مطلب ملح لتصحيح مسار النشاط السياحي بالمغرب


 مــدخــل

اعتبرت منظمات عالمية السياحة في الدول الفقيرة خلال سنوات الستينيات والسبعينيات بمثابة أعظم فرصة للتمكن من تجاوز المشاكل التي تعترض مسيرتها التنموية المتعثرة، بل واعتبرتها في مقام ثورة جديدة تضاهي الثورة الصناعية الأوربية ؛ حيث إنه يمكنها من خلال هذا القطاع الاقتصادي الحديث الحصول على مداخيل إضافية هامة تضاهي الأنشطة الاقتصادية التقليدية، والزيادة من رصيدها من العملة الصعبة ناهيك عن قدرتها على تغطية عجز الميزان التجاري، كل هذا مقابل عرض بضاعة جاهزة أصلا ومتجددة (المعطيات الطبيعية والبشرية المحلية).

ولقد بادرت السلطات المغربية من جهتها، وبتوصيات من البنك الدولي، إلى إعطاء أهمية كبيرة للقطاع السياحي منذ المخطط الاقتصادي 1965 ــ 1967، وهذا على أساس المؤهلات السياحية التي تزخر بها البلاد سواء من حيث طبيعتها،وسكانها وحضارتها وقيمها، أو من حيث قربها من أوربا الغربية أكبر مصدر للسياح في العالم. وقد اعتبرت السياحة منذ ذلك التاريخ رهانا للنهوض بالاقتصاد الوطني، وهذا ما يعبر عنه قول أول وزير للسياحة بالمغرب :  “… وإذا كانت إسبانيا قد تمكنت بفضل السياحة من تحقيق نهضة خارقة، لأنها تمكنت من أن تقفز من التخلف إلى الصف العاشر بين الدول الصناعية الكبرى، فإن المغرب من جهته هوالآخر يرغب في الوصول إلى هذا الهدف عام 2000، إلى المرتبة التي تحتلها إسبانيا حاليا”(1).

وقد تعزز هذا الرهان برهان آخر أعطيت انطلاقته سنة 2001 عندما أعلن عن رؤية 2010 الرامية إلى تحقيق 10 ملايين سائح، منهم 07 ملايين سائح أجنبي. ومن أبرز أهداف هذه السياسة تحقيق 20% من الناتج الداخلي الخام، وعشرات الآلاف من فرص الشغل. وقد جاء في عدد من التصريحات الرسمية أن السياحة نشاط اقتصادي معول عليه كي يكون قاطرة للتنمية..، قاطرة لجر باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى.

السياحة والبعد الثقافي والروحي

إن اعتماد خيار اقتصادي معين يستدعي الإحاطة بمختلف جوانبه وتداعياته بشكل يضمن نجاعته وأفضليته عن غيره من الاختيارات. وإن اعتماد النشاط السياحي كاستراتيجية للتنمية بالمغرب ليطرح العديد من التساؤلات المقلقة. يتطلب هذا الاختيار الوعي بعدة أبعاد لا يمكن تجاهلها ؛ فهناك البعد الاقتصادي والمالي، والبعد البيئي، والبعد الاجتماعي، وهناك كذلك البعد الثقافي والروحي.

لن يخوض هذا المقال في الأبعاد الأولى، فلن تعدم المهتمين بها سواء أمن الأجهزة الرسمية أم المؤسسات الخاصة. ولكن بغية هذا المقال هي تناول البعد الثقافي والروحي للنشاط السياحي لما بلاحظ  في هذا الجانب من تقصير واستهانة.

من الإشكالات الثقافية الأساسية التي يطرحها النشاط السياحي ظاهرة المثاقفة (2) ؛ فالسياحة من جهة هي استيراد لنموذج ثقافي. ؛ كتبت عالمة الاجتماع ماري فرنسواز لونفان سنة 1980 أن :”ما تنقله السياحة إلى البلدان ليس سياحا بحقائبهم فقط، بل، وبالأساس نموذجا اجتماعيا. وهذا الأخير لا يؤثر فقط في الممارسات الاقتصادية، ومناهج التسيير، وطرق توزيع وتنظيم العمل، وأشكال التكوين المهني، إلخ..، بل إنه يصوغ السلوكات الاجتماعية لكل فئات المجتمع حتى جذورها العميقة. إن هذا النموذج الاقتصادي نموذج ثقافي “+(2 ــ ص : 98).

السياحة اتصال بين شعوب مختلفة ذات حضارات مختلفة ؛ وهذا الاتصال قد يكون في حد ذاته مريحا أومزعجا، إيجابيا أوسلبيا، اتصالا تستفيد منه مختلف الأطراف أوتتأذى منه (كلها أوبعضها). وتزداد حدة إزعاج هذا الاتصال كلما اختلفت الأسس الثقافية بين الأطراف المعنية. ويتأكد من خلال الإحصائيات الرسمية أن معظم السياح الدوليين الذين يفدون على المغرب هم سياح غربيون، ذوو ثقافة غربية (السياح في معظمهم أوربيون). بمعنى أنه اتصال بين شعب عربي مسلم يتحلى بمختلف مؤشرات “التخلف “، وشعوب غربية نصرانية تتحلى بمختلف مؤشرات “التقدم “. وهنا تطرح قضية ظاهرة التقليد والمحاكاة التي يبديها عدد من المغاربة مما يحيل إلى الاعتقاد بأنهم في محل ضعف إزاء هذا الاتصال. وهنا كذلك نستحضر مقالة العلامة ابن خلدون : ؛في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه : إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه ؛ أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هولكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاد فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هوالاقتداء”(3).

يمثل السياح الغربيون نموذجا حيا للحياة الغربية برفاهيتها وترفها الماديين، ولقيمها الثقافية الدينية واللادينية (اللائكية) ؛ ويمارسون -ولوبغير قصد- استعراضا تمثيليا يعرضون من خلاله مظاهر قوتهم المادية والثقافية على السكان المحليين الفقراء ماديا و”ثقافيا “. يتأثر السكان إذن  “بنمط ومستوى العيش الذي يبرز به السياح، مما يولد (…) شعورا بالدونية والحرمان، ويؤثر سلبا على سلوكات المغاربة الذين سيطمحون إلى محاولة التقليد”(4 ـ ص : 217) ؛ وتتأكد هذه الدونية (التي أشير إليها هنا) عندما نعلم أن الكثير من فرص العمل التي تتيحها السياحة للسكان تضعهم في موقع “الخادم “الذي يؤدي خدمة لـ “سيده “، ولعل الشباب هم الأكثر تأثرا بهذا الاستعراض والأكثر إحساسا بالحرمان. ويقول “جورج كازي”: “وينجم عن ذلك “آثار الاستعراضية”على الساكنة المحلية، وسلوكات المحاكاة في مجالات مختلفة ــ وخاصة في صفوف الشباب ــ كالألبسة، وأذواق وعادات غذائية وشبه غذائية (كالكحول والتبغ)،  والأخلاق، والقيم الجمالية والفنية، إلخ”(2 ـ ص : 99). وعلى حد قول التونسي أحمد بوذهيبة : “السياحة تعرض سلوكات مجتمع مبذر على أنظار مجتمع محتاج (…) إن الفجوة العميقة التي تفصل بين المجتمعات الغنية والمجتمعات الفقيرة لم تعد منذ الآن فكرة تجريدية، بل أصبحت حقيقة على أرض الواقع تعايش كل يوم”(2 ـ ص : 99). ويشار هنا كذلك إلى أن هناك من المغاربة من قد يحسون بالغربة ببعض جهات بلادهم التي تشهد إقبالا سياحيا كثيفا، حيث إن الإقبال الكثيف للسياح يحول البيئة الاجتماعية لتلك الجهات إلى بيئة غربية لا تمت بصلة إلى البيئة المغربية الأصيلة… إن تنمية النشاط السياحي ببلادنا تقوم أساسا على استقبال وتلبية طلب أجنبي (أوربي) له متطلباته الخاصة به التي تختلف في كثير منها عن متطلباتنا ؛ وهذا ما يجعل المعايير المرجعية المعتمدة في هذا القطاع أجنبية ودولية تختلف في كثير منها عن مرجعيتنا كذلك.

 السياحة والغزوالثقافي

وربما قد لا نبالغ إذا قلنا بأن التوافد السياحي الأوربي على المغرب بشكله الحالي ما هوإلا واجهة من واجهات الغزوالثقافي الغربي للشعوب المستضعفة وسطوة الثقافة الغربية على باقي الثقافات الأخرى، واجهة تعزز  تبعيتنا الثقافية لهذا الغرب بسلطة جاذبيته وبريقه الأخاذ، واجهة تعزز فينا عقدة النقص تجاه الأجنبي، واجهة تعزز استسلامنا لقيم الآخر الشاذة بدعوى تقدمه حينا والتسامح حينا آخر، واجهة تعزز في نفوس عدد منا عقدة مرضية شعارها “كل ما هوغربي فهوعصري وحداثي، وكل ما هوغير غربي فهومتخلف وظلامي”… وإنه لا يمكننا إنكار ضرورة تفاعل الثقافات فيما بينها، ولكن في إطار الاحترام المتبادل، ونرى أنه من حقنا أن نرفض من قيم الآخر ما نشاء بحسب ما تمليه علينا قيمنا. يقول الدكتور المهدي المنجرة :   “إنني لا أومن بوجود ثقافة موحّدة”، ذلك أن فيرناند بروديل في هذا الصدد يقول “نكشفُ ثقافةً بما نرفض استيراده”. لأن تفاعل الثقافات أمر غير سلبي، شريطة أن يكون هناك ضبط التبادل لتفادي التقليد الأعمى، الذي يفرغ هذه الهوية من محتواها (…) وفي بلدان كبلدنا، فإن الانعكاسات المتواصلة للاستعمار، تجعلنا في وضعية تبعية ثقافية وتقليد يرجع سببه إلى الشعور بالخوف الناجم عن عقدة النقص تجاه الأجنبي من جهة ؛ ومن جهة أخرى، إلى جهل قيمة الثقافات الأخرى من طرف المتعصبين للهيمنة. في الحقيقة، إن القوي يرغب في تكيّفك مع ثقافته بقدر ما يميل الضعيف إلى التشبه به”(5 ـ ص : 228). ولعل جون لوك ميشود (2) قد عبر بصدق عن أحاسيس الكثيرين عندما قال بأن الإقبال السياحي الأجنبي الكثيف على جهات معينة يقوي من مشاعر الاستعمار لدى السكان المحليين، وبالتالي من مواقف العداء والرفض ؛ وذلك لما يعانونه ويكابدونه من وقوفهم العاجز المستسلم شاهدين على تآكل ومسخ تراثهم وقيمهم الثقافية. وهنا مكمن الخطر في التمادي في هذا الأمر ؛ فموقف الاستسلام للأمر الواقع إذا كان مجسدا في البعض، فإن البعض الآخر قد لا يستسيغه، وربما قد تصدر عنه ردود أفعال خطيرة وصادمة تقابِل في تطرفها تطرف دعاة الانغماس التام في ثقافة الغرب وتشربها. ولعل جزءا من هذا التخوف هوما قد عبر عنه قول الدكتور فريد الأنصاري :  “إنني أخشى -إذا استمر صناع الخراب في صناعتهم- من نتائج عكسية لسياسة التفسيق، لكنها نتائج لا توازن لها ولا انضباط، هي الآن تتخمر في النفسية الاجتماعية. إنني أنذر برد فعل خطير، رد فعل شعبي غير محكوم ولا موزون، يطبعه الجهل، وتغمره الفوضى ! ينطلق على مدى متوسط ؛ ضد موجة التفسيق المفروضة على البلاد والعباد، التي تقودها الشرذمة المتطرفة، من اللادينيين الفرنكوفونيين، والشيوعيين، المدسوسين في بنية المؤسسات الرسمية والحزبية ؛ استجابة لرغبة الفجور السياسي العالمي “واستجابة لنزوة الاستمتاع الشيطاني في الثقافة والمجتمع “(8 ـ ص : 7). وفي هذا الصدد نردد مع الدكتور المهدي المنجرة القولة التي يحلوله ترديدها كلما تعلق الأمر بالقيم، والانفتاح، والتواصل الثقافي بين الشعوب والحضارات، وهي قولة لغاندي : “أريد لكل ثقافات الأرض أن تهب عند بيتي، على قدر ما تستطيع من الحرية.. لكني أرفض أن تنسفني أية واحدة منها”(5 ـ ص : 155).

ثم هناك إشكالان آخران يتفرعان عن الإشكال الأساسي السابق .

  الإشكال الفرعي الأول هو إفساد القيم الأخلاقية

السياحة تستورد نماذج من السلوكات. والسائح قبل كل شيء مستهلك : يستهلك الشمس، والمظاهر، والطقوس الدينية، والرقصات، والمناظر، والنساء… كل شيء قابل للشراء وبالتالي للتفسخ. فالسائح يشتري أي شيء بأي ثمن لأنه لا يعرف قيمته الحقيقية + (4 ـ ص : 231). إن الشواهد على الفساد الذي تنشره السياحة في العالم (وخاصة منه النامي) وخطورتها على القيم الأخلاقية للشعوب كثيرة ومتعددة ؛ فقد اتسع انتشار المخدرات، وتطورت السياحة الجنسية في العديد من البلدان (*)، وتطور معها ما يعرف بتجارة الرقيق الأبيض، والاستغلال الجنسي للقاصرين، ومختلف مظاهر الشذوذ الجنسي (**)، وانتشار داء السيدا، إلخ. ولعل هذا ما قاد جاك بوكنيكور في إشارة إلى السياحة بالقارة الإفريقية إلى القول : ؛ السياحة (بإفريقيا) ساهمت بقوة في المتاجرة بالعلاقات الإنسانية + (2 ـ ص : 100).

وبتركيزنا على المغرب، نجد أن مجموعة من السلوكات الشاذة التي يعانيها تعود في جزء منها إلى النشاط السياحي. ولعل إشارة موجزة لتوزيع انتشار داء السيدا باعتباره إحدى عواقب تلك السلوكات تكشف ربما عن علاقتها بالسياحة. فحسب خلية الأمراض التعفنية المتنقلة التابعة لوزارة الصحة المغربية، مثلت جهة سوس ماسة درعة 22 % من حالات السيدا المسجلة بالمغرب سنة 2005، أكثر من 340 مريض ؛ 91 % من هذا العدد سجلت بمدينة أكادير لوحدها. وعلى اعتبار أن أكادير هي أحد أكبر قطبي السياحة بالمغرب، فإن للسياحة دخلا بالأمر. كما أن الكل يذكر بألم الفضيحة التي أثارها السائح والصحفي البلجيكي فيليب السرفاتي في علاقته ببعض نساء أكادير. أضف إلى هذا حملات الشرطة بمراكش وأكادير  ضد بعض مظاهر الدعارة حسب ما كانت تفيد جرائد مغربية عقب تلك الفضيحة. ونذكر، كما يذكر معنا مقدم البرنامج الإذاعي المغربي السابق “منك وإليك”، قصة ذاك الشاب الورزازي الذي قال بأن سائحة أوربية أغرته وأغرت رفيقا له بما كانت تبديه لهما من شبق جنسي حتى أوقعتهما في الزنا بها، فلما رجعت إلى بلادها أخبرتهما بأنها مصابة بالسيدا.

الموقف الشرعي من السياحة

الإشكال الفرعي الثاني الذي يطرحه القطاع السياحي هوتحديد الموقف الشرعي منه على اعتبار أن العديد من المهن السياحية تشوبها المنكرات في الدين ؛ ويتردد هذا الإشكال بالأساس لدى عدد من العاملين بالسياحة الذين يعبرون عن عظيم حيرتهم في كيفية التعامل مع هذا النشاط الاقتصادي الذي أصبح لهم موردا أساسيا للعيش لا يرون موردا غيره. فرواج الخمور، والنوادي الليلية، وخدمة السياح وهم في وضعيات يحرم شرعا التعرض إليها (العري بالمسابح نموذجا)، ناهيك عن الجرأة -أوالوقاحة- التي يبديها عدد من هؤلاء السياح في انتهاك الحرمات أوما يعبر عنه القانون المغربي ربما بالآداب العامة والأخلاق في الأماكن العمومية..؛ وغيرها من الوضعيات التي تميز المحيط المهني السياحي، كلها تثير في هؤلاء العاملين داخله الريبة وعدم الرضا والقلق، والإحساس العميق بالذنب. وربما هذا ما يفسر انسحاب عدد منهم من بعض تلك المهن السياحية.

إنه لا أحد يمكنه أن ينكر الأهمية الاقتصادية التي أصبح يشكلها القطاع السياحي، وخصوصا في بلد في مثل الوضعية الاقتصادية للمغرب، بلد بوتيرة نمواقتصادي بطيئة، ووضعية ديمغرافية تغلب الفئة الشابة النشيطة الباحثة عن الشغل على بنيتها العمرية. بلد يبحث جاهدا عن موارد اقتصادية وفرص شغل إضافية تحفظ السلم الاجتماعي وتحقق قفزة تنموية أكبر. غير أن الثمن الذي يمكن أن يؤديه قد يكون أغلى من ذلك باعتبار الإشكاليات التي بسطناها فيما سبق. إن المقارنة التي أجراها أول وزير للسياحة بالمغرب كما سبقت الإشارة مقارنة غير سليمة، وذلك على اعتبار الاختلاف الكبير ما بين إسبانيا والمغرب سواء من حيث الموقع الجغراسي (الجيوسياسي) أومن حيث المرجعيات الثقافية والروحية، فإسبانيا الأوربية النصرانية ليست هي المغرب الإفريقي العربي المسلم، كما أن إسبانيا لن تصطدم بأية إشكاليات ثقافية حادة على اعتبار انسجام أسسها الثقافية مع أسس ثقافة السياح الأجانب (لأن أغلبهم أوربيون) ؛ لهذا فإن الأمل الذي نسجه الوزير من خلال مقارنته تلك لا يعدوأن يكون سرابا. وربما أن الصواب هوأن نقول بأن السياحة الدولية بالنسبة لأمثالنا لن تكون سببا في التقدم، بل عليها أن تكون نتاجا للتقدم بمفهومه المادي والمعنوي. قال “فرانسوا آشر”: “السياحة بالنسبة للدول السائرة في طريق النموليست موردا طبيعيا يسهل استغلاله… فقد بينت التجربة أنه كلما كانت الدولة متقدمة، وكلما امتلكت أنشطة اقتصادية أساسية عديدة ومتنوعة إلا وزادت حظوظها في الاستفادة أكثر من السياحة… لقد اتضح أنه ليست السياحة هي التي تمكن من التقدم، بل التقدم الشامل للدولة هوالذي يجعل السياحة مفيدة”(2 ـ ص : 95).

مراجعة لابد منها

سبق لنا أن أشرنا في مقال سابق لنا على صفحات جريدة “المحجة “المغربية (6) إلى ضرورة مراجعة السياحة ببلادنا مراجعة تصحح مسارها ؛ مراجعة تستحضر في بنائها مختلف الأبعاد، وخاصة منها البعد الثقافي والروحي على اعتبار أن الهوية الثقافية هي أعز ما يملكه الإنسان. لهذا فإن المناداة بإستراتيجية سياحية جديدة نراها مطلبا مشروعا، إستراتيجية تقطع مع منطق حل المشاكل الآنية الظرفية، وتقوم على أساس الانتقاء والإبداع. الانتقاء في السياح ونوع السياحة، والإبداع من خلال التفكير في أنواع سياحية جديدة تعطي الصدارة لقيمنا الثقافية الإسلامية بما يجعلها مهيمنة ومسيطرة ؛ أوبما يجعلها المناخ العام.

إننا مطالبون بالانتقاء، انتقاء السياح الأجانب الذين ترجى منهم فائدة أكبر تضمن لنا أرباحا معقولة وتحفظ لنا قيمنا من أية انتهاكات(7)، وانتقاء أنواع من السياحة النظيفة التي تهمش النمط التقليدي القائم على سياحة “بحر ـ شمس ـ رمال”وتعطي الأولوية للتواصل الثقافي البناء تحت شعار {إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

كما أننا مطالبون بالإبداع، وذلك بالانقطاع مع تبعيتنا وتقليدنا القردي للغرب في نماذج سياحته القائمة على الترفيه العبثي، وابتكار أنواع سياحة جديدة تحفظ لنا كرامتنا وتشكل قناة نبلع عبرها قيمنا الإسلامية الأحق بالهيمنة على غيرها،  فتكون بذلك واجهة من  واجهات الدعوة إلى الله عز وجل شعارها  {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله}.

ذ. عبد المجيد التجدادي

————-

(1) ــ أحمد العلوي :”نحوقطاع سياحي أكثر ليبرالية “(مقال) أبريل 1980. عن زهير عبد الله حسن :”القطاع السياحي في المغرب، الواقع والآفاق، دراسة تحليلية نقدية مقارنة “، الرباط، شركة البيادر، الطبعة الأولى 1991، ص : 154 ـ 155.

(2) ــ مما جاء في معنى المثاقفة حسب بوردون : “ظاهرة اتصال وتداخل بين حضارات مختلفة “. جورج كازي : “السياحة الدولية : إستراتيجية مستقبل أم مجرد سراب؟”. (ترجمة غير منشورة). (الأصل باللغة الفرنسية من نشر هاتيي سنة 1989).

(3) ــ ابن خلدون : “تاريخ ابن خلدون “(المقدمة). بيروت. دار الكتب العلمية. الطبعة الأولى 1992. ص : 155 ـ 156.

(4) ــ Jean-Luc Michaud : + Le tourisme face à lienvironnement ؛ , Paris , PUF Le géographe , 1983.

(5) ــ د. المهدي المنجرة : “قيمة القيم “. الطبعة الأولى 2007.

(6) ــ مقال : “حذار من التلوث الأخلاقي “. جريدة المحجة. العدد 260. يوليوز 2006. ص : 8.

(7) ــ نذكر بتوجه الدول الغربية حاليا إلى تطبيق إجراءات جديدة متعلقة بالهجرة تقوم على أساس الانتقاء ؛ انتقاء الكفاءات التي يرجى منها فائدة أكبر.

(8) ــ د. فريد الأنصاري : “سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة “. مكناس. منشورات ألوان مغربية. سلسلة اخترت لكم. العدد 16. الطبعة الأولى 2003. فاجأتنا هذه الفقرة التي أوردها الدكتور فريد الأنصاري في مقدمته للكتاب على اعتبار أنها توقع موفق وسديد لأحداث 16 ماي الدامية، فقد بحثنا عن تاريخ كتابته للمقدمة على اعتبار أن تاريخ صدور الكتاب كان سنة 2003 (بعد أحداث 16 ماي  2003)، فوجدناه قد كتبها يوم 29 نونبر 2002 (أنظر ص : 19)، أي قبل تلك التفجيرات الدامية والمؤلمة بحوالي ثلاثة أشهر ونصف. فجزاه الله عنا كل خير، ووفق الله مسؤولينا إلى الأخذ بتوجيهات علمائنا والاستغناء بهم عن غيرهم في المشورة والنصح واتخاذ القرارات.

(*) ــ من المفيد أن نشير هنا مثلا إلى هذه المقتطفات من تصريح لفيليب السرفاتي في استجواب له مع قناة بلجيكية :  ؛… وأعلم كذلك أن العديد من السياح يكترون الفيلات، وأن بأكادير تقع أشياء أفظع بكثير مما عشته ومارسته مع أولئك النساء (…) ما أود أن أؤكد عليه أن الأمر يتعلق بسياح لديهم الكثير من المال، ويستطيعون كراء فيلات وكذلك تأمين الحماية من طرف الشرطة حسب ما أتوقع من خلال تجربتي التي جعلتني أطلع على الكثير من كواليس السياحة الجنسية بأكادير +. نقلا عن جريدة “الأيام “، العدد 193، يوليوز 2005. ص : 5.

(**) ــ من المفيد كذلك أن نشير هنا مثلا إلى اعترافات طالب بجامعة القاضي عياض أدب فرنسي بمراكش للشرطة القضائية في إطار البحث في خبايا شبكة لاستغلال القاصرين جنسيا بمراكش : ؛… أؤكد لكم بحكم ترددي المستمر على حانة “البوديكا “أن بعض الأشخاص صغار السن، قاصرون لا يتجاوز سنهم السابعة عشرة، يفدون بدورهم على نفس الحانة، ويكثر عليهم الطلب من طرف الأجانب المترددين على نفس الحانة من أجل ممارسة الجنس عليهم (…) وحسب ما سمعته من العاهرات اللواتي يترددن على الحانة وكذلك الشواذ جنسيا (… أن المسمى “س” الفرنسي المكلف بالنوادل بالحانة دائما، شاذ جنسيا… +. نقلا عن جريدة “الأيام”، العدد 198، أكتوبر 2005. ص : 10.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *