بين للأجانب عنه، أن يدخلوا فيه.

وبين لمزعزعي العقيدة من أبنائه ليثبتوا عليه.

3- مجالس الوعظ والتذكير، لتعريف المسلمين بدينهم، وتربيتهم في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم على ما جاء به، وتحبيبهم فيه، ببيان ما فيه من خير وسعادة لهم وتحذيرهم مما أدخل فيه من محدثات عليه أنها هي سبب كل شقاوة وشر لحقهم ، وبيان أنه ما من سبب مما تسعد به البشرية أفرادها وأممها – إلا بينه لهم ودعاهم إليه، وما من سبب مما تشقى به البشرية، أفرادها وأممها – إلا بينه لهم ونهاهم عنه ، وبيان أنه لولا عقيدته المتأصلة فيهم، وبقاياه الباقية لديهم، ومظاهره القائمة بهم، لما بقيت لهم – وهم المجردون من كل قوة – بقية، ولتلاشت أشلاؤهم – وهم الأموات – في الأمم الحية.

4-  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهوفرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواجب بحسب رتبة الاستطاعة: فيجب باليد – فإن لم يستطع فباللسان، فإن لم يستطع فبالقلب، وهوأضعف الإيمان، وهو أقل الأعمال في هذا المقام (5).

5-  إظهار المسلمين -أفرادا وجماعات-لبما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة وعلم وعمل، وصدق وأمانة فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم عنه، وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم، إلا لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال، كما يدعون بالأقوال، ومازالت الأعمال عيارا على الأقوال.

6-  ارسال البعثات إلى الأمم غير المسلمة، ونشر الكتب بألسنتها، وبعث المرشدين إلى عواصم الأمم المسلمة لهدايتهم وتفقيههم.

وكل هذا من الدعوة إلى الله ثابتة أصوله في سنة النبي  وسنة السلف الصالح من بعده.فعلى كل مسلم أن يقوم بما استطاع منه في كل وجه من وجوهه، وليعلم أن الدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل نبيه  وسبيل إخوانه الأنبياء صلوات الله عليهم من قبله.

فلم يكن المسلم ليدع من هذا المقام الشريف – مقام خلافة النبوة – شيئا من حظه، وإذا كان هذا المقام ثابتا لكل مسلم ومسلمة – فأهل العلم به أولى وهوعليهم أحق، وهم المسؤولون عنه قبل جميع الناس.

وما أصاب المسلمين ما أصابهم إلا يوم قعد أهل العلم عن هذا الواجب عليهم. وإذا عادوا إلى القيام به – وقد عادوا والحمد لله – ولاشك – إن شاء الله – أن ينجلي عن المسلمين مصابهم (6).

سادسا : ميزان الداعية: ليس كل من زعم أنه يدعوإلى الله  صادقا في دعواه، فلا بد من التفرقة بين الصادقين والكاذبين. والفرق بينهم- مستفاد من الآية بوجهين:

الأول :أن الصادق لا يتحدث عن نفسه، ولا يجلب لها جاها ولا مالا، ولا يبغي لها من الناس مدحا ولا رفعة ، أما الكاذب فإنه بخلافه: فلا يستطيع أن ينسى نفسه في أقواله وأعماله.

وهذا الفرق يستفاد من قوله تعالى : {إلى الله}.

الثاني: أن الصادق يعتمد على الحجة والبرهان، فلا تجد في كلامه كذبا ولا تلبيسا ولا ادعاء مجردا، ولا تقع من سلوكه في دعوته على التواء ولا تناقض ولا اضطراب، وأما الكاذب فإنه بخلافه: فإنه يلقي دعاويه ويحاول تدعيمها بكل ما تصل إليه يده ولا يزال لذلك في حنايا وتعاريج لا تزيده إلا بعدا عن الصراط المستقيم ، وهذا الفرق من قوله تعالى: ” على بصيرة “.

 ثانيا : تنزيه الله تعالى

الاعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة، ويكاد لا تكون لمنكريه، عنادا – نسبة عددية بين البشر ، ولكن أكثر المعترفين بوجوده قد نسبوا إليه ما لا يجوز عليه، ولا يليق بجلاله: من الصاحبة والولد، والمادة والصورة، والحلول والشريك في التصرف في الكون، والشريك في التوجه والضراعة إليه، والسؤال منه والاتكال عليه، فأرسل الله الرسل ليبينوا للخلق تنزهه عن ذلك كله.

وكان من سبيل محمد  أنه يدعوالخلق إلى الله، وينزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون، وتخيله المتخيلون وهومعنى قوله : “وسبحان الله”، فهويدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم، وعرفوا أنه هوخالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته، ومواقع رحمته، ومظاهر حكمته، وآيات ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته في جلاله وسلطانه، وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

وهذا التنزيه – وإن كان داخلا في الدعوة إلى الله فإنه – خصص بالذكر، لعظم شأنه؛ فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه، أونسب إليه ما لا يليق بجلاله، أوأشرك به سواه. وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية.

فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها، تنزيه الله تعالى عن الشبيه والشريك، وكل ما لا يليق.

والمسلمون المتبعون لنبيهم  في الدعوة إلى الله على بصيرة، متبعون له في هذا التنزيه : عقدا، وقولا، وعملا، وإعلانا، ودعوة.

ثالثا : البراءة من المشركين

إن الأمة التي بعث منها النبي  وهي أول أمة دعاها إلى الله، هي الأمة العربية، وهي أمة كانت مشركة تعرف أن الله خلقها ورزقها، وتعبد مع ذلك أوثانها وتزعم أنها تقربها إلى الله، وتتوسط لها لديه !!

فكان النبي   كما يدعوإلى الله وينزهه، يعلن براءته من المشركين، وأنه ليس منهم : براءة من عقيدتهم، وأقوال وأعمال شركهم.فهومباين لهم في العقد، والقول، والعمل مباينة الضد للضد: فكما باين التوحيد الشرك، باين هوالمشركين، وذلك معنى قوله : {وما أنا من المشركين}.

وهذه البراءة والمباينة – وإن كانت مستفادة من أنه يدعوإلى الله وينزهه – فإنه نص عليها بالتصريح، لتأكيد أمر مباينة المشركين، (والبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جليه وخفيه)، وجميع مظاهر شركهم، حتى في صورة القول، كما في النهي عن قول ( شاء الله وشاء فلان). فلا يقال: ( وشاء فلان ) لأنه صورة من الشرك القولي (7)، أوفي صورة الفعل كأن يسوق بقرة أوشاة مثلا إلى ضريح من الأضرحة، ليذبحها عنده، فإنه ضلال كما قاله ” الشيخ الدردير في باب النذر “.

فضلا عن عقائدهم: كاعتقاد أن هناك ديوانا من عباد الله يتصرف في ملك الله، وأن المذنب لا يدعوالله. وإنما يسأل من يعتقد فيه الخير من الأموات، وذلك الميت يدعوله الله!!

ولتأكيد أمر المباينة للمشركين في هذا كله نص عليها بالتصريح كما قلنا، وللبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره وجليه وخفيه. والمباينة والتبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه وإنما خصص المشركين لما تقدم ولأن الشرك هوشرك الكفر وأقبحه.

ولما كانت هذه المباينة والبراءة داخلة في الدعوة إلى الله وتنزيهه، فإن المسلمين المتتبعين لنبيهم  كما يدعون إلى الله على بصيرة، وينزهزنه – يباينون المشركين في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم، ويطرحون الشرك بجميع وجوهه، ويعلنون براءتهم وانتفاءهم من المشركين (8) والحمد لله رب العالمين.

————–

1 ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة “.

2 رواه ابن ماجة من طريق أبي الدرداء رضي الله عنه بسند موثق وفيه ابن سميع قال فيه ابن عدي : حسن الحديث.

3 ” ثم دمرنا الآخرين . وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ” الصافات، الآيات : 136 – 139

4 وإذن فمن اعظم الضرر أن نقف، أويقف بعضنا جامدين أمام الذين يستخفون بالدين وتعاليمه، وإنما علينا أن ننكر عليهم وندعوالعاصين إلى الطاعة، ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، وإن غضب الذين ندعوهم، لأن هذا واجب النصيحة لله ورسوله ولكتابه، وبذلك كنا خير أمة أخرجت للناس : ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ” صدق الله العظيم.

5 والأولى للحاكم وولي  الأمر، والقادر. ولا شك أننا نقدر جميعا على الناس ومهما كانت قوة المبطلين، فقوة الداعي إلى الله أقوى منهم، والله يعصمك من الناس.

6 ويلاحظ في البند الأول من ماهية الدعوة كيفيتها : إن الإسلام يبارك العلم أيا كان نوعه وفرعه ما دام يقصد به وجه الله تعالى، وخر البشرية.

7 جاء في سنة ابن ماجة عن حذيفة بن اليمان: أن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي من أهل الكتاب، فقال : القوم أنتم، لولا أنكم تشركون، وتقولون : ما شاء الله، وشاء محمد. وذكر ذلك للنبي (ص)، فقال : ” أما والله إن كنت لا أعرفها لكم ، قولوا ما شاء الله، ثم شاء محمد ” وفي رواية “قولوا : ما شاء الله وحده “. وقد نفى النبي (ص) أنه يعرف هذه المقالة الجاهلية، رجع من هدي النبوة لابن باديس  ص 196، قضية كافية وبيان وشفاء وغناء.

8 أشار الإمام فيما سبق إلى ما ابتدعه بعض الجهلاء من ذلك المنكر في الجزائر، ولما حملت جمعية العلماء، ودعا ابن باديس وصاح صيحاته بمختلف الطرق، اختفت تلك المناكر، والحمد لله فجزاه الله خيرا عن الإسلام وأهله.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *