فن الحديث أمام الجمهور 2/2


تذكير : تمت الإشارة إلى أن هناك أربعة شروط للتحدث جيدا أمام الجمهور، تم التطرق في الحلقة السابقة إلى الشرط الأول (إتقان أساليب الحديث) ولكن لم يتم إنهاء كل أنواعه، وفي هذه الحلقة سيتم الحديث عن النوع الأخير من أساليب الحديث (الأساليب المرتبطة بالكلام) وعن الشروط الثلاثة المتبقية.

هـ- الأساليب المرتبطة بالكلام:

– الاستغلال الجيد لبداية الحديث: فيجب على المتحدث أن يختار بداية جيدة لحديثه، وهي مسألة مهمة جدا قد تنعكس سلبا أو إيجابا على تجاوب الجمهور مع الحديث كله. وتسمى هذه البداية بنقطة الهجوم ( Point diattaque )، الهدف منها هو تخلص المتحدث نفسه من أي اضطراب ( le trac ) وكسر الحواجز النفسية مع الجمهور. فكما هو سائد في المحادثات اليومية بين الناس، بحيث لا نخوض في جوهر الحديث إلا بعد مقدمات معينة كالسؤال عن الأحوال الصحية والعائلية وعن العمل وكالحديث عن أحوال الطقس… ومن الأمثلة عن بداية الحديث أمام الجمهور طرح سؤال غير متوقع من الجمهور أو حكاية قصة قصيرة أو أن يطلب من الجمهور من له سابق معرفة بموضوع الحديث أن يرفع أصبعه…

– الاختصار: معلوم أن التطويل يتعب المتلقي ويضعف التركيز لديه، لذلك لا بد أن يعمد المتحدث إلى الإيجاز والاختصار غير المخل بالمعنى، وذلك بتفادي الحشو وكثرة المعطيات والتفاصيل التي قد تضيع الفكرة الأساسية للحديث. وأحسن أسلوب للاختصار هو استعمال العبارات والجمل القصيرة، دون أن تقترب من أسلوب البرقية.

– الفكاهة : يستحسن أن يلطف المتحدث حديثه بجو من الفكاهة الهادفة بدون مبالغة، كأن يقص نكتة أو أن يداعب أحد المنظمين أو الحضور. فالفكاهة تؤدي إلى التخلص من الحواجز النفسية وبالتالي تقوية الانتباه والتركيز.

– استخدام الأمثلة والأمثال: فالجمهور يستوعب أكثر إذا تم استعمال الأمثلة المحسوسة والواقعية. كما أن استعمال الحكم والأمثال يجمل الحديث ويضفي عليه متعة خاصة، ويرسخ الأفكار في الذهن.

– إشراك الجمهور: فالدراسات تقول أن التركيز يقل بعد 15 دقائق من سماع الحديث المسترسل، لذا يجب على المتحدث أن يشرك الجمهور في الموضوع بطرح الأسئلة عليهم أو بتكليفهم بتمرين… وبالنسبة لطرح الأسئلة هناك بعض النصائح منها: السكوت بعد طرح السؤال كإشارة على انتظار الجواب ولإعطاء الوقت للجمهور للتفكير في الجواب، واستعمال بعض حركات الرأس والوجه واليدين التي تعبر عن انتظار الجواب أو الإلحاح في الحصول على الجواب، كما يمكن التوجه لشخص معين من الجمهور بالنظر إليه أو بالإشارة إليه من أجل أن يجيب…

– صدق الحديث: فتأثير أي تواصل لا يتحقق إلا إذا كان المتحدث صادقا في حديثه، وشعر المخاطبون بصدق حديثه. وذلك لا يتم إلا إذا كانت الكلمات نابعة من قلب المتحدث، فما يخرج من القلب يصل إلى القلب، خصوصا إذا كان الغرض هو التحفيز وتقوية الحماس وزرع الأمل.

2- التمكن من لغة الحديث:

ينبغي على المتحدث أن يحسن اللغة التي يخاطب بها الجمهور، مع إمكانية استعمال اللهجة أو لغة أخرى بين الفينة والأخرى لاعتبارات معينة، إما بسبب انعدام أو ضعف المصطلحات في لغة الخطاب، أو لغرض التوضيح أكثر، أو من أجل إحداث تأثير أقوى.

والمهم في لغة الحديث أن تتميز بالوضوح والبساطة. وأن يختار المتحدث الكلمات التي تعبر عن أفكاره بشكل واضح والتي لها تأثير قوي في أحاسيس ومشاعر الجمهور.

ومن الآفات الكبيرة التي يقع فيها المتحدث هي تكرار الكلمات الذي يثير نفور الجمهور ويقلل من مستواه، مما يضعف الانتباه والتتبع. وتكرار الكلمات إما ناتج عن حب لهذه الكلمات ويمكن التخلص منها باستعمال المترادفات، وإما ناتج عن ضعف المخزون اللغوي للمتحدث مما يلزمه الإكثار من قراءة كتب المؤلفين الجيدين لإغناء احتياطه اللغوي.

كما أن الفصاحة والبلاغة من الأمور الضرورية في الحديث والتي تحدث تأثيرا كبيرا في الجمهور.

3- التمكن من محتوى الحديث:

ينبغي على المتحدث أن يكون لديه ما يقوله بخصوص موضوع الحديث، لأنه ما الفائدة إذا كان المتحدث يتقن فن الحديث بينما لا يوجد لديه ما يقوله. إن الناس يستمعون من أجل الاستفادة: معلومات جديدة، معالجة جديدة، موضوع جديد… كما أن الحديث يستحسن أن لا يكون متفرعا يعالج مواضيع كثيرة في نفس الوقت، الأفضل هو التركيز على موضوع واحد وإعطاءه ما يستحق من الشرح الدقيق والتحليل العميق.

وبالنسبة لأجوبة المتحدث على أسئلة الجمهور ينبغي أن تكون واضحة ومفهومة، وفي حالة عدم معرفة الجواب يمكن التصريح بذلك أو الالتزام بالبحث عن الجواب فيما بعد.

كما أنه لتشجيع الجمهور على الاستمرارية في موضوع الحديث، يستحسن عند انتهاء الحديث وقبل انصراف الجميع، مطالبة الجمهور بالقيام ببعض الأمور العملية، يمكن أن تكون عبارة عن تغيير في السلوك أو القيام بعملية بحث أو كتابة موضوع أو بإعداد مشروع… شريطة أن يكون كل ذلك له ارتباط بموضوع الحديث بشكل أو بآخر، وهذا ما سيضمن الاستمرارية في الاستيعاب وحدوث التأثير المستهدف.

4- التحضير المسبق للحديث:

إن أساس نجاح المتحدث رهين بتحضيره الجيد لحديثه. وذلك باتباع الخطوات التالية:

– تحضير الموضوع: وذلك بتحديد الموضوع وكيفية معالجته والأفكار الرئيسية والمعطيات الكمية والكيفية، أخذا بعين الاعتبار مستوى المخاطبين والأهداف المرجوة والنتائج المنتظرة والإطار العام للحديث…

– التدريب على كيفية الإلقاء: وهذا الأمر خاص بالمستجدين أو في حالة حديث أمام جمهور خاص (كبار المسؤولين مثلا). ومن الطرق المستعملة في عملية التدريب: استعمال المرآة، التسجيل بالفيديو أو بآلة التسجيل الصوتي، التدريب بحضور صديق أو أحد أفراد الأسرة…

– تحضير الوسائل اللوجستيكية خصوصا الأجهزة وتجريبها قبل بدء الحديث.

الخلاصة : مهما فصلنا في شرح تقنيات وأساليب الحديث أمام الجمهور، فإن التجربة والمران وقبلهما التقليد، أهم وسيلة للتعلم، لأن الحديث فن أكثر منه علم. كما أنه لا بد من القيام بعملية تقويم بعد كل حديث كيفما كان شكله ومهما كانت براعة وقوة المتحدث فيه، لأن ذلك هو الضمان لاستمرار النجاح.

ذ. أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *